علام خربط
في كتابه الصادر حديثا؛ «شاي بنعناع عينيها.. ونصوص أخرى» يتنزه بنا ومعنا علام خربط بين نصوصه اللطيفة الرقيقة، منتصرا للأنثى؛ الأم، والزوجة، والحبيبة، والأنثى بشكل عام، معبرا عن مشاعرها ومعاناتها ومشكلاتها وما تلاقيه من عنت وتفرقة وتعسف ذكوري، كما تلامس نصوصه برشاقة تفاصيل الواقع ومعاناة الناس «تبرز في بعضها روح السخرية المفعمة بمرارة تعتمل بالروح، وذلك لما يطحن الناس من هموم ومتاعب، ما انفكت تحيط بهم كإسار معصم».
وتتصف نصوص علام بلغتها الشفيفة، وشحنتها الوجدانية المؤثرة، يقول: «يحوي الكتاب بين دفتيه كتابات وجدانية، منبثقة من انهيالات نفسية تركت تأثيرها عليَّ لوقت غير قصير، آليت على نفسي تسجيلها واضعا نصب عينيّ حقيقة أنّ الكتابة ملاذ رحب لما يمور في الصدر من هموم وآلام أشدها وقعا على نفسي شخصيا؛ هو أنَّ إصداري الجديد هذا يعتبر الأول بعد رحيل والدتي العظيمة، التي وإنْ كنت أنسى فلا أنسى فرحتها لحظة صدور كتابيّ السابقين».
وتعلق لانا مامكغ وزيرة الثقافة السابقة على ذلك في تقديمها للكتاب بقولها: «كاتبُنا الجميل علام خربط ليس الوحيد، بين مبدعينا، الذين تأثّروا بشخصيّة الأمّ في حياتهم، فتماهوا مع بنية الأنوثة في أسمى صورِها وأرقاها، ولعلَّ هذا ما يُفسّرُ تلك المقاربات الرّقيقة للمرأة في نصوص علام، وتلك المشهديّة الآسرة في كلِّ قصّة».
جاء كتاب «شاي بنعناع عينيها» في 160 صفحة، متضمنا ثمانية وخمسين نصا، يسبقها إهداء للأم والأب والزوجة، وثلاثة تقديمات أو توطئات. ومن الصعب الإلمام بجلّ ما تناوله الكتاب من نصوص، لكن لا بُدَّ من محطات رئيسية، وإطلالة سريعة، تُغري ولا تُغني، تَسقي ولا تَروي.
الأمّ
الأمُّ – في حياتها- شجرة وارفة الظلال، وحضن دافئ، وسكينة للروح، وطمأنينة للقلب، وبلسم للجراح، وجبر لكل كسر، لكنها – بعد وفاتها – كسر لا يُجبر، وخسارة لا تُعوض، تتحوّل إلى أسطورة عند أولادها، يشعرون بالفقد الذي يزداد، والحرمان الذي يتعاظم. وقد برزت الأمُّ في ثلاثة نصوص على الأقل؛ في «تباريح متعبة» يجوب الشوارع والأسواق، يتذكر أمَّه وخوفها عليه، واتصالها المستمر للاطمئنان عليه، ورحلتهما إلى البحر الذي أحبته، وتنوي زيارته مرات أخرى، لكنّ الموت كان له رأي آخر. يبكي بصمت، ينوي «زراعة شجرة غار؛ تلك النبتة التي كانت تحبها أكثر من سواها، يقتنع بذلك فيما يعتمل بصدره ألم الفراق مبتعدا شيئا فشيئا عن المكان نحو البيت، ليحتضن شيئا من أثرها فور أن يدخل البيت الحزين».
يذكر في «غروب أبدي» ضفائر أمّه التي تحميه من أشعة الشمس، وحضنها الحنون الذي يبدّد متاعبه وهمومه، وعندما غابت تركته وحيدا لمصيره «منذ ذابت في الغياب الضفائر لتلفح أشعة الشمس جبينه بأسى لا تنطفئ جذوته حتى والشمس تسقط في غفوتها، لتمده بسهر يعتريه الألم وتحفه الدمعات».
