«صوب النجوم» لجيمس غراي… رحلة مضنية للفضاء بلا طائل

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

البندقية ـ «القدس العربي»: الفضاء، ذلك المجهول المهيب الغامض، كان دوما محطا لأنظار العديد من المخرجين، الذين اتخذوا منه سبيلا لتأمل الكون والكينونة والإله والإنسان. وقد اجتذب الفضاء المخرج الأمريكي جيمس غراي، الذي قدّم هذا العام فيلمه «آد أسترا»، أو «صوب النجوم»، الذي يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي في دورته السادسة والسبعين (28 أغسطس/آب إلى 7 سبتمبر/أيلول الجاري).

ولكن غراي يأخذنا من ذرى توقعاتنا المحلقة عن فيلمه ليهوي بنا إلى هوة سحيقة من خيبة الأمل. يقدم غراي فيلما يشبه عنوانه، فقد اختار لفيلمه عنوانا باللاتينية هي «آد أسترا»، التي تعني «نحو النجوم»، ولم يختر أن يكون العنوان بالإنكليزية المعاصرة. خيار لغوي يوحي بتعمق كبير، أو بتقعر كبير تصحبه خيبة أمل، وما يأتينا في الفيلم هو ثاني الخيارين
شهد مهرجان فينيسيا في الأعوام الأخيرة مولد عدد من أفلام الفضاء، من بينها «جاذبية» لألفونسو كوارون و»وصول» لدوني فيلنوف و»أول رجل» لداميان شازيل. ويأتينا غراي، صاحب فيلمي «مدينة زاي المفقودة» و»عاشقان» البديعين، بفيلمه «صوب النجوم» الذي يشارك أفلام الفضاء الثلاثة السابقة في الكثير من قضاياها وملامحها، كما يشترك أيضا مع «أنترستيلر» لكريستوفر نولان في الكثير من ثيماته والقضايا التي يتناولها، ولكنه يبدو لنا نسخة مقلدة دون المستوى لهذه الأفلام، وتبدو القضية الرئيسية التي يتناولها إعادة طرح لقضية قُتلت بحثاً حتى استهلكت تماما: علاقة الابن بأبيه، الأبوة، محاولة الفرار من صورة الأب، الفقد، والانشغال بالبعيد وبالعمل عمن هم أقرب الناس إلينا.


روي ماكبرايد (براد بيت) رائد في فضاء في المستقبل القريب، ذلك المستقبل الذي أصبح القمر فيه مأهولا بالبشر، وأصبح تسيير رحلات للكواكب البعيدة أمرا مألوفا. يأتي روي من أسرة ذات باع طويل بالفضاء، فوالده كليفورد ماكبرايد (تومي لي جونز)، الذي اختفى في الفضاء منذ أعوام، يعد واحدا من أبرز رواد وعلماء الفضاء في العالم.

روي ماكبرايد (براد بيت) رائد في فضاء في المستقبل القريب، ذلك المستقبل الذي أصبح القمر فيه مأهولا بالبشر، وأصبح تسيير رحلات للكواكب البعيدة أمرا مألوفا.

هناك في الفضاء المهيب يبدأ الفيلم بما يبدو لنا أنه انفجار يؤدي إلى سقوط روي من هوائي محطة فضائية على ارتفاع شاهق. وتقول ناسا إن الانفجار واحد من بين الكثير من الانفجارات التي تسببت فيها محطة فضائية كان قائدها كليفورد ماكبرايد، والد روي، الذي كان يُعتقد أنه مفقود في الفضاء، ولكن اتضح أنه ما زال حيا. يشتهر روي وسط أقرانه من ملاحي الفضاء ووسط قادته برباطة جأشه وثباته الانفعالي في أكثر المواقف حدة، ولكن رباطة الجأش تلك ستشهد أقسى اختباراتها عندما يكلف روي بمهمة على درجة قصوى من السرية والأهمية، ولكنها بالنسبة لروي على درجة كبيرة من الخصوصية، فالمهمة هي إعادة والده، الذي لم يره منذ كان صبيا، إلى الأرض. ومنذ تلك اللحظة يفقد الفضاء بكل أسراره أهميته للفيلم. يصبح الفضاء، والتصوير السينمائي الأخاذ لهويتيه فون هويتما، مجرد خلفية باهظة التكلفة لقصة بسيطة: قصة أب وابن والعلاقة بينهما، قصة ابن هجره والده وهو في سنوات صباه المبكرة، وتأثير هذا الهجر والخذلان. ونجد أنفسنا نتساءل: لم اختار غراي هذه الأجواء الفضائية، وهذه الكواكب البعيدة ليقص علينا قصة كان يمكن أن تدور في أي مكان آخر. إنها قصة خيارات الآباء وكيف تؤثر على الأبناء، وفيلم عن ابن يحاول جاهدا ألا يكرر أخطاء أبيه.
الفضاء في فيلم غراي عدائي خانق، رغم نجاح الإنسان في غزوه، إلا أنه لا يزال غامضا ملغزا، وربما اختار غراي هذا التصور للفضاء ليوحي بمدى البعد والبرودة في العلاقة بين روي وأبيه. وكما لو كان غراي لا يثق في المشاهد وبعقليته، وما سيفهمه من الفيلم، يصر غراي على تلقيننا مغزى الفيلم تلقينا في صورة «فويس أوفر»، أو تعليق صوتي يضمنه غراي تعليقا على المغزى من أحداث الفيلم.
كنا نتمنى لو أن الفيلم خلف لدينا تأثيرا أو إحساسا، أو أعمل لدينا فكرا، ولكنه يغادرنا فور مغادرتنا الصالة. ربما السؤال الوحيد الذي يلح علينا بعد انتهائنا من مشاهدة الفيلم هو: لم الفضاء؟ أين الأبعاد السردية التي تتطلب أن تدور الأحداث في الفضاء؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية