بغداد -«القدس العربي»: آلاف الأطنان من المخدرات وعشرات آلاف المتهمين بجرائمها، حصيلة قوات الأمن العراقية في عموم مناطق البلاد- باستثناء إقليم كردستان، خلال ثلاثة أعوامٍ فقط، وسط مخاوف من تنامي هذه الظهرة، خصوصاً بين فئة الشباب، ومطالبات متوازية بتعديل قانون مكافحة المخدرات، بما يتوافق وحجم التحديات التي يثيرها هذا الملف.
ويقول حسين التميمي، المتحدث الرسمي باسم المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية، التابعة لوزارة الداخلية العراقية، إن المديرية ضبطت خلال ثلاثة أعوام (2023، 2024، 2025)، 12 طناً و707 كيلوغرامات و400 غرام من المواد المخدرة، إضافة إلى إلقاء القبض على 35.175 متهم بجرائم مخدرات.
في الفترة ذاتها، جرى الحكم على 20.487 مدان بموجب مواد قانونية مختلفة، بينهم 245 صدرت بحقهم أحكام بالإعدام لتورطهم في تجارة دولية، و955 آخرين حكم عليهم بالسجن المؤبد لتورطهم في تجارة محلية.
ووفق إحصائية التميمي فإن “القوات الأمنية ضبطت أيضاً 2.367 قطعة سلاح، و3.439 عجلة متنوعة خلال العمليات الأمنية، التي أسفرت عن استشهاد 7 من منتسبي المديرية، وجرح 61 آخرين، في حين قُتل 31 من تجار المخدرات وأصيب 67 آخرون”، طبقاً للوكالة الحكومية.
في مقابل ذلك، نفذت المديرية حملات توعوية واسعة، تضمنت توزيع 281.417 مطبوع تثقيفي عن مخاطر المخدرات، إلى جانب إقامة 4.692 ندوة وورشة ومحاضرة في الجامعات والمدارس والدوائر الرسمية، و2.162 جولة ميدانية تثقيفية، ونشر 1.500 خبر توعوي، وتنظيم 62 مؤتمراً رسمياً و883 مؤتمراً عشائرياً ودينياً، فضلاً عن إنتاج 25 فيلماً توعوياً أمنياً.
فيما بلغ عدد المتعاطين الذين تم إيداعهم في مراكز التأهيل التابعة للمديرية 6.304. تم تأهيل 5.191 منهم وإعادة دمجهم بالمجتمع بعد استكمال الإجراءات القانونية واكتسابهم الشفاء التام، حسب التميمي الذي أشار أيضاً إلى أن “لجان الفحص أجرت اختبارات مفاجئة على 123.089 منتسب من قوى الأمن الداخلي، وبلغت نسبة التعاطي 0.17 في المئة فقط، كما تم افتتاح 17 مركزاً تأهيلياً متخصصاً بمتعاطي ومدمني المخدرات”.
في محافظات إقليم كردستان العراق (أربيل، السليمانية، دهوك)، لم يكن الوضع أفضل من بقية المدن العراقية، إذ تجاوز عدد المحتجزين على خلفية تهم تتعلق بقضايا المخدرات، الـ4 آلاف شخص، خلال هذا العام فقط.
منسق التوصيات الدولية في حكومة الإقليم، ديندار زيباري، تحدّث عن هذا الملف قائلاً: “مكتب منسق التوصيات الدولية يواصل تنسيق الجهود الحكومية مع الشركاء الدوليين والإقليميين لضمان استجابة متكاملة وفعّالة”، مشيراً إلى أن “الإحصاءات الرسمية تشير إلى احتجاز 4.636 مشتبه بهم في قضايا تتعلق بالمخدرات في محافظات الإقليم الثلاث حتى الآن، وهو مؤشر خطير يستدعي المزيد من التركيز على هذا الملف”.
وأوضح في بيان صحافي، أن “أغلب المتعاطين هم من الذكور بنسبة 80 في المئة، تتراوح أعمار معظمهم بين 18 و35 سنة، في حين تبلغ نسبة من هم فوق 35 عاماً 6 في المئة، وتحت سن 18 نحو 4 في المئة”، مردفاً: “كما تمثل النساء 10 في المئة من مجموع الحالات، من مختلف الفئات العمرية، ما يعكس تنامي الظاهرة وتنوع الفئات المتأثرة”.
