أطفال قرب مدرسة تعرضت للقصف في خان يونس
غزة- “القدس العربي”: على خلاف الأعوام الماضية، طوى طلبة الثانوية العامة في قطاع غزة كتبهم، ولم يفتحوا أياً منها للمراجعة النهائية، استعداداً للامتحانات التي تحدد مستقبلهم، بعد أن حرموا منها بسبب الحرب الإسرائيلية المستمرة على القطاع منذ السابع من أكتوبر الماضي، والتي توقفت في أول أيامها العملية التعليمية، وتحولت المدارس فيها إلى مراكز إيواء.
ولم يعد طلبة قطاع غزة يعيشون، كغيرهم من طلبة، لحظات الانتظار النهائية لبدء اليوم الأول من الامتحانات، الذي تبدأ فيه عدة جهات مختصة حالة طوارئ، تنتهي بانتهاء تقديم الامتحانات.
وبدلاً من التنقل ما بين المراجعات النهائية للمنهج، سواء في المراكز التعليمية المختصة، أو من خلال المذاكرة مع الأصدقاء، أو بشكل منفرد، التزم طلبة قطاع غزة منازلهم، أو مراكز الإيواء التي يعيشون فيها، يكابدون مشقة الحياة، في مساعدة أسرهم، إما في العمل خارج المنزل لتوفير قوت يومهم، أو في توفير احتياجات الأسر سواء في جلب ماء الشرب أو شراء الأطعمة، والتي تحتاج إلى جهد كبير، يضطر الواحد أن ينتظر في طوابير طويلة، حتى حصوله على مبتغاه.
مهند حسن، كان أحد طلبة الثانوية العامة هذا العام، لم ينتظم كغيره من طلبة الثانوية سوى شهر وبعض أيام في المدرسة، تلقى خلالها شرحاً لبدايات المنهج، لكنه، كغيره من الطلبة، لم يعد يعرف شيئاً حتى عمّا درسه سابقاً، ويقول إن ظروف الحرب جعلت الإنسان يعيش الحياة يوماً بيوم، فهذا الشاب خلال حديثه لـ “القدس العربي”، تحدّثَ بحرقة عن فقدان الأمل في تقديم امتحانات الثانوية العام، التي تنطلق بعد أيام قليلة.

وقد كان مهند، الذي يقيم حالياً في بيت جدّه بمخيم النصيرات، وسط القطاع، بعد أن تعرّض منزل أسرته لتدمير بليغ بسبب هجمات نفذتها قوات جيش الاحتلال مطلع العام الجاري، قد جلب معه، خلال رحلة النزوح، كتب المنهج، وكان لا يتوقع أن يطول أمد الحرب طويلاً، وأن يتمكن خلال النزوح من المذاكرة كلما توفرت الفرصة.
غير أن أصوات الغارات المتلاحقة التي ينفذها جيش الاحتلال، والخوف من القادم، وكذلك أصوات الطائرات الاستطلاعية “بدون طيار”، التي تحلّق على مدار الساعة فوق أجواء غزة، أفقدته القدرة على التركيز.
ويقول مهند: “كنت أتمنى أن أتقدم للامتحانات والحصول على علامات مرتفعة، فقد كنت أحلم بدراسة الهندسة”، ويضيف: “لكن الحرب حرمتني كل الأمنيات”، مشيراً إلى أن مدرسته تحولت إلى “مركز إيواء”، وباتت مكاناً لمبيت النازحين، بدلاً من تعليم الطلبة.
وفي أحد “مراكز الإيواء”، وسط مخيم النصيرات، أبلغ أحد مسؤولي المركز أن لديهم أكثر من 10 طلبة كانوا منتظمين قبل الحرب في مدراسهم في المرحلة الثانوية العامة، وأن جميعهم قدموا منذ بداية الحرب من مدينة غزة.
