ينهمك الصياد محمد الشريف في صناعة مركب صيد خاص به من بقايا مخلفات البلاستيك، من أجل ممارسة الصيد في بحر غزة، وذلك بعد أن فقد مركبا كبيرا بفعل تدمير الاحتلال لكافة القوارب داخل ميناء غزة منذ بداية حرب الإبادة، وتوقفه عن العمل لفترة طويلة بسبب غياب وسائل الصيد البحري.
وحرم الاحتلال الاسرائيلي قرابة 4 آلاف صياد غزي من ممارسة عملهم في صيد الأسماك، بعد أن تعرض ميناء غزة للتدمير وقصف البوارج الحربية والطائرات المراكب وكافة معدات الصيادين، ولجوء عدد من الصيادين إلى ممارسة عملهم باستخدام بدائل متهالكة تفتقر لأدنى مقومات السلامة، حيث تعرض 144 قاربا صغيرا للتدمير، إلى جانب تعرض 300 قارب كبير أيضا للتدمير الكلي، وتدمير أنظمة الطاقة الشمسية الخاصة.
من بقايا خزانات المياه البلاستيكية التي تعرضت للقصف والتلف، جمع الصياد الشريف قطعا كبيرة من بقايا الخزانات وشرع في عملية قص وتركيب القطع على هيكل حديدي على شكل قارب، ومن ثم تثبيت القطع وسد كافة الثغرات من أجل العمل في المهنة التي من خلالها يوفر لقمة عيش أسرته، في ظل المجاعة المحدقة التي يتعرض لها السكان في غزة.
ورغم الجهود التي يبذلها الصياد الشريف وغيره من الصيادين الذين يحاولون صناعة مراكب بدائية لممارسة عملهم في الصيد البحري، إلا أن الاحتلال يواصل استهداف الصيادين وقواربهم وهم يعملون، حيث يحرق القوارب ويقتل ويصيب الصيادين، ورغم هذا لا يفقد هؤلاء الأمل ويواصلون صناعة القوارب وممارسة عملهم يوميا.
يقول الصياد الشريف لـ «القدس العربي»: «تعتبر مهنة صيد الأسماك من المهن المتوارثة بالنسبة لي ولأشقائي، فهي مصدر رزقي وطوق نجاة لي ولأسرتي في ظل الواقع الصعب والمجاعة التي يمر بها قطاع غزة، حيث أواصل ممارسة عملي في هذه المهنة على الرغم من حجم الخطر الشديد الذي أتعرض له وجميع الصيادين، لكن لا يوجد بديل يوفر لي لقمة العيش».
يشير إلى أن الاحتلال دمر مركبا كبيرا داخل ميناء غزة كان يعمل عليه برفقة أشقائه ولم يبق له أثر بعد أن نشب فيه حريق دمره بشكل كامل، و«نتيجة لذلك بدأت بممارسة عملي من خلال استخدام بدائل غير آمنة ومريحة، لكني مضطر للعمل لجني المال وتوفير الأسماك التي باتت مصدر اللحوم الوحيد في أسواق غزة، نتيجة الحصار الإسرائيلي ومنع دخول الأسماك واللحوم منذ شهرين على التوالي، وحاجة المواطنين لاسيما المرضى منهم للحصول على اللحوم».
وعن طريقة صناعة المركب الخاص به، أوضح أنه لجأ إلى قص خزان مياه على شكل قطع بلاستيكية طويلة، ومن ثم صمم هيكلا على شكل قارب وثبت القطع عليها باستخدام البراغي، ومن ثم قام باستخدام مادة الفيبر غلاس لطلاء كافة جوانب المركب، لكي لا تتسرب مياه البحر إلى داخل القارب ويتعرض للغرق.
ولفت إلى أن القارب «لا يلبي كافة احتياجاتي في العمل البحري، كونه صغيرا ولا يكفي للشباك وصناديق الأسماك التي اصطادها خلال عملي الممتد لساعات، حيث يبلغ طول القارب مترين وعرضه لا يتجاوز متر ونصف، لكن بالنسبة لي يمكنني القارب من الإبحار والدخول إلى المياه ونصب الشباك بشكل مريح والحصول على خيرات البحر».
وبين أن وسائل الصيد البحري باتت شحيحة وبالتحديد الشباك، حيث «نعمل كصيادين على ترميم بقايا الشباك ومحاولة تصليحها واستخدامها في الصيد، لكن لا تلبي كافة احتياجاتنا كصيادين، خاصة وأن كل نوع من الأسماك له شباك معينة، وتوفيرها بات صعبا حاليا نتيجة شح الخيوط إثر الحصار الإسرائيلي».
إلى جانب الاختراع الذي قام به الصياد الشريف، يعمل بعض الصيادين على استخدام مخلفات الثلاجات التي تحتوي على قطع الفلين، من أجل تصميم مراكب يحملون عليها الشباك يبحرون بها إلى مسافات صغيرة جدا داخل البحر لصيد الأسماك، وهذا هو حال الصياد وائل السيد الذي يعمل باستخدام قطع الفلين على تجميع القطع وتثبيتها بشكل قوي، وصناعة قوارب بدائية لكي تتحمل حمولة الشباك وصناديق الأسماك.
وعن كيفية الإبحار في ظل عدم وجود ماكينات ومحروقات، بين أن الاحتلال عاد بالصيادين إلى العهد الحجري، «بعد الدمار الكبير الذي حل بالقطاع لاسيما قطاع الثروة السمكية الذي تعرض للتدمير بشكل كامل، حيث يمارس الصيادون عملهم من خلال المجاديف الخشبية التي تحتاج إلى جهد بدني، وخوفا من تعرضهم للقتل والاعتقال، يبحرون إلى مسافات قريبة جدا من شاطئ البحر، وغالبا لا نحصل على كميات من الأسماك، نظرا لعدم وجود أسماك بالقرب من الشاطئ ووفرتها في مناطق أعمق داخل البحر، وهناك صعوبة كبيرة في حرية تحرك الصيادين داخل بحر غزة».
يضيف في حديثه لـ«القدس العربي» أنه يعمل على البحث عن الثلاجات المتهالكة في الشوارع ومكبات النفايات، من أجل استخراج قطع الفلين المقوى وتجميعه وصناعة قوارب بدائية للصيد، إلى جانب صناعة العديد من القوارب الأخرى وبيعها للصيادين، وتوفير مصدر رزق آخر إلى جانب صيد الأسماك.
وعن الصعوبات التي تواجهه خلال عمله في صناعة المراكب، أشار إلى أن مشكلة انقطاع التيار الكهربائي تعتبر من أهم المعيقات التي تؤثر على عمله، حيث «أحتاج إلى ماكينة لحام حديد لتشكيل هيكل القارب الحديدي كي يتم تثبيت قطع الفلين عليه، ومن ثم أحتاج إلى جهاز لتثبيت البراغي، كما أن الصيادين خلال عملهم بحاجة إلى إضاءة كشافات كهربائية لتجميع الأسماك، وهذا بات صعب الحصول عليه اليوم».
يقول نقيب الصيادين الفلسطينيين نزار عياش إن الاحتلال تعمد منذ الأيام الأولى للحرب تدمير ميناء غزة وغرف الصيادين التي تحتوي على معدات الصيد غالية الثمن، والتي يصعب في ظل الحصار المفروض تعويضها وتسهيل عودة عمل الصيادين إلى عملهم، إلى جانب تدمير أجهزة الطاقة الشمسية.
ويوضح في حديثه لـ«القدس العربي» أن هناك عددا قليلا من الصيادين عادوا لممارسة عملهم بإمكانيات بسيطة وبظروف خطيرة وصعبة، من أجل تحصيل قوت يومهم وتوفير مصدر رزق لهم، وذلك بعد أن تعمد الاحتلال تدمير كافة القوارب الكبيرة من اللوكس والجر والعظام الصغيرة، ولكنهم يبحرون في مراكب بدائية مصنوعة من مخلفات إلى مسافات صغيرة جدا، والاحتلال لا يتركهم بل يطلق النار والقذائف صوبهم خلال عملهم فترة النهار.
ولفت إلى أن قطاع الصيد والثروة السمكية كان يشكل أحد أهم القطاعات الاقتصادية والاجتماعية في غزة، لما فيه من مردود اقتصادي على الأسر، إلى جانب كونه يوفر مصدرا مهما من البروتينات والعناصر الغذائية الأخرى، وبالتحديد في هذا الوقت الذي يشهد فيه القطاع أزمة غذائية وسوء تغذية بين السكان، وحاجتهم الضرورية للحصول على الأسماك.
يذكر أن قطاع الصيد البحري يعاني حتى قبل نشوب الحرب على غزة من حصار إسرائيلي خانق، حيث منع الاحتلال إدخال العديد من القطع والمواد اللازمة لصناعة المراكب بحجة ازدواجية الاستخدام، يضاف إلى ذلك تعمد زوارق الاحتلال ملاحقة الصيادين خلال عملهم وإطلاق النار عليهم، ومنعهم من الدخول إلى مسافات داخل البحر واعتقال وقتل عدد منهم.