بينما اختار الكثير من الفنانين العرب الكبار الشهرة والمال والبطاقات الذهبية، مثلهم مثل بعض المثقفين العرب، مقابل طأطأة الرؤوس والهامات والمبادئ، مقابل ما يجنونه من فتات أموال، يتفادى بعضهم أخذ مواقف صريحة تجاه غزة والتضامن مع جراحها ومحاولة إبادتها!
في المقابل عالميا وعربيات، هناك من يحاول، بكل ما لديه من قوة وشجاعة، أن يناصر القضية العادلة، ويقف إلى جانب الحق وينشر الكوفية الفلسطينية عاليا.
في هذا العالم المجنون بالمال والسلطة والظهور، علينا أن نبحث في الأنهار والسواقي، علنا نجد ما لا نجده في البحار والمحيطات، وبالفعل يوجد في نهر الفن الملتزم الإنساني ما لا يوجد في محيطه الماجن الصاخب.
فيحق لنا أن نتقاسم فرحة «ساعة سعيدة» على قناة «ديوان أف أم» التونسية، وهي تتحدث عن انجاز فنان الراب التونسي الإيطالي «غالي» في مهرجان الأغنية في «سان ريمو» الإيطالية.
اختارت القناة الحديث عن «غالي»، رغم أن الكثيرين – كما ذكرت المذيعة – لم يريدوا مشاركته في المهرجان، وهو واحد من أعرق مهرجانات الموسيقى في العالم. لأول مرة فنان تونسي وناطق بالعربية، يكون موجودا في إيطاليا، غنى بالتونسي ليعبر عن انتمائه لبلده، وارتدى الكوفية الفلسطينية، ليعبر أنه عربي وإنسان، ثم غنى بالايطالية، تحية لإيطاليا، كما غنى للناس الذين يموتون في البحر». الشيء الذي أثار جدلا في إيطاليا أنه، كما ظهر في صورة الخلفية في البلاتو أنه يرافق كائنا فضائيا، واسمه «ريتشورينو»، وسأله إن كان يريد قول شيء، والكائن الفضائي يوشوش له في أذنه، وغالي يقول: أوقفوا الإبادة! وتسأله اللجنة، لماذا تخلط السياسة في مهرجان موسيقي؟!
فأجابهم أنا لا أتكلم عن السياسية، أنا أتكلم عن الإنسانية والسلام، الذي نريد أن يسود العالم.
كان يتكلم عن قيم كبيرة، صحيح أنه لم يفز في منافسة «سان ريمو»، لكنه فاز بأكبر جائزة للإنسانية، ولاقى إعجابا في كل إيطاليا، وفي غيرها، والخبر الجميل والسعيد، هو كسب قلوب الكثيرين جدا في العالم، من خلال مناصرته لقضية غزة العادلة.
أما على قناة «موزاييك أف أم» فصرح، عبر الهاتف، أنه «فخور كتونسي، لأنه غنى في «سان ريمو» للسلام، وأنه أوصل رسالته، رغم الهجوم، الذي شن ضده.
أغنية «كازا ميا» تقول كلماتها «أشتاق لمنطقتي، أشتاق لحيي، الآن هناك إطلاق نار، القصة نفسها تقريبا، لا أرغب في رفع الغبار، ولكن كيف يمكنكم القول إن كل شيء عادي هنا، لتحديد الحدود بخطوط خيالية وهمية، قصف المستشفى من أجل قطعة من الأرض أو قطعة من الخبز، يغيب السلام دائما»!
إلى أي حد يرحب بهذا الكلام في إيطاليا، سأله المذيع، أجاب أن الكثير جدا من الإيطاليين كانوا مع ما قيل في الأغنية، وكانوا معنا كما ذكر. وهذا الكلام في الظروف الحالية لا يمر بسهولة، والرأي العام انقسم هناك، وهناك من اعتبر الأغنية «ميزة سان ريمو 2024» وأحسوا أنها خارج المسابقة.
ويعلق المذيع أنها أغنية لتمرير خطاب سياسي. ولأنها ملتزمة لم تعجب كل الناس، وعلى رأسهم رئيس الجالية العبرية في ميلانو «ولكر ميقاني»، الذي وصفها بالدعاية المعادية لإسرائيل. وقال إنه يجب إبعاده من «سان ريمو»، ورد «غالي» بالقول، كيف يحس إنسان أنه مهاجم، إذا أديت أغنية عن السلام؟!
لم يفز الرجل في «سان ريمو»، لأنه كما قال في مكالمته عن من يكون الفصل في التصويت لصالح الفائز، ليس الشعب أو الجمهور دائما، فهناك خبايا في التصويت، لكنه فاز بتفاعل الناس معه، وهذا في حد ذاته نصر.
وبالفعل ربح قضيته كإنسان تونسي وعربي وإيطالي، وأوصل صوت من هم مثله من أبناء الجالية العربية في إيطاليا ليكون مسموعا ويعبر عن القضايا، التي تؤرقهم كجيل من أصول وهموم عربية.
الفضاء الافتراضي وقضية الأخلاق في الجزائر
انتشرت فيديوهات للمحامية «فريدة عبري»، ومقاطع حواراتها على فضائيات خاصة، مثل «النهار» و»الشروق» الجزائريين، تناولت فيها العديد من القضايا الاجتماعية، وأبرز «مخرجاتها»، إصدار قانون يجرم المحتوى الفاسد. وكتب موقع «أصوات مغاربية»، ملخصا ما قالته المحامية وردود الأفعال المساندة لها، وعن التهديدات التي وصلت الحقوقية، وعن التضامن معها بعد تلقيها «تهديدات» إثر دعوة لجعل الفضاء الافتراضي أخلاقيا، حيث «أطلقت حملة من أجل «أخلقة الفضاء الافتراضي»، خاصة على فيسبوك وتيك توك ويوتيوب، حيث ينشط كثير من المؤثرين الاجتماعيين، لكنها تلقت تهديدات من مؤثرات بسبب مبادرتها، ما جعل ناشطين يتضامنون معها . وأضاف الموقع أنها طالبت السلطات الرسمية بإصدار قانون يجرم ما وصفته بالانحراف الذي يمارسه بعض المؤثرين في شبكات التواصل، وهذا القانون «يضمن رفع دعوى ضد أي محتوى يحرض على الفساد الأخلاقي» .
وطالبت الجزائريين بالتوجه إلى وكيل الجمهورية وتقديم شكاوى ضد المؤثرين، الذين يصنعون هذا النوع من المحتوى، كما طالبت العدالة ووكلاء الجمهورية بالتحرك ضد ما وصفته «السرطان» المهدد للأخلاق بالمجتمع» .
ونتيجة لمبادرتها تلقت تهديدات من مؤثرين اجتماعيين، كما صرحت بذلك في برنامج «60 دقيقة» على قناة «النهار»، لكنها رفضت الكشف عن أسمائهم.
وتضيف «أصوات مغاربية» عن المتضامنين معها: «أعلن «رائد فلوغ» على قناته على اليوتيوب، وقوفه إلى جانب المحامية صاحبة المبادرة، ودعا إلى الالتحاق بدعوتها».
وقد هاجم «فلوغ» المؤثرات فقط، ونعتهن بكل النعوت، ممن يكشفن عن حياتهن الخاصة جدا، ويكشفن عن أجسادهن.
وتطرق لغياب مسؤولية الآباء تجاه بناتهم، وضرورة مراقبتهن في كل تحركاتهن، وكأن المؤثرات وحدهن من ينشرن الفساد في المجتمع، ويستثني المؤثرين من موجة الفساد، التي تفتك بالمجتمع؟!
ومن المتضامنين مع المحامية حسب دائما «أصوات مغاربية» المؤثر «بن عائشة» على حسابه على فيسبوك، مشيدا بمبادرة المحامية قائلا «الله يكثر من أمثالك، ربي يجازيك كل خير».
وقد ردت إحدى المؤثرات بالقول إنه على المحامية أن تقوم بغلق المواقع الإباحية، التي تفسد الأخلاق، وليس ما تقوم به المؤثرات، وتقول عن نفسها إنها تعرض في قناتها، كيف تغسل كبد الدجاج وكيف تحضره، فهل هذا يفسد الأخلاق؟!
وللأمانة اللوم يقع اليوم على المحتويات، التي تؤثر سلبا على العقول وعلى المجتمع.
٭ كاتبة من الجزائر