صورة «جيرترود» في المتخيل الروائي للمغربي حسن نجمي

يؤشر عنوان العمل الروائي الموسوم بـ «جيرترود» للمبدع حسن نجمي الصادر في طبعته الأولى عن المركز الثقافي العربي في بيروت على المحتمل الدلالي المفتوح لكونه مفردة وحيدة تسكت على ما قبلها وما بعدها. مفردة تحمل عمقا لكونها تسمح بالانتقال من السياق الروائي المخصوص نحو سياق تاريخ الأدب من خلال استحضار سيرة جيرترود، والكشف عن تفاصيل حياتها الملتبسة. غير ان الروائي حسن نجمي سرعان ما يبدد هذا الالتباس وهو يشيد لجيرترود سيرة تخييلية جديدة بالمزاوجة بين هندسة الأمكنة (طنجة، الرباط، باريس..)، وجماليات المتن الحكائي عبر مكونات هذا العمل الروائي» محمد، المستشفى، خط سير آخر، الوصول إلى باريس، غرفة السطح، ضاحية الغجر، على خلفية صفراء، صالون جيرترود، البورتريه، حيوات ثلاث، الله لايحبني، الجدار الأخير، مصائر.»
انفتح حسن نجمي على البحث الأكاديمي، وعلى أشكال تعبيرية متعددة مثل الشعر والترجمة والكتابة الصحافية والرواية من خلال عمله السابق الموسوم بـ «الحجاب» الصادر سنة 1996، غير ان عمله الجديد «جيرترود» ارتبط بافتتان الروائي حسن نجمي بكتابها «سيرة إليس ب. طوكلاس» وسيتبع بموجب هذا الافتتان الجمالي استراتيجية تطلبت منه سنوات من العمل الدقيق على مستوى البحث والتوثيق ومعاينة الفضاءات والأماكن المرجعية، وتحديد المنظور السردي ومنطق الحكي، وطرائق بناء الشخصيات، وإمكانات الأسلوب، ولغة الحكي السردي تبعا لتعدد الفضاءات. انه إذن عمل شاق يتداخل فيه السجلي من خلال سيرة جيرترود ستاين التي ازدادت بمدينة مدينة أليغني في ولاية بنسلفانيا سنة 1874. وكانت أصغر خمسة أولاد لعائلة ألمانية الأصل، مثقفة، موسرة؛ فقد نجح والدها دانييل في استثمارات في شركة لوسائط النقل، وحقَّق أرباحاً كبيرة في معاملات عقارية، فكوّن ثروة، وانتقل مع عائلته إلى فيينا في النمسا وباريس وعُمر جيرترود 3 سنوات. وبعد 5 سنوات عاد إلى أمريكا واستقرّ في بلدة أوكلاند في ولاية كاليفورنيا وبعد ان توفّيت والدتها سنة 1888 وتوفي والدها سنة 1891، تولّى أخوها الكبير ميخائيل إدارة استثمارات العائلة، فأحسن التدبير، وبعث بأختيْه جيرترود وبرثا للعيش مع عائلة أمهما في مدينة بالتيمور. وفي سنة 1992، انتقلت لتعيش مع خالها داود باشراخ في نفس المدينة. وكانت تحضر أحد الصالونات الأدبية والفنية الأسبوعية.انخرطت جيرترود في كلية رادكليف في ماسشوست في المدة من (1893 ـ 1897) حيث درست علم النفس على عالم النفس وليم جيمس الذي تُعزى إليه نظرية «تيار اللاشعور» التي يُعطَّل بموجبها العقل المستيقظ الواعي، ويتولى التسيير العقل النائم اللاواعي، أي تفضيل التفكير البدائي على التفكير المتطور المصقول، وهي النظرية التي أفادت منها في الأدب فرجينيا وولف (1882 ـ1941) وجيمس جويس (1882 ـ 1941).وفي سنة 1899 التحقت جيرترود بكلِّية الطبِّ في جامعة جون هوبكنز وأمضت فيها سنتيْن، وبعد ان رسبت في عدّة مسارات دراسية، غادرت الكلية دون ان تحصل على الشهادة. وأثناء دراستها هناك اهتمت بالهستيريا النسائية والكتابة المَرضية.لحقت جيرترود بأخيها، ليو، وهو ناقد فني، سنة 1903) للإقامة في باريس بقية حياتها. لتلتقي بأعلام بيكاسو وخوان غريس، وهنري ماتيس. وفي العشرينيّات من القرن الماضي، صار صالونها الأدبي في منزلها، بجدارنه المغطاة بأروع اللوحات الفنية، نقطة جذب للعديد من الأدباء الأمريكيين والبريطانيين الذين كانوا يقيمون في باريس انذاك.
حسن نجمي سيتمكن عبر الطاقة التخييلية من رسم حيوات جديدة لجيرترود بعيدا عن كونها سيرة غيرية، ولن تكون مهمتة تشبه مهمة الخرائطي المعني برصد حدود الأمكنة وتاريخيتها ارتباطا بسطوة السيرة الأدبية. ولكنها ستكون قريبة من مهمة الملاح المسافر من سياتل إلى طنجة مرورا بيابسة باريس.
