صورة المغرب في الكتابات الألمانية خلال القرن التاسع عشر

رغبة منه في الإسهام في إضاءة بعض القضايا الثقافية حول المغرب، التي يمكن التوصل إليها من خلال قراءة النصوص الرحلية والأدبية الألمانية ذات الصلة، وبدافع من نُدرة ما كُتب عن موضوع صورة المغرب في هذه النصوص؛ يحاول الباحث رضوان ضاوي في كتابه الجديد الموسوم بـ«تمثلات الثقافة المغربية في المؤلفات السويسرية والألمانية من 1830 إلى 1911 دراسة مقارنة» الصادر ضمن منشورات مجلس الجالية المغربية في الخارج، في 312 صفحة من الحجم الكبير، إدراك ماهية نصوص الرحلة والكتابات الاستشراقية الناطقة باللغة الألمانية، التي أنجزها باحثون ومستشرقون ينتمون إلى ألمانيا وسويسرا والنمسا؛ نظراً لتوفر هؤلاء المؤلفين على آليات خاصة جداً في رصد الثقافة المغربية، ولأنهم مثلوا وجهة نظر النخبة المثقفة في المجال الألماني، ليس فقط دراسة المغرب لأجل فهْمه، تمهيدا لتحقيق طموح استعماره، بل بما يحمله هذا البلد من مقومات حضارية أربكت الرّحالة، وأوقعتهم في التناقض بين النظر إليه كبلد له معالم حضارية متنوّعة، وبلد متوحش، وذلك في تساوق مع الأفكار والنظريات التي أنتجها الأوروبيون آنذاك حول الشرق عامة والمغرب خاصة؛ المتمثل في تحضر الأوروبي وتوحش الشرقي.
تكمن أهمية هذا الكتاب في دراسة صورة المغرب والمَغاربة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، من خلال الرحلات الألمانية، التي لم تحظ بما يكفي من دراسات وأبحاث أكاديمية باللغة العربية، أو بلغات أجنبية أخرى.
انبرى رضوان ضاوي لهذا الموضوع عبر الإجابة عن مجموعة من التساؤلات الإشكالية؛ أهمها: كيف «ترجم» المؤلفون الألمان والنمساويون والسويسريون تجاربهم مع الغريب المغربي إلى الجمهور الألماني والأوروبي؟ وما هي الاهتمامات الشخصية والمواقف التي عكست نفسها أثناء عرض هؤلاء المؤلفين للثقافة المغربية؟ وإلى أي حد تأثرت صورة المغرب التي قدّموها، بالصور النمطية الموجودة خلال ذلك العصر؟ وكيف اختلفت رؤى الرحالة السويسريين والنمساويين والألمان عن بعضها بعضا؟ خصوصاً أن سويسرا حافظت على الحياد في سياستها الخارجية تجاه دول شمال افريقيا؟
فرضت هذه التساؤلات على رضوان ضاوي تتبّع تطور صورة المغرب الثقافية في الكتابات الناطقة بالألمانية، ما تطلّب اعتماد مقاربة تزاوج بين الدراسة المقارنة، ونظرية التلقي في تحليل تسعة عشر نصّاً رحلياً وأدبياً شكلت متن هذه الدراسة، انطلاقاً من معيار مدى تشبع هذه النّصوص بالمغرب وبثقافته، وإلمامهم بها، عند لقاء مؤلفيها بالثقافة المغربية؛ إذ تسمح المقارنة بتسليط الضوء على مختلف العناصر الفاعلة في عملية تلقي النّصوص الألمانية، وتمكّن من فهم النصوص التي تركها السويسريون والألمان عن المغرب، انطلاقاً من التكوين الفكري والديني والاجتماعي للمؤلفين، وأثره في تشكيل تمثيلاتهم عن المغرب والمغاربة. وبذلك حاول رضوان ضاوي تحليل النصوص وفق سياقاتها التاريخية، دون إغفال الاختلافات الموجودة بين مُكونات المجال الجغرافي الناطق بالألمانية.
ضم الكتاب بين ثناياه مقدمة وثمانية فصول وخاتمة وملحقا للوحات الرحالة والفنان التشكيلي السويسري فرانتس بوكسر بين سنوات 1830 و1860.
عرض الفصل الأول وفسّر الجذور الأولى والأصول الفكرية لمجالات بحث الألمان في الثقافة، والآليات التي تساعد على دراسة موضوع الثقافة المغربية في الكتابات الجرمانية من 1830 إلى 1911، من خلال أدبيات وتاريخ الأفكار، والاستشراق، وتعدّد القراءات، ومفهوم الثقافة، مع ربط ذلك بنظرية التلقي التي ساعدت الثقافة الألمانية على الاعتراف بالآخر في غيريته، ومن ثم قبوله، كما ربط بين الاستشراق الألماني ودراسات ما بعد الاستعمار، وانفتح على الصورولوجيا المقارنة من أجل دراسة تمثلات المغرب الثقافية في الكتابات الألمانية، مبرزاً أهمية الصورولوجيا في دراسة الهوية الثقافية والتبادل الثقافي، وفهْم الغرابة والاختلاف.
تناول الفصل الثاني من هذا الكتاب السياق التاريخي الذي وجّه الأرضية الثقافية للكتابات الألمانية، من خلال التطرق للعلاقات التاريخية بين ألمانيا والمغرب بين سنتيْ 1830 و1911 من خلال محورين: البعد التاريخي لكتابات الألمان عن المغرب، والبحث في دوافع سفر الألمان إلى المغرب باعتباره جزءا من الشرق.
أما الفصل الثالث فقد سلّط الضوء على تلك المؤثرات الثقافية، التي كانت حاسمة في بلورة فكرة السفر عند الأمان، وربط ثقافة الترحال بالحركة الرومانسية الألمانية، التي أسهمت في بلورة أسس ثقافة معرفة الآخر، كما أشار إلى أهمية الفلسفة الألمانية ودورها في فهم الآخر، والدّور الذي قامت به التّرجمة في نقل الثقافة من خلال أعمال المفكرين الألمان مثل غوته وهردر وشلايرماخر، وتداخل الفكر الإمبريالي مع ثقافة السفر إلى المغرب والاهتمام بالثقافة المغربية.
في حين أبرز الفصل الرابع جهود الباحثين المغاربيين في البحث عن صورة المغارب في الكتابات الألمانية كرفيق سليمان وخالد لزعر ومنير فندري. وقد كان هذا التلقي المغاربي للكتابات الألمانية عن شمال افريقيا، عونا للباحث في الفصل الخامس من أجل معاينة حضور الفضاء المغربي في الخطاب الإثنوغرافي الألماني، إذ استدعت طبيعة هذا الفصل تبيان تمثلات الرحالة الألمان للفضاء المغربي من خلال تتبع أبرز عناصر هذا الفضاء في النصوص الأساسية، وتجلّت هذه التمثلات في فضاء البادية وفضاء السوق وفضاء المدينة، والبحث في المقارنات التي عقدها هؤلاء الدارسون الألمان في الفضاء المغربي.
وأبرز الفصل السادس الحضور الثقافي والإثنوغرافي لأهم الأجناس الموجودة في المغرب في الكتابات الألمانية، وهم العرب، والأمازيغ، واليهود، وكذا فئات المجتمع، خاصة الخدم والنساء، وسلّط الضوء على الحياة العلمية والدينية وبعض المكونات الثقافية كالزواج والطعام.بينما ركّز الفصل السابع على رحلة الرسام السويسري فرانتس بوكسر إلى فاس، انطلاقا من طنجة، وتناول بالمقارنة الآليات والظروف التي أنتجت تجربة سويسرية يمكن إدراجها ضمن أدب الرحلات، إذا كان الاقتصار فقط على التوثيق النصي لرحلة بوكسر، وضمن الفن الاستشراقي تمت دراسة بعض لوحات الفنان بوكسر التي صوّر فيها ملامح من الأوجه الثقافية والإثنوغرافية للمغرب.
وقدم رضوان ضاوي في الفصل الثامن من كتابه تجربة أول امرأة تنتمي إلى المجال الناطق بالألمانية تزور المغرب وتقيم فيه وتكتب عنه وهي، جرتيه آور، لأنه نادرا ما تطرّق الدارسون لأدب الرحلة للتجارب النسائية في هذا المجال ولأنها أول تجربة لامرأة سويسرية تكتب عن المغرب، واستعانت بجنس الرواية التاريخية والرواية الرحلية لكي توثق تجاربها ولقاءها مع الثقافة المغربية، ولم تحظ بدراسة الباحثين العرب.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية