رواية «الخيميائي» رواية رحلة من الشمال إلى الجنوب أوبالأحرى من جنوب أوروبا إلى شمال افريقيا، رواية تقدم الكثير من المعلومات لبناء مرجعية فكرية وجمالية قد تغذي تلك الصورة النمطية عن هذا الجنوب، الذي يعدّ شمالا في قارته، وهي رواية إذ ذاك ترصد لنا واقعا قد يستمد وجوده من تلك النظرة، التي تبحث عن الغرائبي والعجائبي، اللذين يثيران في النفس المتعة والجمال المصادف لهوى في النفس. إن التنوع في المواضيع والشخصيات والأمكنة، وحركة الأحداث، جعلت الرواية تنفتح على آفاق جمالية، وترصد واقعا غير مألوف وغير معتاد، وهي رواية تختال أفق توقع لترسم أفق انتظار لدى القارئ؛ ومن ثم تتحاور مع القارئ بناءً على خلفية معرفته، بالسياق الثقافي والحيز الجغرافي، وما عرفه من أحداث ووقائع عبر التاريخ حربا وسلما وانصهارا اجتماعيا وثقافيا، قهرا أو طوعا.
إن العلاقة بين الشمال والجنوب في العلاقات الإنسانية كثيرا ما بنيت على المصالح، التي إذا ما تضاربت أدت إلى الحروب والاقتتال، وإذا ما توافقت كانت سلما ومحبة وتحالفا، وفي حالات كثيرة يكون هناك ضحايا للحرب أو للتحالف من الأفراد ومن الشعوب، وكأننا أمام قانون البقاء للأقوى، حيث لا مكان للضعيف أو الذي أُنهكت قواه بعوامل قهرية مخطط لها مسبقاً.
تقدم هذه الرواية صورة عن الغجر، تستمد وجودها من ترسبات كثيرة في نظرة الشعوب لبعضها بعضا، وهي إذ تفعل ذلك فإنها في الوقع ترسخ صورة نمطية عن هذا الشعب تلصق به أوصافا وحالات وصفات، تقوم على المفارقة بين الخوف من هذا الشعب والتحذير منه، وطلب النصح منه وأخذ الحكمة منه أيضا «بدت مثل صلاة الغجر. كان قد التقى بالفعل بالعديد من الغجر في طريقه. هؤلاء الناس سافروا أيضًا، لكنهم لم يرعوا الأغنام. أشيع أن الغجري هو شخص يقضي وقته في خداع العالم. وقيل أيضًا أن لدى الغجر اتفاقًا مع الشيطان، وإنهم اختطفوا الأطفال لجعلهم عبيدًا لهم في معسكراتهم الغامضة. عندما كان صغيرًا جدًا ، كان الراعي الشاب دائمًا خائفًا من أن يختطفه الغجر، وعاد ذلك الخوف القديم إليه بينما كانت المرأة العجوز تمسك بيديه».. هذه الصورة وإنْ بدت نمطية فإنها في الواقع ترسّخ واقعا فنياً وجماليا، يؤكد تلك الممارسات التي تبرر الرغبة في التخلص من شعب يمثل خطرا دائما على هذه الأنا الجمعية، التي لا ترى مانعاً من التخلص من هذا الشعب، أو على الأقل وضعه في الهامش ونفيه خارج التجمعات الحضرية. هذه الصورة تخاطب وعي القارئ، وفي الوقت ذاته تبني صورة فنية وقيمة جمالية داخل لاوعي المتلقي أيضا، حتى تتحكم في ذوقه الفني، بما ارتسم في ذهنه من صور انطلاقا من هذا الطرح. ولعل الرواية وهي تقف عند هذه الصورة تلفت النظر إلى مجموعة من القيم الجمالية المرفوضة والمقيتة، التي، بفضل توجيه فكري وفني ممنهج، لا تثير سخط الناس ونفورهم من هذا التوجه العنصري. «وهكذا ، كان سيحتفظ بالمال القليل الذي كان بحوزته ، بفضل حلم كان فيه مسألة كنوز مخفية! هذه المرأة الطيبة لا بد أنها غجرية، والغجر أغبياء».
تقدم هذه الرواية صورة عن الغجر، تستمد وجودها من ترسبات كثيرة في نظرة الشعوب لبعضها بعضا، وهي إذ تفعل ذلك فإنها في الوقع ترسخ صورة نمطية عن هذا الشعب تلصق به أوصافا وحالات وصفات، تقوم على المفارقة بين الخوف من هذا الشعب والتحذير منه، وطلب النصح منه وأخذ الحكمة منه أيضا «بدت مثل صلاة الغجر.
