احتلت البطولات الفدائية وعمليات الاستشهاد حيزاً واسعاً في عدد كبير من الأفلام المصرية التي انفعلت بالتضحيات التي حدثت في الواقع ودفع ثمنها أبطال سُجلت أسماؤهم بأحرف من نور في سجلات المعارك والانتصارات. وقد وضعت مشاهد الاستشهاد كنهايات ختامية تليق بعظمة ما قدمه الشهداء لأوطانهم في سبيل فكرة أو دعوة أو رسالة.
ومما لا شك فيه أن أهم ما تم طرحه في هذا الصدد كان قريناً بالبذل والفداء في الإسلام وتوثيق سير الشهداء الذين ضحوا بحياتهم في سبيل نصرة الدين وإعلاء كلمة الحق، وبالطبع يبرز من بين هذه النماذج استشهاد الصحابي الجليل حمزة ابن عبد المُطلب عم الرسول المُلقب بصائد الأسود، والذي وردت سيرته في فيلم «الرسالة» للمخرج السوري الكبير مصطفى العقاد كمحور أساسي وموضوعي للأحداث البطولية، وهو ما يعد مرجعاً حقيقياً لإسهامات السينما المصرية والعربية في تجسيدها لبطولات من هذا النوع الفريد، مع إضافة عمل إبداعي آخر فارق أيضاً في حيثياته المُتصلة بموضوع الاستشهاد وهو فيلم «أسد الصحراء» الموثق بالصوت والصورة لحياة الشهيد الثائر عمر المختار، إذ حرص العقاد في الفيلمين التاريخيين على تخليد السيرة والذكرى العطرة للبطلين الاستثنائيين في دلالة مهمة على تعظيم رسالتهما الدينية والإنسانية وربط تفاصيلهما بالدور المهم للسينما كذاكرة للتاريخ والأجيال.
وبامتداد الخط الوثائقي ذاته وعبوراً لمرحلة مُختلفة وأحداث مُعاصرة جاء إسهام المخرج المصري الراحل عاطف الطيب ليقدم سيرة رسام الكاريكاتير المُعارض ناجي العلي عبر فيلمه المعنون باسم البطل، كأحد الرموز الثقافية التي دفعت حياتها ثمناً لمواقفها الشجاعة بما أبدعه وصوره من آيات الاستنكار لممارسات التخلي العربي عن القضية الفلسطينية كقضية عامة لا تتصل فقط بالمواطن الفلسطيني، وإنما تخص كل العرب.
وبقدراته التمثيلية الخاصة جسد نور الشريف بالفعل دور العلي بمهارة فائقة فنقل تفاصيل حياته من رهبة الصمت المُطبق إلى آفاق الاعتراف بالتضحية وفضح جريمة الاغتيال على الملأ.
وبرغم أن حياة الشهيد المصري، الفريق أول عبد المنعم رياض لم تتناولها حتى الآن السينما الروائية الطويلة، لكن استطاعت السينما التسجيلية أن تعوض ذلك التقصير بتوثيق سيرته البطولية وحياته العسكرية بالقدر الذي يسمح به زمن الفيلم الوثائقي وتكتمل معه تفاصيل حكاية الشخصية العسكرية المرموقة التي تفانت في سبيل أداء الواجب الوطني فنال البطل الرمز شرف الشهادة وهو في ميدان المعركة وموقع الاستطلاع وانتهى الفيلم الذي كتبه القاص الراحل مكاوي سعيد وأخرجه سامي إدريس باستشهاده في مشهد بالغ التأثير والدلالة.
وكذلك قدمت السينما المصرية السيرة الذاتية للرئيس السادات من خلال فيلم «أيام السادات» للمخرج محمد خان، حيث جسد أحمد زكي دور الرئيس الراحل فأعاد سيرته السياسية والعسكرية مُجدداً إلى الذاكرة الجمعية ليتأمل الجمهور مشواره ورحلته، ولكن تجاوز الفيلم مشهد الاغتيال لقسوته فاكتفى المخرج بالإشارة السريعة لظرف الوفاة ويوم الاستشهاد عند تصوير مشهد النهاية في العرض العسكري يوم السادس من أكتوبر عام 1981. وقياساً على ما عرضته الأفلام الحربية للحروب الثلاثة التي وقعت بين مصر وإسرائيل تم الاحتفاء بالشهداء من أفراد القوات المسلحة المصرية وجنودها وضباطها، الذين استشهدوا خلال حرب 67 والاستنزاف ومعركة العبور في عام 1973 إذ تم تسليط الضوء على العديد من الفدائيين والأبطال، شهداء معركة رأس العُش وعمال مصنع أبو زعبل من المدنيين وشهداء مدرسة بحر البقر الابتدائية وموقعة إيلات البحرية وموقعة كبريت وملحمة العبور وغيرها.
كل هذه التفاصيل وردت في سياق التصوير الدرامي للحروب المذكورة مع ذكر أصحابها في أفلام مثل «العمر لحظة» و«الرصاصة لا تزال في جيبي» و«يوم الوفاء العظيم» و«أبناء الصمت» و«أغنية على الممر» و«بدور» و«يوم الكرامة» و«حكايات الغريب» و«حائط البطولات» و«الممر» إلى آخر سلسلة الأفلام الحربية المعروفة والتي بدأت مُبكراً بأعمال مهمة عن الصراع العربي الصهيوني مثل «صراع الجبابرة» و«فتاة من فلسطين» و«بور سعيد» وعناوين أخرى لملاحم كثيرة جرت وقائعها على أرض فلسطين ذاتها في حرب 48 ووثقتها بعض الأفلام التي لم تنل الحظ الكافي من الانتشار والدعاية كفيلم «هم في الذاكرة» للمخرج سعود مهنا والذي وثق لأكبر حادثة إجرامية ارتكبتها إسرائيل ضد الجنود والضباط المصريين والذين كان من بينهم البطل أحمد عبد العزيز ومصطفى حافظ وعدد من الأسرى الآخرين، حيث تمت عملية إبادة جماعية على مرأى ومسمع من شهود العيان آن ذاك.
ولندرة الأفلام التسجيلية والوثائقية الحاوية للملف الصهيوني الشائك بقيت الأفلام الروائية الطويلة هي الأشهر التي يعرفها الجمهور ويهتم بمشاهدتها.
وهذه النوعية من النماذج السينمائية المُعتبرة وإن كانت قد نقلت أجواء الحرب والقتال بشكل عام، لكنها تضمنت في موضوعاتها حكايات وخلفيات اجتماعية وإنسانية مهمة لسير الشهداء ونوهت عن طبيعة أدوارهم وجهودهم ومهاراتهم القتالية ولحظات استشهادهم بما يُشعل نيران الغضب في الصدور ويُبصر الأجيال الجديدة بالجرائم الإسرائيلية وينفي نفياً قاطعاً مزاعم السلام الصوري المُدون في الاتفاقيات الرسمية فقط بدون اعتراف شعبي من الجماهير التي تُدرك حقيقة الكيان الغاصب وتنتبه إلى غدره ومكائده.