المسؤول الحكومي الكردستاني نوّه إلى أن “المحكومين والمدانين من مواطني وسط وجنوب العراق ودول أخرى”.
أما بخصوص خطط الإقليم للحد من ظاهرة تعاطي المخدرات، أفاد ديندار زيباري بأن “حكومة الإقليم، وضمن استراتيجيتها منذ عام 2019، اعتمدت خطة ثلاثية المحاور تشمل تعزيز قدرات المؤسسات الأمنية وإنفاذ القانون، وتوسيع التوعية المجتمعية، وتطوير خدمات العلاج وإعادة التأهيل”.
وبيّن أن “من أبرز خطوات هذه الخطة، افتتاح مركز متطور لعلاج الإدمان في 18 كانون الأول/ديسمبر 2023، بمبادرة من رئيس مجلس الوزراء، بهدف توفير خدمات علاجية متخصصة وإعادة دمج المتعافين في المجتمع”.
ورأى أن مواجهة المخدرات هي “مسؤولية جماعية تتطلب تنسيقاً عالياً بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والشركاء الدوليين”، مؤكداً أن “حكومة إقليم كردستان ستواصل جهودها الحثيثة لحماية الأجيال القادمة وبناء مجتمع خال من المخدرات”.
وكانت وزيرة العمل والشؤون الاجتماعية في حكومة إقليم كردستان العراق، كويستان محمد، حذّرت من تفاقم ظاهرة تعاطي وتجارة المواد المخدرة في الإقليم، مشيرة إلى أن كردستان تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى محطة رئيسة لمرور هذه المواد إلى دول الجوار.
وقالت الوزيرة في كلمة بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، نهاية الأسبوع الماضي، إن ”كردستان وكل العراق كانا يُعدّان من أنظف المناطق في العالم من حيث خلوّهما من المخدرات قبل عام 2003، لكن هذا الواقع تغيّر بشكل مقلق، وبات الإقليم مساراً لنقل وتوزيع هذه المواد، لاسيما إلى كندا، عبر شبكات تهريب عابرة للحدود”.
وأضافت أن “إيران، باكستان، وأفغانستان تُعتبر من بين أكبر الدول المنتجة والمستهلكة للمواد المخدرة، والإقليم بات بوابة عبور رئيسة لها”.
وكشفت عن “ارتفاع لافت في معدلات الاعتقال المرتبطة بقضايا المخدرات”، قائلة: “في الشهر الماضي وحده، تم إلقاء القبض على 5746 شخصاً في قضايا جنائية متنوعة، من بينهم 1576 معتقلاً على خلفية قضايا تتعلق بالمخدرات، أي بنسبة 27.2 في المئة من إجمالي المعتقلين”.
يتزامن ذلك مع ضغط سياسي لاستكمال المسار التشريعي لتعديل قانون مكافحة المخدرات.
ووفق رئيس كتلة “النهج الوطني”، أحمد طه الربيعي فإنه “في ظل التحديات المتزايدة التي يشهدها العراق نتيجة تنامي خطر المخدرات وتداعياتها السلبية على الأمن المجتمعي، نؤكد أهمية استكمال المسار التشريعي لتعديل قانون مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، باعتباره أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل”.
وأضاف في بيان صحافي، أن “تعزيز المنظومة القانونية لمكافحة هذه الآفة الخطيرة بات ضرورة ملحّة، تواكب حجم التحديات الراهنة، وتوفّر للأجهزة الأمنية والقضائية أدوات أكثر فاعلية في المواجهة والمحاسبة”.
ودعا السياسي العراقي إلى “تشديد العقوبات على المتورطين في تجارة المخدرات وتعاطيها، بما يسهم في ردع هذه الظاهرة والحد من آثارها المدمّرة على النسيج الاجتماعي، وعلى الشباب العراقي على وجه الخصوص، مع التأكيد على أهمية مراعاة مسارات العلاج والتأهيل لضمان التعافي وإعادة الاندماج في المجتمع”.
واعتبر أن “مسؤوليتنا التشريعية والأخلاقية تُحتّم علينا الوقوف بحزم أمام هذه الحرب الصامتة والإرهاب الخفي، ودعم كل جهد وطني لحماية المجتمع من العواقب الوخيمة والآثار المدمرة لهذا التحدي المتفاقم”.