وسيقطع بموجب هذه الاستراتيجية الكتابية مع التصور الأحادي لسيرة جيرترود انطلاقا من إدراكه الجمالي وقوة التخييل الروائي الذي نسج متواليات سردية عبر كتابة تراهن على جماليات التصوير السردي وعلى الكتابة بلغة بصرية فيما يشبه اللقطة السينمائية الدائرية لرصد فاعلية الحضور لشخصيته الأساس «محمد الطنجاوي» الذي أذعن له الكاتب من خلال وصيته وهو على فراش الموت. الوصية التي ستجعل السارد يتتبع مسار هذا الرجل بوصفه دليلا سياحيا رافق جيرترود في رحلتها نحو عاصمة البوغاز طنجة. وبعد علاقة حب ملتهبة بين محمد الطنجاوي وجيرترود ينتقل بعدها إلى مسكنها بعاصمة الانوار لتتحول وظيفة محمد الطنجاوي من العاشق إلى «الحارس للنساء والشقة، والحريص على تنظيف اللوحات والمنحوتات والمقتنيات من غبار المساءات. وأوكلت إليه جيرترود مهمة كانت تبدو له معقولة ومقبولة، وتندرج في صلب مسؤولية رجل الأسرة الذي كانه.طلب منه ان ينتبه، من خلال جلسات الصالون الفني والأدبي الذي تنظمه جيرترود بانتظام، من إفراط أحد في الشرب، ماكس جاكوب أو أرتو مثلا..أو أيٍّ كان، ممَّن قد تصدر عنه تصرفات غير لائقة فيفسد الجمع واللحظة.» ص119 من الرواية.
وبموازاة تطور المحكي السردي يشير حسن نجمي إلى إشكالية فشل مشروع النهضة المبكرة في المغرب ارتباطا بالبعثة العلمية التي سافرت مبكرا نحو الغرب تزامنا مع البعثة اليابانية. الثانية عادت إلى موطنها لتجد المختبرات والظروف الملائمة لتحقيق نهضة حقيقية. والأولى عادت إلى موطنها لتجد وظائف مكتبية عقيمة أجهضت حلم المغاربة في نهضة مبكرة و»كانت الوظيفة الرسمية مجرد غطاء لانكسار أحلام جميلة» ص75 من الرواية.
حسن نجمي حريص في «جيرترود» على الحديث عن شخصيته المحورية وأصدقائها ومدينتها ورحلاتها. اختار أمكنة مخصوصة لتمكنه من رصد أحوال جيرترود ومحمد الطنجاوي وكشف خباياها النفسية والاجتماعية، فضلا عن الشخصيات الثانوية التي ساهمت في توجيه مسارات السرد وتوتراته، لان الهدف لم يكن تكرار سيرة جيرترود. وقد ساهمت الطاقة التخييلية في نسج زمن روائي مخصوص لا ينفك يستحضر الزمن الماضي كجزء من الزمن الحاضر. وفاعلية الحضور هذه تشبه ما أسماه مارتن هيدغر «بالكائن في العالم» لتحقيق الارتواء الجمالي عبر تعيين المكان بوصفه تجليا لحضور الآخر، ولتفعيل الحضور في الغياب. وبالتالي فلم يكن حسن نجمي هيجيليا يقدم قراءة للظاهرة في إطارها التاريخي، وان كان معنيا بربط المتلقي بالسجل التاريخي كتجل للهوية الكتابية لجيرترود وهي تؤسس عوالمها عبر متخيلها السردي الذي يهدف إلى بناء علاقة قوية بالنواظم الرمزية للأدب. لذلك فالإبدال الدلالي لدى حسن نجمي يتشكل عبر سيرورة سردية تستوعب مختلف التحولات والتوترات الدرامية المرتبطة بجيرترود، وبسيرة أعلام مثل بيكاسو، ماتيس، بلزاك، أبولينير، جان كوكتو، همنغواي» وتواصل جيرترود حديثها المسهب عن الأعمال الزيتية والمائية لبول سيزان، ولوحات ماتيس، صفان كاملان من أعمال ماتيس، لوحتان لبول غوغان، لوحات لموكان، وأخرى لمونتشيلي، وهناك امرأة عارية لفالوطون، لوحة لتولوز لوتريك.» ص 105 من الرواية.
ولعل حسن نجمي وهو ينطلق من رؤية مفادها القطع مع التصورات المعتادة للمكان الذي يرتبط بالمعنى الجاهز عن المرئي، أي الجاهز، والمألوف، والمستقرلأن مختلف الأشياء ليست تابثة بل متحركة. ولأنها كذلك فهي متحولة وغير منعزلة عن الحركة والتأويل. وهذا ما يبرر ذهابه نحو مناطق غير مأهولة في التجارب الروائية، والانفتاح بوعي جمالي على المعرفة والكتابة في طابعها التصويري. تصوير الشيء في ذاته وليس فيما يناظره أو يتشاكل معه. وتساوقا مع هذا السياق لم يقدم الروائي حسن نجمي أفكارا جاهزة حول الكتابة والحياة، بل تجارب متنوعة لإمكانيات الحياة وكأنه كان ينصت لهرمان هيسه وهو يقول: «عليك ان تجرب المستحيل لتصل إلى الممكن».
في «جيرترود» المتسمة بتداخل السجلي التاريخي بالتخييلي نلاحظ قدرة الطاقة التعبيرية والبلاغيية على أسطرة سيرة جيرترود. وسيتمكن الروائي عبر هذه الأسطرة من التمتع بقدر كبير من الحرية لتصبح الرواية قولا في الفن والموسيقى والأدب والسياسة واللباس والأكل، ورصدا للتحولات الثقافية. وهو ما يفسر تساوق الحدسي بالصور الذهنية كم خلال الاستعمال القوي للعين خاصة في الرصد الدقيق للألوان، وكان الرواية ترجمة دقيقة لجهد عقلي قريب من ما يسميه ميرلوبونتي «بتذوق البداهة ومعنى الالتباس في ان واحد»
لقد جعل حسن نجمي بمكر إبداعي محمد الطنجاوي يشارك جيرترود همومها وعوالمها العجائبية. المرأة الصارمة التي حولته من المثقف العضوي إلى رجل يقوم بكل المهام سواء منها المألوفة أو الغريبة عن شخصيتة الحالمة .هذه الخيبة كادت تتكرر لدى السارد عبر مسار علاقته بليديا الأمريكية العاملة في السفارة الأمريكية. لكنه بإرادته يقرر وقف هذه العلاقة ووضع حد لهذا الاختلال الذي يشبه الموت». هل هو الانصراف السريع؟ هذا الندم المتأخر؟ ممحاة بيضاء كبيرة تصنع الفراغ الذي لا يعوضه البكاء أو الدمع، وانما يعوضه الصمت الذي يحوله إلى نسيان». ص 32 من الرواية.
حياة الإنسان شاعرية في أساسها على حد تعبير هولدرلين، وربما كانت جيرترود العارفة بكل تفاصيل حياة الأدباء وأماكن إقامتهم مسكونة بهذه الرغبة في الاقتراب من الحياة خاصة – تبعا لرؤية حسن نجمي الإبداعية – من زاوية الرؤية البصرية وعلى نحو دقيق من خلال عيون صديقها بيكاسو الذي وصفها بقوله: «كانت جيرترود كائنا رائعا. كان يكفي ان تدخل إلى غرفة لكي تمتلئ الغرفة حتى لو كانت فارغة. ولقد كانت تفهم التصوير.كما اشترت مني لوحات عندما لم يكن أحد في العالم راغبا فيها». ص 7 من الرواية.
وفي الوقت نفسه فقد كانت جيرترود تعرف جيدا سيكولوجية بيكاسو وتدرك أهميته الفنية لفرادة أسلوبه وغزارة انتاجه خاصة في مرحلة زيارته لباريس عاصمة الفن ودخوله المرحلة الزرقاء، ولكونه «شخص استثنائي لا يشبهه أحد ولا يشبه أحدا. ففيه جانبه الاسباني، وفيه جانبه الروسي أيضا». ولانه لا وجود لأية حكاية واقعية ان لم يكن النثر جوهريا وصافيا يعبر عن الحياة في تصور همنغواي الذي سيخص جيرترود بقراءة أعماله قبل نشرها لأن الكتاب منافقون، وهي تتحلى بالصدق والشجاعة. الرواية تقدم شخصية جيرترود بالاعتماد على الوصف ليس كمحفز سردي بل كمهيمن مساهم في خلق دينامية سردية، وفي تحديد الملامح العامة لشخوص العمل الروائي ولمصائرهم.
هذه الرؤية الشاعرية تنطلق من خلفية جمالية تشير إلى قلق الحالة الإبداعية العصية على التحقق في لحظة معينة. الحديث هنا ينصب على محاولة رسم بيكاسو للوحة جيرترود التي تشكل الواجهة الأساس للرواية في ما يقارب التسعين محاولة قبيل دخول بيكاسو مرحلة التكعيبية. فالجوهري في الرواية هو الشيء الذي لا يمكن ان تقوله إلا الرواية على حد تعبير ميلان كونديرا.
ولعل المرجعية الفكرية والجمالية المهيمن في رواية جيرترود ستاين(1898-1946) هي التي جعلت من هذه الرواية قولا في المعرفة السردية من خلال الحديث عن منعطفات الأدب الأمريكي المعاصر، وقولا في المعرفة الجمالية من خلال رصد ملامح من تاريخية الفن التشكيلي المعاصر وأعلامه الكبار، فضلا عن العشق النوستالجي، والاستثنائي لعاصمة الانوار باريس بحثا عن الزمن الذهبي وعن حب غير مكتمل.
شاعر مغربي

عبد السلام دخان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية