حين أصدر الروائي البرازيلي باولو كويلو روايته القصيرة والأكثر شهرة « الخيميائي» عام 1988 فإن دور النشر العالمية دخلت في السنوات التالية سباقاً محموماً لإعادة طباعتها بعد ترجمتها إلى أغلب اللغات المعروفة، وهي تبدأ من اللحظة التي يقرر فيها «سانتياغو» راعي الغنم الأن دلسي الشاب الذهاب إلى عجوز تقرأ الكف لتفسر له حلمه الذي تكرر لمرتين، بينما هو غافٍ تحت ظلال الشجرة، ويشاهد فيه طفلاً يمسك بيده ويقوده حتى أهرامات مصر، من أجل تحقيق أسطورته الشخصية والعثور على كنز مخبأ عند سفوحها، حتى لقاءه بمغامر إنكليزي يبحث عن الخيميائي الذي يمتلك حجر الفلاسفة، وأخيراً يعثر سانتياغو على الخيميائي الذي يقوده في رحلة مفعمة بالتجارب الصعبة. وبعد مسيرة في الصحراء تنتصب أمام نظره أهرامات مصر، التي تعني العثور على الكنز المخبوء: «جثا على ركبتيه، وبكى. شكر الله، لأنه آمن بأسطورته الشخصية، والتقى ذات يوم، ملكاً، ورجلاً إنكليزياً، وخيميائياً، بل، وهذا هو الأهم، التقى امرأة من الصحراء، جعلته يفهم أن الحب لا يمكنه، أبداً، أن يبعد رجلاً عن أسطورته الشخصية».
في جانب آخر من العالم، في بغداد، أصدر الروائي العراقي علي خيون رواية قصيرة أيضاً، تحت عنوان «بلقيس والهدهد» عام 1995 صدرت في طبعتها الأولى عن دار الشؤون الثقافية العامة، ونفدت بعد صدورها بمدة قصيرة، وصدرت الطبعة الثانية عن دار التكوين في دمشق عام 2008، ونفدت أيضاً من المكتبات، ولم تطبع مرة ثالثة لحد الآن، وقد عدَّها الناقد العراقي علي عباس علوان حين صدورها لأول مرة: «إضافة حقيقية للرواية العربية المعاصرة، وإنها ترقى إلى مستوى الإبداع الروائي» وكتب عنها شيخ النقاد في العراق علي جواد الطاهر مقالا عنوانه (بلقيس والهدهد والإبداع) مبينا إعجابه بها كما أعجب كثيرا من قبل برواية «العزف في مكان صاخب» للكاتب نفسه ودعا إلى ترجمتها.
وقبل أن نوجز رواية علي خيون، لا بد من تسجيل ملاحظة مهمة مفادها أن هذه القراءة الروائية المقارنة، لا تعنى بتأثير رواية كويلو برواية خيون، كما قد يَفهم القارئ خطأً، منطلقاً من صدور رواية «الخيميائي» قبل رواية «بلقيس والهدهد» بحوالي سبع سنين، ذلك أن علي خيون لم يطلع على رواية باولو قبل كتابة روايته، لسبب بسيط أن الرواية اكتسبت شهرتها بعد منتصف التسعينيات، وأنها لم تترجم إلى اللغة العربية إلا عام 1996 بعد صدور رواية علي خيون بعام واحد – وهي الترجمة التي قام بها الأديب والكاتب والمترجم المصري بهاء طاهر، وصدرت عن سلسلة روايات الهلال تحت عنوان «السيميائي ساحر الصحراء» أعقبتها ترجمات أخرى كثيرة، أهمها وأدقها ترجمة جواد صيداوي، التي اعتمدناها في هذه القراءة، الصادرة عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت، وبتخويل من مؤلفها البرازيلي باولو كويلو، الذي كتب بنفسه مقدمة لسلسلة رواياته الصادرة بالعربية عن هذه الدار اللبنانية، ومنها رواية «الخيميائي» فضلاً عن تأكيد الروائي علي خيون لي شخصياً، بأنه لم يكن مطلعاً بأي لغة أجنبية، على رواية باولو كويلو قبل كتابة «بلقيس والهدهد» وصدورها وتوزيعها ووصولها إلى القراء، وأنه اطلع على ترجمة «الخيميائي» العربية بعد ذلك بسنوات طويلة، عام 2006.تبدأ رواية «بلقيس والهدهد» بداية جنسية مثيرة، في دكان في بادية السماوة التي تقع على أطراف الصحراء، فقد جن جنون سعود بضاربة الودع الشابة البدوية الملثمة مياسة، بعد أن أخبرته بنبوءتها له: «سوف تصاب بالعمى أو يتوب الله عليك والله أعلم». فما كان منه إلا أن يركلها بعنف ويسقطها على ظهرها: «فانفرج ساقاها، ولمح من بين طيات الثياب فخذيها الممتلئتين المزينتين بالوشم» وهنا يهتاج سعود محاولاً أن يغشاها، وقد هام بها كمن مسه السحر، غير أنها تمانعه بكلمات، غير مفهومة عنده، منعته عن تنفيذ غايته، حتى أقبل شريكه وهاب ليستأذنه سعود ويمضي مع البدوية حتى آخر المدينة حيث الخيام المضروبة خلف مبنى حكومي. ووهاب هذا زوج بلقيس التي تعلق بها سعود من دون النساء، وكان يراها في كل النساء، ومنهن مياسة، فكأنه يحقق رغبته من بلقيس في النساء اللواتي يتمكن منهن.
