صور الارتباط والانفصال في قصائد علي رشيد

في مجموعته الشعرية «غرقى يحرثون البياض» الصادرة عن دار خطوط وظلال يبدي الفنان التشكيلي والشاعر علي رشيد، مقاومة للأشكال والأساليب القديمة، ولكنه أيضا يقدم لنا مثالا على الارتباط بالذات وذاكرتها. تضم المجموعة حوالي 50 قصيدة قصيرة، تتوزع على محورين متقابلين هما الانفصال في الأسلوب، والارتباط بالمضمون. ولا ضرورة للكلام عن جانب القطيعة مع ماضي الشعرية العربية. فالقصائد تتبنى شكل قصيدة النثر، وقوامها جمل تتخللها الأسماء الموصولة، لا حروف العطف، مع التضحية بكل أشكال الإيقاع، وليس العروض فقط. فعلام يستند علي رشيد في شعريته.
يمكن التذكير بتجربة سابقة للشاعر اللبناني شوقي أبي شقرا، ولاسيما في مجموعته «يتبع الساحر ويكسر السنابل راكضا» الصادرة عام 1979 في بيروت. فهو على شاكلته، يهتم بالتصورات ويعول عليها. ويختار لتصوراته أن تكون دائما مشحونة بدرجة عالية من التناقض مع الواقع الحالي، لتؤسس لحساسية معادية لكل ما ألفناه. ويمكن أن تجد عند كليهما رشيد وأبي شقرا، ولعا لامتناهيا بالتخيلات، وعالم الظل وكل ما يخرج من الرماد أو يغرق في الضباب. بمعنى أن التصورات تكون أشبه بحالة مصالحة بين الإنسان ووعيه الباطن. بعكس رواد القصيدة النثرية الآخرين أمثال يوسف الخال ومحمد الماغوط وأنسي الحاج، فهم لا يتصورون بل يناشدون ذاتهم أو يناجون رؤيتهم الذاتية للواقع. ومثل هذا الفرق يمكن تبريره عند علي رشيد بالنظر لمهنته الأساسية وهي الفن التشكيلي. فالتصور هو المرادف الطبيعي للتصوير.
أما بالنسبة للارتباط فهو يشبه، في هذه القصائد، فلسفة بروست في «البحث عن الزمن المفقود» وليس المكان الضائع، ولذلك تبدو وكأنها تعبير عن ما نسميه حالة ما بعد المنتمي. وللتوضيح هذه القصائد لا تهتم بدواعي أي موقف أو ذكرى، بقدر ما تهتم بالأحوال والشروط المرافقة، ويمكن اختصار ذلك بثلاث نقاط.
الأولى انطباعات من أيام الصبا والشباب، أو وعي الذات بنفسها، ويتخللها عاطفة نوستالجية قوية، وحنين مفعم بالتعب من العالم اللامتناهي واللامتعين، أو العالم الذي لا يسهل علينا التفاهم معه.
وتلمس ذلك لمس اليد في قصيدة «عرك عراقي»:
ها أنا ذا أهيء المائدة للسكر،
سيسكر معي الحنين الذي ينكأ قبضة الروح مني،
غربتي التي تتحاشى النظر نحوي،
كلما لاك النسيان صدى سنيننا الموحشة.
ومثل هذا الاغتراب ينسحب على ضفتي الحياة: الحاضر الغامض، الذي لا يساعدنا الشاعر على تأويله ولا فهمه، والماضي المعقد والمثقل بالفساد والتخلف والعنف.
وعن ذلك يقول في قصيدة «وديعة»:
سأترك خلفي حياة معطوبة
وأحلاما لم تفق من غفوتها بعد.
ويمكن القول إن هذا الاغتراب ميتافيزيقي غير لاهوتي. فالشاعر لا يتكلم إلا بلغة وجدانية عن عاطفته، التي تقف مثل ذكرى، حجابا بينه وبين واقعه الحالي. بتعبير آخر لا تنشغل القصائد بمتاهة روحية، ولكن بمتاهة بشرية. ولا أعتقد أن الهدف من ذلك هو التثبيت النفسي أو النكوص، ولا التعايش مع الذات المعصوبة والاحتماء بها، وإنما هو تحرير المكبوت أو تظهيره للتخلص منه، ولذلك تسقط ذاكرته بين ذات مرغوبة وموضوع مرفوض. مثلا في قصيدة «عرك عراقي» يتذكر بلاده (التي مسدها الله بالعطر / ذات) ولكن المعجونة أيضا بالعذاب والتألم والفاقة (مثل عجوز تتساقط أعوامها وأسنانها / موضوع). وكذلك لا تغيب عن ذهنه صورة المعلم (كرمز للمعرفة) ولكن معها صورة عصاه (كرمز لمجتمعات الرقابة والعقاب).
ولا تخلو ولو قصيدة واحدة من هذه الفلسفة، فلكل صورة وجهان: أبيض وأسود، أو طيب وشرير، ويقوده ذلك لأن يعلن على الملأ في آخر قصيدة وهي بعنوان «عزلة»:
إنه لم يعد يجرؤ على النظر لشيء أو أحد
وإن المسافة بينه وبين الآخرين أصبحت أطول من النسيان
وإن الهواء الدافئ الذي يتنفسه أصبح ملوثا وقديما ومخلوطا بالصدأ.
ليكتشف في السطور الأخيرة أن العالم يتساقط عند قدميه مثل خطأ.
وإن كل شيء محكوم بقانون واحد وهو الريبة (التي تطوف حولنا مثل غبار الملائكة).
النقطة الثانية هي البقايا أو الأثر، ويشبه ما نسميه باللقى، فالذكريات تأتي بالصدفة، ودائما بالترابط مع حادثة بعيدة عنها. مثلا هو يتذكر حرب العراق مع إيران من خلال مناسبة عيد ميلاد أخيه الشهيد. وتأخذ مثل هذه الذكريات شكل ثقوب في جدار الزمن، ومنها يتلصص الشاعر على نفسه أو ذاته السابقة، ويقف أمامها مثل أي إنسان مختلف عن وعيه وإدراكه.
يقول في قصيدة «يخيل لي»:
يخيل لي أن الحياة الرتيبة التي عشتها كانت صدفة نهمة.
يخيل لي أن علينا أن نفتعل النسيان، كي نبرهن على صحة الخسائر
وغالبا ما تتناوب هذه اللحظات بين رغبات بريئة وأمنيات تقابلها مشاعر الفراق والغربة. يقول في قصيدة «المكيدة»:
غادرني أيها الألم
فالعالم يتأرجح من حولي مثل سنبلة عارية
ولذلك تخيم على هذا الجانب تصورات وجدان الشاعر، وبواسطتها يقاوم مشكلة التآكل والذوبان التي يتعرض لها الإنسان الغريب، كما صور لنا ذلك كامو في روايته الخالدة «الموت السعيد» حيث أن رغبة البشر بالحياة يعتدي عليها الإحساس الجائر بالعجز والسقوط، ثم اللاجدوى والعبث. وعن ذلك يقول في قصيدة «ربي» بلغة عتب لا يخلو من الاحتجاج:
ربي
لم لا تقيم الولائم إلا بأعمارنا؟
أما النقطة الثالثة والأخيرة فهي مشاهدات الشاعر. وبسبب التقادم تأتي وكأنها داخل صندوق أسود، لكن لا يمكن أن تضعها في عداد الأسرار، حتى صمت الشاعر في هذه القصائد يشبه النميمة. وعن ذلك يقول في قصيدة «هو»:
أغمض عينا واحدة على الليل
وفتح الأخرى على سعتها ليطئمن على نومه
٭ صدرت المجموعة في العاصمة الأردنية عمان مع 20 لوحة بالأبيض والأسود للشاعر وتمثل عدة مراحل من نتاجه الفني.

٭ كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية