ضجة مصرية حول فيلم «يوم وليلة» ومطالبة بترحيل بطلته… إعفاء رئيس تحرير في التلفزيون السوري: نفاق ومظالم!

حجم الخط
8

تستحق قضية الفيلم المصري «يوم وليلة» المثارة في العاصمة المصرية المقهورة هذه الأيام أن تكون عنواناً لكل أشكال الانحطاط، التي يعانيها هذا البلد. كل ما في الأمر دور في فيلم سينمائي تؤديه الممثلة درّة، وتجسد فيه دور ممرضة فقيرة تسعى لإعالة أولادها في ظل زوج عاطل عن العمل، ويبدو أن ضيق الحياة هو ما يلقي بها إلى المفاسد (حسب تفسير الممثلة درّة في محاولة للدفاع عن الشخصية).
كثر من المصريين ضجوا، واعتبروا أن شخصية الممرضة الفاسدة إساءة لما أسموه «جيش مصر الأبيض»، في ابتكار جديد لوصف «ملائكة الرحمة»، كأنها هي صورة لجميع الممرضات المصريات، ومن عجب أن يطالب البعض، رداً على ذلك، وانتقاماً، بفيلم جديد يصور ممثلة تنتقل من حضن إلى حضن!
نقيب المهن التمثيلية، أشرف زكي قدم اعتذاره لممرضات مصر، وقال «إن جيش مصر الأبيض يقاتلون في الصفوف الأولى خلال حرب الدولة المصرية والعالم كافة في مواجهة فيروس كورونا». لكنه اعتبر أن «التناول الفني لا يسيء للفنان مطلقاً عندما يقوم بدور شخصية منحرفة تماماً، كما أنه لا يسيء إلى أي فئة أو شريحة من المجتمع»، موضحاً أن فيلم المسؤولية في «يوم وليلة» «تقع على عاتق الرقابة على المصنفات التي أجازت هذا العمل».
النقيبة العامة للتمريض في مصر كوثر محمود شنّت هجوماً عنيفاً على الفنانة درّة، واتهمتها بـ «الإساءة للعاملين في مهنة التمريض، الذين يصل عددهم إلى 300 ألف ممرض، وتعريض سمعتهم للخطر»، مؤكدة أن «النقابة أقامت دعوى قضائية ضد الممثلين وصنّاع الفيلم، بسبب ما يحتويه من تجسيد سيئ لصورة التمريض المصري».
ثم طالبت النقيبة الفنانة (التونسية الأصل) بالرحيل عن مصر والعودة إلى تونس، معتبرة أن «مصر فيها تمريض محترم».

أسوأ ما في الحكاية أن «ملائكة الرحمة»، تحولوا فجأة، في مصر السيسي إلى «جيش مصر الأبيض». بين هاتين الكلمتين «الملائكة» و«الجيش» يمكن أن نلمح تحولات هائلة طالت البلاد والعباد.

الممثلة نفسها ظهرت في وسائل الإعلام، وهي تقريباً تنصلت من مسؤوليتها، عندما راحت تؤكد أن للفيلم مؤلفا هو يحيى فكري، أما هي فتجسد دوراً فحسب. كذلك شرحت مطولاً ظروف الفقر القاهرة التي دفعت الممرضة إلى تصرفاتها المشينة، كما أكدت درّة مراراً أن الممرضة في الفيلم أظهرت شعوراً بالذنب، كما لو أن الممثلة نفسها أرادت أن تعلن شعورها بالذنب! ولم يفتها بالطبع أن تكيل المديح مرات ومرات لـ «جيش مصر الأبيض».
المذيع وائل الأبراشي في اتصال مع الممثلة، وبعد توضيحاتها الاعتذارية سأل أشهر سؤال يلقيه إعلام بلادنا في الأزمات: «ولكن لماذا الآن؟ لماذا في هذا التوقيت بالذات؟»، كما لو أن مؤامرة عظيمة تقف وراء ذلك. ليأتي جواب الممثلة بأن الفيلم اشتُغل وعرض قبل «الكورونا»، وأن لا يد لها في طرحه على «يوتيوب» الآن.
أسوأ ما في الحكاية كلها، أن «ملائكة الرحمة»، تحولوا فجأة، في مصر السيسي، والسيسيين السابقين، إلى «جيش مصر الأبيض». بين هاتين الكلمتين «الملائكة» و«الجيش» يمكن أن نلمح تحولات هائلة طالت البلاد والعباد. وحينها لن يعود مستغرباً أي كلام.

من فيلم "أبي ما زال شيوعيا"

من فيلم “أبي ما زال شيوعيا”

«مسجلة» أحمد الغصين

كانت واحدة من أجمل القصص، التي يمكن أن يقرأها المرء، تلك التي كتبها الإيطالي دينو بوتزاتي (المسجلة)، وفيها يرثي لحال عاشق يستعيد شريط كاسيت قديماً، كان قد سجّل عليه موسيقى لباخ وموزار وبرسيل وبالسترينا، تتخلّلها ضحكات حبيبة «رحلت، تخلّت عنه آثرتْ أن تتركه، وهو لا يعرف ولو بشكل غامض إلى أين انتهت»، طقطقة كعبي حذائها، بحّة الحلق، التي كانت حينذاك تثير حنقه لتشويشها على الموسيقى التي يسجلّها من المذياع. لكنه الآن جالس يصغي.. تحت ضوء المصباح يصغي. متحجراً في مقعده القديم المحطم. إنه يصغي دون أن يحرك أي طرف من أطرافه يجلس منصتاً: إلى تلك الضجة وتلك الأصوات المعبودة».
ليس العاشق وحده من بإمكانه أن يصغي بكل ذاك الخشوع لبقية كاسيت قديم، فالمخرج السينمائي قد يجد نفسه أمام عدد من أشرطة كاسيت معبودة بالقدر ذاته، فيحوّلها إلى شريط سينمائي دافئ وحنون. كان هذا حال المخرج اللبناني أحمد الغصين مع فيلمه «أبي ما زال شيوعياً» (2011)، وهو هنا يصنع فيلمه من أشرطة كاسيت أرسلتها أمه من لبنان إلى زوجها العامل في المغترب السعودي، على مدار سنوات طويلة، فإلى جانب كونها رسائل حب واشتياق، إنها بالقدر ذاته جزء من تاريخ لبنان، الحرب الأهلية والاجتياح والقصف وغلاء الأسعار، وهي كذلك نتف من سيرة ذاتية للمخرج، الابن نفسه.
المتفرج، المستمع لفيلم أحمد الغصين هو كذلك مثل بطل «المسجلة»، قصة بوتزاتي، يصغي بالشغف ذاته، إلى مواجع الزوجة، الأم، ولعله يستعيد زمناً في حاله انقضى كانت فيه تلك الأشرطة وسيلة التواصل الأجمل بين العشاق والغائبين.

نفاق ومظالم!

تقول الأخبار الآتية من دمشق أن وزير الإعلام السوري «أعفى أحد رؤساء التحرير في قناة «السورية»، بسبب إغفال ذكر القائد العام للثورة السورية الكبرى، سلطان باشا الأطرش، من تقرير على القناة». التقرير، والذي جاء لمناسبة يوم الجلاء (جلاء الفرنسيين عن سوريا) كان قد أثار ردود فعل واعتراضات من قبل أهل جبل العرب، الذين ينتمي إليهم الزعيم الراحل، ولولا هذه الضغوط لما انتبه الوزير أو اكترث.

لم نعد نستغرب نفاق النظام تجاه الأقليات السورية في خطة تستمر منذ بداية الثورة السورية، عندما عمل على محاولة كسب الأقليات السورية، لتحييدها، وإظهار الثورة على أنها طائفية ضد جميع مكونات السوريين.

يمكن القول أولاً اللهم اجعلها أكبر أخطاء الإعلام السوري، التي تستحق الاعتذار، إن لم نقل المحاكمة، وثانياً لم نعد نستغرب نفاق النظام تجاه الأقليات السورية في خطة تستمر – على الأقل – منذ بداية الثورة السورية، عندما عمل على محاولة كسب الأقليات السورية، لتحييدها، وإظهار الثورة على أنها طائفية ضد جميع مكونات السوريين.
يستحق الأمر الاعتذار والمحاسبة بالطبع، لكنه ليس سوى نفاق، ففي الظاهر يبدو النظام متسامحاً ومعطاء تجاه أهل جبل العرب، فيما يعرف الجميع المظالم التي ألحقها بهم، عبر خطف وإثارة لفتن ومؤامرات.

٭ كاتب فلسطيني سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية