صحيح أن على الديمقراطية أن تحمي نفسها، على ما يكرر مخرج سينمائي صديق، بمعنى أن لا تسمح لأعدائها باستخدامها مطيةً لترويج نماذج ضد الديمقراطية، على نحو ما يحاول شبيحة النظام السوري، كلما أتيح لهم، لكن لا بدّ للثائر من أجل الحرية الحذر عندما يتعلق الأمر بالمنع والإقصاء، فهاتان كلمتان لا تليقان بالديمقراطية.
ثارت أخيراً ضجة حول استضافة “مهرجان مالمو (السويد) للسينما العربية” لفيلم “الحبل السري” للمخرج السوري الليث حجو، إذ ناشدت مجموعة من السوريين المهرجان بسحب الفيلم، باعتبار أنه صُوّر “على أنقاض مدينة الزبداني، وتم عرضه في عدة مدن سورية بإشراف مؤسسات رسمية خاضعة تماماً لإرهاب وسلطة أجهزة المخابرات السورية”، معتبرين أن “استخدام أنقاض المدن السورية من حمص إلى القصير إلى الزبداني وغيرها استمراراً في نهج إرهاب الدولة ضد المواطنين السوريين المدنيين. ويسعى أولئك إلى العبث بالحقائق ومسارح الجريمة”، وأن سينمائيي النظام “اليوم يلحقون بالناجين السوريين من إرهاب الأسد إلى المنافي لعرض بضاعتهم القميئة تحت شعارات رثة تحاول أن تسوق الأسد، سعياً لإعادة قبوله في الساحة الدولية”.
المخرج السوري الليث حجو
لا يمكن أن “نغض النظر عن قصة الفيلم” المقصود، كما يطالب البعض، فلا شكّ أن لكل حالةٍ قولا. يستحق الأمر النظر والتمعّن في القصة والكيفية التي اشتغل بها والجهة الممولة. ونحسب اليوم أن المعترضين سيجدون – إن تسنّى لهم مشاهدة “الحبل السري” – أنهم حَمَّوا الجنازة أكثر من اللازم.
يحكي الفيلم القصير (20 دقيقة) قصة امرأة تتمخّض ولا تتمكّن من الخروج من بيتها للوصول إلى القابلة، بسبب قبضة القناص المحكمة. ما يضطر الزوج، لأن يولّد زوجته بيديه متلقّياً التعليمات من الداية على ضفة الشارع المقابلة.
على الديمقراطية أن تحمي نفسها، لكن لا بدّ للثائر من أجل الحرية الحذر عندما يتعلق الأمر بالمنع والإقصاء، فهاتان كلمتان لا تليقان بالديمقراطية.
الخطر المفترض في الفيلم، والذي يمكن أن يحدد وجهته، هو هويّة القناص، الأمر الذي يبدو أن المخرج حرص بعناية فائقة أن لا يُظهِر أي تلميح بانتمائه، فالفيلم منتج من الاتحاد الأوروبي (وهذا تفصيل ضروري آخر، حيث لا يد لأي من مؤسسات النظام بإنتاجه) والذي كانت مطالبه الوحيدة في إنتاج مجموعة قصيرة من الأفلام اتخاذ الحياد الصارم، إذ همّه هنا البحث في قضايا مجتمعية (وبالطبع هذا موضوع يستحق النقاش (لا المنع والإلغاء)، فما هكذا تورد السينما، كما أن الحياد مستحيل في ظل نظام هو سبب كل الأزمات الاجتماعية، أو سبب تفاقمها على الأقل).
تالياً صدر بيان موقّع من أكثر من ثمانين سينمائياً وناشطاً سورياً يدين ويرفض تحويل المدن المدمّرة إلى مواقع للتصوير السينمائي، ويتابع البيان، فيما يبدو، الجدل حول أفلام “مالمو”، وجدلاً سابقاً حول الفيلم اللبناني “جدار الصوت” لأحمد الغصين، الذي صُوّر على أنقاض بلدة القصير السورية، على أنها بلدة جنوبية لبنانية أثناء حرب تموز/يوليو العام 2006. ولعل الفرق واضح هنا ويفسّر لماذا كان استخدام الدمار مشكلة كبيرة في الفيلم اللبناني.
ليست المسألة في مجرد التصوير فوق المناطق المدمّرة، ليست المسألة بهذه الآلية، فكلّ الأفلام التي أنجزها معارضو النظام، ويعتز بها الجميع، ووصلت إلى منابر عالمية مرموقة، صوّرت فوق الدمار ذاته.
من حقنا أن نغضب، أن نحتج، ولدينا طيف واسع من أدوات الاحتجاج، من بينها الطرق السينمائية والمسرحية التقليدية في استخدام البيض والبندورة الفاسدة. من حقنا أن نسائل المهرجانات والمحافل العالمية عندما يتعلق الأمر بأفلام تزوّر، أو بأفلام قليلة القيمة الفنية، أو قليلة الأخلاق.
لكن علينا أن نعدّ للمليون قبل أن يسجّل باسمنا، نحن طلاب الحرية، منع، أو إلغاء أو إقصاء، لئلا نصبح نحن الطغاة الجدد.

المخرج التونسي الراحل شوقي الماجري
شوقي الماجري و “دقيقة صمت”
أثناء تصوير الحلقات الأخيرة من المسلسل السوري المثير للجدل “دقيقة صمت” طلبت الشركة المنتجة من مخرجه التونسي شوقي الماجري، الراحل أخيراً عن 57 عاماً، السفر إلى القاهرة لمونتاج الحلقات العشرين، التي أتمّ تصويرها. قطعوا له تذكرة “وان واي” إلى مصر، ولما أبدى استغرابه أجابوه بأن لا داعي للقلق، فكل ما في الأمر أنهم لم يجدوا حجزاً سريعاً إلا بهذا الشكل، وأنه ليس أسهل من حجز تذكرة العودة! ما إن غادر الرجل حتى رموا حقائبه في غرفة أخرى، بين “كراكيب” التصوير، بعد أن كانوا استدعوا المخرج السوري زهير قنوع لإتمام مسلسله من وراء ظهره.
كانت الشركة قد ضاقت ذرعاً ببطء التصوير، الذي يضيف كلفاً مادية على الإنتاج، ومعروف عن الماجري، خريج “معهد السينما” في بولندا، تأنّيه في العمل التلفزيوني، كما لو أنه يخرج للسينما، وهذا كان سرّ تميّز أعماله ومن بينها “أسمهان”، و”الاجتياح” الذي يدور حول مخيم جنين الفلسطيني والمجزرة التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي هناك، أرادت توفير كلفة الإنتاج فحجزت، من غير عودة، للمخرج التونسي، بعد أن كانت حضرت البديل الجاهز للسلق.
مؤلف العمل، سامر رضوان، عندما وصله النبأ، حارب من أجل أن يعود الماجري إلى عمله. فكان له ذلك. وفي الأساس كان الرجل قد عومل، بحسب مشتغلين في المسلسل، بـ “طريقة لا إنسانية” و”عاش قهراً لا يطاق “أثناء التصوير.
لذلك فإن البعض يستغرب تسريب أخبار بأن الشركة المنتجة ساعدت بنقل جثمان شوقي الماجري من مصر إلى تونس. لكن لمَ لا؟ خصوصاً إذا ضمنت الشركة أن تحجز “وان واي” لمرة أخيرة للمبدع التونسي الراحل!
لغةٌ إذا وقعتْ
مذيع ومعدّ فقرة “ميديا” على تلفزيون سوريا ظلّ يعيد ويكرر اسم فيلم “الحبل السري” بكسر السين. ولأنه معدّ، وليس مجرد مذيع، بمعنى لا بدّ أنه عرف فكرة وحكاية الفيلم الذي يتحدث عنه في الفقرة، فكان يجب أن يعرف أنها “السُري”، بضم السين، فهي نسبة إلى “حبل السرُّة”، لا نسبة إلى “سر”.
كاتب فلسطيني سوري