يفتقد رحيل أمّه في نصّ «الجمعة الأولى» التي اعتادت كل جمعة أن تجالسهم في حديقة البيت، تنتظر أحفادها بلهفة، ويفتقد أحاديثها عن حياتها وكفاحها في الحياة، يؤلمه مقعدها الفارغ الذي يبكي غيابها «المقعد الفارغ يصدمني بلا رحمة، فارغ إلا من ذكراك التي تعبق في أرجاء بيتنا الحزين. يا من كسر رحيلها قلوبنا، في هذه الجمعة الأولى التي تعنون في حياتنا فصلا مؤلما جديدا، نعيشه وسط حالة من الصدمة والذهول.. في غيابك.. يا أمي». وإنْ لم تبك العين فقد الأمّ وغيابها الأبدي، يبكِ القلب ألما وحزنا وحسرة وضياعا وتيها؛ فالأمُّ أحقُّ من غيرها بالبكاء؛ قد ينسى المرء من فقد من أحبة، لكن الأمَّ لا تُنسى، وكيف تُنسى وهي الحياة وجمالها وجنتها وزهرتها التي تفوح عطرا، وتشيع سكينة، وتنثر فرحا؟!
الزوجة/الحبيبة
نصوص عديدة احتفت بالزوجة والحبيبة، كيف لا، والزوجة المحبة، التي تحول الآلام إلى آمال، والأحزان إلى أفراح، وتؤمن بزوجها، وتثق به، ويجدها أنَّى احتاجها، لا تخذله، وتعينه على تقلبات الأيام، وظروف الحياة، مثل هذه الزوجة كنز وعطية وهدية وركن ركين لا يمكن إلا أنْ تكون حبيبة ورفيقة درب.
في «كأنه الحلم أو هو كذلك» يصف مشاعره وارتباكه في لقائه الأول مع فتاته، وقد اختلط عليه الأمر، هل هو لقاء كالحلم أو هو حلم ابتداء؟ هذه المرأة التي انتشلته من أحزانه، ونجحت في سحبه إلى الجانب المشرق من الحياة، الذي وجد فيه الجمال والحب، وكأنّها معالج نفسي، سبرت أغوار نفسه، واستلت همومه، وداوت جراحه. وفي وحدته، يستذكر لقاءها وحديثها وضحكتها وخجلها، ويقرأ لها من شعر محمود درويش، ويبحث عنها بين النجوم، يدير معها حوارا متخيلا حول مستقبلهما معا، يراها سندريلا قلبه وروحه. يستعيد صباحاتهما الجميلة، وقهوتهما قبل خروجه إلى الدوام، وحدبها عليه، واهتمامها بهندامه، وحثها أن يترك التدخين بغليونه، وزياراتهما العائلية، واتصالاته بها في أثناء الدوام، ومناكفاتهما اللطيفة في نص «خارج نطاق السيطرة». يشعر بأنّه عبء عليها، ويزيدها هموما فوق همومها، «يزعجه أن تنهار تلك الصورة الجميلة التي رسمتها له في ذهنها أول مرة عن إنسان حساس رقيق يسمو فوق السحاب بمن يحب، يجعل منها نجمة لا تخص أحدا سواه». يبكي نفسه، ويتصورها تدخل عليه تواسيه وتخفف عنه، ولا يخرجه من حالته إلا صوت يطالبه بالخروج فقد انتهى الدوام.
في «طفل أكثر… رجل أقل مما ينبغي» يخاطب أنثاه برقة وحساسية مرهفة، يبثها لواعجه، ويترك نفسه بين يديها لتشكله كما تشاء، يستأذنها أن يعشقها، ويرى أنّها تختصر الكون في تنهيدة، يخاطبها: «اسمعي، قلت لها مرة وأنا في رجاحة عقلي، ما رأيك أن أصير مجنونك فحسب؛ لأرتقي أعلى مراتب العقل الذي لا يليق على أي حال بعاشق كان ولا يزال يرى جماليات الكون من خلال أنثى تحمله وردة في شعرها الفاحم..». وفي نصوص المبدعين؛ شعرا ونثرا، يخاطبون المرأة الحلم، كما يتصورنها أن تكون، ولكل منهم ليلاه، يصنعها على عينه، ويشكلها بحروفه، ومع أنها تبقى رسما على ورق، إلا أنها تثير غيرة، وربما تشعل نارا!
هذا غيض من فيض هذه النصوص الجميلة، التي تقترب من الشعر أحيانا، وبعضها للقصة القصيرة فيها نصيب. تناولت الأنثى بكل تلاوينها وحالاتها، بما فيها العانس والمطلقة والمتوفاة والزوجة الآلية، وكذلك الفتاة الحالمة التي تصده لجهله بلغة مخاطبتها، والفتاة التي تمد يد المساعدة، وأشار إلى المعاقين وشجونهم، وإلى المواطن المقهور المغلوب على أمره، وإلى بعض الأعباء الاجتماعية التي لا مناص منها، وإلى مظاهر النفاق الاجتماعي، وذكريات الطفولة، وغيرها.
كاتب أردني