وهناك التقت “القدس العربي” بالطالب إيهاب عابدين، وقد كان لتوه قد وصل إلى المركز قادماً من السوق، جالباً بعض الأغراض لأسرته، ويشير إيهاب إلى أنه في هذا الوقت يكون الجميع من الأهالي والجيران، يحرص على توفير الهدوء لطلبة الثانوية، ولم يكن يُطلب منهم قضاء أي حاجة للعائلة، ولم يكونوا ضمن أفراد العائلة الذين يقومون بزيارات عائلية، وكان همهم فقط ينصب على المذاكرة والمراجعة النهائية.
وقال: “حالياً بدلاً من الدراسة في الفصل الدراسي، إحنا وغيرنا بنام فيه”.
ويقول إيهاب: “فقدنا الكتب والمدرسة وكل إشي حلو بحياتنا”، وقد تحدث عن أصدقاء له في الدراسة قضوا بسبب الهجمات الإسرائيلية خلال الحرب المستمرة.
وأضاف: “ما بعرف شو العمل، لكن كنت أتمنى أن أحصل على شهادة الثانوية العامة”، وتحدث عن أحلامه المدمرة، فقد كان يأمل في الحصول على منحة دراسية للسفر للخارج والحصول على شهادة الطب.

ومن المقرر أن تطلق امتحانات الثانوية العامة، يوم السبت القادم، وستخصص لطلبة الضفة الغربية، ومن تمكن من طلبة الثانوية العامة من قطاع غزة السفر إلى مصر، وعددهم أكثر من 1000 طالب، حيث سيتقدمون للامتحانات بإشراف السفارة الفلسطينية في القاهرة، وفق ترتيبات معينة.
وفي هذا السياق، قالت وزارة التربية والتعليم، إن الحرب الإسرائيلية الدموية المتواصلة على قطاع غزة، حرمت نحو 39 ألف طالب وطالبة من تقديم امتحانات الثانوية العامة.
وأوضح المتحدث باسم الوزارة صادق الخضور، في بيان صحفي، أن 450 طالباً من طلبة الثانوية العامة ارتقوا شهداء هذا العام جراء العدوان، بينهم 20 طالباً من الضفة الغربية.
ولفت إلى أنه من المقرر أن يلتحق 1320 طالباً وطالبة في اختبارات التوجيهي في 29 دولة عربية، بينهم 1090 يتواجدون في مصر، مشيرًا الى أن طواقم الوزارة افتتحت أكبر قاعة في مصر، إضافة لافتتاح قاعات خاصة في روسيا، وتركيا، وقطر، فيما ستعقد الاختبارات في سفارات بقية الدول.
والجدير ذكره أن عدد الطلبة الذين كانوا سيتقدمون هذا العام لامتحانات الثانوية العامة في قطاع غزة يبلغ نحو 39 ألف طالب وطالبة، وستكون هذه المرة هي الأولى التي يتخلف فيها طلبة قطاع غزة من المرحلة الثانوية، في الالتحاق بامتحانات الثانوية العامة، التي تحدد مصيرهم المستقبلي.
وكانت وزارة التربية والتعليم أكدت، بسبب الأوضاع، التزامها بعقد دورة خاصة لطلبة الثانوية العامة الموجودين في القطاع عند انتهاء الحرب الإسرائيلية، واستكمال المادة التعليمية المقررة.
وتقول آلاء، وهي إحدى مدرّسات المرحلة الثانوية، والتي نزحت هي الأخرى مع عائلتها من شمال قطاع غزة، وتقيم حالياً في منطقة وسط القطاع، إن الظروف التي فرضتها الحرب، جعلت من كل الحلول التي عرضت خلال الفترة الماضية صعبة للغاية، وقالت إن الاعتماد على التعليم الالكتروني في ظل انقطاع الكهرباء والإنترنت، غير واقعي، ولن يستفيد منه الطلبة، لذلك لم يجد أحد حلولاً تنقذ طلبة الثانوية العامة من ضياع هذا العام الدراسي.
وتؤكد أيضاً أن ظروف الحرب حتى لو أتيح تدريس للطلبة في “مراكز الإيواء” تجعل الأمر مستحيلاً، فتواجد النازحين في منطقة واحدة ولفترة طويلة غير مؤكد، حيث يمكن أن تجبر هجمات جيش الاحتلال النازحين وغير النازحين من السكان، على ترك أماكن سكنهم بشكل مفاجئ، والتنقل مرات عدة هربا من الغارات، وقد أشارت هذه المدرسة إلى ما واجهه، قبل أيام قليلة، النازحون في رفح، حين خرجوا من المدينة للإقامة في مناطق الخيام في غرب خان يونس ووسط القطاع.
ولذلك فقد طالَبَ أحمد جودة، الطالِبُ هو الآخر في المرحلة الثانوية، بأن تبادر الجهات المختصة في وزارة التربية والتعليم لوضع حلول خلاقة، تضمن عدم ضياع هذا العام الدراسي، لكنه لا يتوقع أن يحصل هذا الأمر في القريب، ويتيقن كغيره أن العام الدراسي الحالي ضاع عليه وعلى جميع طلبة غزة.
وتقول سماح خلف إن أحلامها برؤية ابنتها البكر تنجح في الثانوية العامة بتفوق، وتلتحق بالجامعة تبخّرت بسبب الحرب، وتقول هذه السيدة إن ابنتها تبكي كثيراً كلما تذكرت الأوضاع التي وصلت إليها، وحرمانها من التعليم.
وتحدثت عن تجربة ابنتها في الأيام الأولى للحرب، حين كانت تواظب على الدراسة رغم الظروف الصعبة، قبل أن تجبر كغيرها على عدم التركيز بسبب الغارات والقصف، والانتباه دوماً إلى إمكانية مغادرة المنزل والنزوح إلى أماكن أخرى.
والجدير ذكره أن قوات الاحتلال الإسرائيلي تعمدت خلال الحرب تدمير 103 مدارس وجامعات بشكل كلي، و309 مدارس وجامعات بشكل جزئي.
وأشار تقرير للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الانسان، إلى أن إسرائيل دمرت 80% من مدارس قطاع غزة بين كلي وجزئي في هجومها العسكري منذ السابع من تشرين أول/أكتوبر الماضي، وهو ما وصفه خبراء الأمم المتحدة، في بيان مشترك صدر في 18 نيسان/أبريل الماضي، بأنه يمثل “إبادة تعليمية” ويحرم جيلاً آخر من الفلسطينيين من مستقبلهم.
كما أدت الغارات الإسرائيلية، وفق الإحصائيات الرسمية، إلى استشهاد أكثر من 10 آلاف طالب وطالبة.

وكان جهاد الشويخ، أستاذ التربية في جامعة بيرزيت، قدم مقترحاً حول التوجيهي لطلبة غزة هذا العام، اقترح فيه، في حال توقف العدوان في فترة تسمح بانعقاد بعض التقييمات المدرسية، أن تقوم وزارة التربية والتعليم بتحديد طبيعة تلك التقييمات وانتهاء العام الدراسي ،كما هو معمول به كل عام، وفي حال كان الوقت المتاح قليل جداً، أو يكاد ينعدم، اقترح أن تقوم وزارة التربية والتعليم، وبالاتفاق مع الجامعات، بمعادلة شهادة التوجيهي لهذا العام الدراسي (طلبة غزة فقط) بناءً على نتائج الصفين العاشر والحادي عشر، وأن بإمكان طلبة التوجيهي من قطاع غزة التقدم إلى الجامعات (في الضفة الغربية وقطاع غزة) هذا العام لقبولهم في التخصصات التي يرغبون بها، كتعويض عن المواد التي لم يتمكن الطلبة من دراستها في المدرسة، وتقوم الجامعات بعمل برنامج خاص على مدار فصل أو فصلين لهؤلاء الطلبة تضمن “تأهيل” هؤلاء الطلبة لاستكمال دراستهم الجامعية بنجاح.
ويوضح أنه يمكن الاستفادة من فترة الصيف، للبدء في خطوات تأهيلية أكاديمية (وربما نفسية) تساعد الطلبة على تجاوز البداية في التعليم الجامعي بنجاح.
غير أن أياً من الجهات المختصة لم يعط أي إشارات لقبول هذه المقترحات، ما يجعل العام الدراسي يضيع عن طلبة غزة هذا العام.