هي المفارقة بين الطيبة والغباء، فكيف يكون الطيّب غبيا؟ وهل بالضرورة كل غبي هو طيّب؟ وكيف نقبل بالنصح ممن هو طيّب وغبي؟ إنها مفارقة لطيفة تلك التي سعت الرواية إلى رسمها فنيا وجماليا، ومن ثم تقف على مجموعة من القيم والأهواء لبناء صورة الغجر في هذا المجتمع بناءً على خلفية تنتقص البنية الاجتماعية للغجر، وتلصق بهم كل شيء سلبي، ولا مانع من أن تكون معهم براغماتيا، فتأخذ منهم ما ينفع وتترك لهم غير ذلك. «تنهد الرجل العجوز: الغجر ماكرون. في كلتا الحالتين، من الجيد أن تتعلم أن كل شيء يأتي بثمن في الحياة. هذا ما يحاول محاربو النور تعليمه».. ومن ثم فالحذر منهم واجب وعدم الوثوق فيهم أمر ضروري بل حتمي.
إن الوقوف عند هذا القيم الجمالية للغجر، سواء أكانت سلبية أو إيجابية، يجعلنا نطرح أكثر من سؤال عن المسؤول عن هذا الإرث المشترك لهذه الصورة الفنية، التي تستمد وجودها من الواقع ومن الفن. هذه الصورة قد تؤكد تجارب عاشها القارئ في الواقع أو تخيلها، عن مجتمع يعيش على الهامش، أو يراد له أن يكون كذلك، في حين أن للغجر قناعات أخرى تؤمن بالحرية، وعدم وجود الحدود على الأرض التي هي ملك للبشر، ولكل مجموعة من البشر ترسانة من القوانين والأعراف المتفق عليها، التي يجب احترامها وأي اختراق لها يعرض صاحبها للعقوبات الصارمة، من دون ميل عاطفي. قد يكون أساس الصراع بين الأمم والشعوب، هو الخوف من الضياع، والسعي للحفاظ على المكاسب بأنانية طاغية وغير متحكم فيها، ونرجسية قاتلة، وذاتية ظالمة، بعيدة عن كل موضوعية للعيش الكريم لكل الشعوب والأمم، بعيدا عن الصراعات والحروب، فـ»كل ما نخشاه هو فقدان ما لدينا، سواء كانت حياتنا أو ثقافاتنا، لكن هذا الخوف ينتهي عندما نفهم أن تاريخنا وتاريخ العالم قد كُتب باليد نفسها». إن مصير الإنسانية واحد، ومادام الأمر كذلك فلماذا لا نفتح المجال للمحبة والسلام؟ ولماذا لا يعم الخير والأمان؟
إن الرواية، وهي ترصد هذه الوضعية غير الطبيعية، تكون قد جعلت رحلة المتلقي نحوها تقف على النوعي والمتميز والمتفرد، في هذه الرحلة العجيبة والغريبة للوصول إلى الكنز، ولا شيء غيره. الكنز هو الإنسان بما يحمله من قيم إيجابية للخير، وبغضه للشر وما يتعلق به. «وعندما يلتقي هذان الشخصان، وتلتقي أعينهما، يصبح حينها كل الماضي وكل المستقبل غير ذي صلة، ولا توجد سوى هذه اللحظة الحالية، وهذا اليقين المذهل بأن كل شيء تحت مظلة السماء قد تمت كتابته باليد نفسها، اليد التي تولّد الحب والتي خلقت روحا رفيقة لكل كائن يعمل ويستقر ويبحث عن الكنوز تحت ضوء الشمس. لأنه، إذا لم يكن الأمر كذلك، فإن أحلام الجنس البشري ستكون بلا معنى». هكذا تستبدل الرواية قيم التناحر والتصادم بقيم المحبة، ما دام أن الأصل واحد والغاية واحدة والوسيلة، وإن تعددت يجب أن تكون خيرّة ونبيلة تراعي مصير البشرية، التي تعيش تحت سقف واحد، ومن ثم يجب الاعتراف بالتنوع والإقرار بالاختلاف إنْ وُجد، فهو اختلاف في الشكل وليس في الجوهر والمضمون.
٭ كاتب جزائري