تغلب على الروايتين النزعة الإيمانية، جنباً إلى جنب مع أجواء السحر والطقوس السحرية، وتتجسد النزعة الإيمانية بوضوح في نصوص يقتبسها علي خيون من القرآن الكريم بذكاء شديد، بينما تتجسد لدى باولو كويلو بنصوص من الكتاب المقدس.
ومثلما تعرض سعود للخيانة بعد أن وجد زوجته حياة وهي في وضع مخل مع الشرطي زغير، فإنه حاول خيانة شريكه وهاب باستدراج زوجته، وحين داهمهم الزوج فجأة، حاول سعود التملص من غوايته لبلقيس وبدلاً من ذلك اتهمها بخيانة زوجها، لينتهي المشهد بإلقاء يمين الطلاق على بلقيس، ومقتل وهاب بطعنة مقص كبير على يد سعود الذي وجد نفسه متورطاً بجريمة قتل، فيهرب إلى خيام الشَعَر حيث البدوية مياسة التي تمضي به بعيداً في قافلة على ظهور الحمير، ليجد نفسه فجأة في عمق الصحراء، التي يسميها البدو المفازة لإخفاء خطرها الدائم، وصعوبة النجاة من آفاتها. ومن هنا، يبدأ تفرد الرواية، حيث الإثارة في بادية السماوة، وعادات البدو الرحل وعلومهم البدائية وحكاياتهم الغريبة، وموروثاتهم السحرية، وطيور البارح والسانح، وعظم الهدهد الذي يستخدم في إغواء النساء، إذ يخيل لسعود أنه سيمكنه من بلقيس، وهو من صنع منبوذين في البادية يشتغلون بالسحر، كان مفاجأة الصحراء لسعود أو هديتها له.
ظن سعود أو شاهين السعدان، أنه قد اقترب من غايته التي ستمكنه من بلقيس، شاغلة حياته وتفكيره، بعد أن تمكن من الإيقاع بخضرة زوجة موحان، ثم نسمة ابنة شيخٍ زاهدٍ متعبدٍ منعزل في الصحراء، لولا أن ثعباناً سبقه إليها فقتلها، وبعدهما نجمة التي جاءت مع زوجها إلى بيت الشيخ الزاهد بحثاً عن علاج لعجز الزوج.
انتهت كل محاولاته مع بلقيس بالفشل، رغم استخدام حجاب عظم الهدهد، وبدأ يشك في أن «السحر قد انتهى في هذه اللحظة وهو في أشد الحاجة إليه، أم أن العظم لم يعد مسحوراً، وأن النساء في الصحراء كن يتساقطن بين ذراعي ابن مدينة جريء وساحر مثل طيور ظمأى تهفو إلى غدير ماء؟ أم أن العظم يعمل في الصحراء دون المدينة؟». وتؤول كل حواراته مع بلقيس ومحاولاته معها، إلى النهاية المفجعة التي تنبأت له بها ضاربة الودع البدوية، حين حملت بلقيس المطهاة المليئة بالزيت المغلي لتسكبه على وجه سعود وعنقه وعينيه لينهض من فراشه أعمى، يتخبط في المكان دون بصر، والعمى مثلما هو معروف رمز الإخصاء كما في أوديب، الذي فقأ عينيه.
في هذه النهاية المأساوية ينتصر الروائي للمرأة بإسقاطه للخرافة، حين تعطل مفعول السحر، ثم ترتبط بلقيس بمعلم لتمضي معه إلى بغداد رمز الحضارة والمدنية التي تركها سعود وخاض في أساطير الصحراء المقفرة.
تغلب على الروايتين النزعة الإيمانية، جنباً إلى جنب مع أجواء السحر والطقوس السحرية، وتتجسد النزعة الإيمانية بوضوح في نصوص يقتبسها علي خيون من القرآن الكريم بذكاء شديد، بينما تتجسد لدى باولو كويلو بنصوص من الكتاب المقدس ، فكلا الروايتين تقومان على فكرة الحب، التي تتصاعد لتصبح هي الفكرة الأسمى فيهما، فقد قال باولو يوماً بأن الذي غير حياته هو الحب، وليس الوقت والقراءة، وفي مجمل القصص والأعمال الروائية لعلي خيون، لا يغيب الحب أبداً، حتى أن بعض رواياته تحمل عنوان الحب مباشرة، كما في روايات «في مديح الحب الأول» و»سلوة العشاق» و»رماد الحب» التي أشادت بنفسها الإنساني الناقدة الجزائرية بهاء بن نوار، والشاعر اللبناني شوقي بزيع، والأديب الأردني يوسف ضمرة، والأديب السوري ياسين رفاعية. وهي المقالات التي جمعها وعلق عليها الناقد ماجد صالح السامرائي في كتاب تحت عنوان « التقنية الروائية والتأويل المعرفي» صدر عن دار الفرقد في دمشق عام 2009. ما يمكن قوله أخيراً، أن المساحة التي تحرك بها الروائي البرازيلي باولو كويلو في روايته «الخيميائي» كانت أوسع كثيراً على المدى الجغرافي والحضاري، في حين نجد أن أجواء رواية «بلقيس والهدهد» محدودة بحقبة تاريخية لا يتعدى زمنها منتصف الخمسينيات في العراق. وفي تقديرنا، لو أن «بلقيس والهدهد» صدرت عن دار نشر واسعة الانتشار، لترجمت وأخذت صدى لا يقل عن أصداء الرواية الأجنبية، لكنها وزعت في نطاق العراق في طبعتها الأولى وبعدد محدود بسبب شحة الورق في ظل ظروف الحصار، وعزلة العراق دوليا آنذاك.
كاتب عراقي