تأخذنا مجموعة «أحبيني ليميل الكون» القصصية للسعودي محمد هليل الرويلي، إلى حديقة غناء وارفة الظلال من اللغة الراقية المترعة بالجمال، والوصف المشهدي الدقيق، والعواطف الدافئة، والرومانسية المتدفقة، والتنقل بين الآلام والآمال عبر الوصف والحوار والرسائل والبوح والمونولوج.
من يقرأ للرويلي في مجموعته هذه أو كتاباته الصحافية، يدرك أنه يمتح من معين لغوي عذب، فلغته آسرة الجمال، شفافة ريانة، ندية شجية، تُطرب العيون والأسماع، ولكأن الصحراء التي نشأ فيها بجفافها وقيظها عوضته لغة يانعة، تشعرك بالخضرة والأنس والألوان الزاهية والموسيقى العذبة.
تألفت المجموعة من عشرين قصة، وكانت الأنثى هي القاسم المشترك لجميع قصصها، وتراوحت حالاتها بين الطيبة والحبيبة والخائنة والصابرة والمقهورة والضحية. وقد لفت نظري أربع قصص لنماذج واقعية تثير الأشجان، نماذج لضحايا المجتمع، وتعقد علاقاته وتطوره العشوائي الذي لا يأبه بالعلاقات الإنسانية، والعادات الجميلة.
سِدْرَة
تعيش العجوز «سدرة» في بيت قديم، تتفقد جيرانها بما جبلت عليه من خلق وعادات كريمة. علمت بجارتها النفساء، فأسرعت تعد لها «المرقوق» و«المعبوكة» من باب الواجب والأصول، لكن جرح قلبها عندما اعتذرت الجارة عن استقبالها، وردت طعامها، فعادت مطعونة منكسرة، تلوك وحدتها، فقد أدركت أن الزمان ليس زمانها، وأن أجيالها قد ماتوا. لاحظ صبي أن العجوز قد ألقت دفترا، فالتقطه ووجد فيه أسماء وديونا، ومنها اسم جده ومقدار دينه، فقرع عليها الباب، ولما لم تجب، فتح الباب ودخل، ولما رأته، فرحت به، وقالت له: «أهلًا بك يا ولدي، كنت أسمعك، لكني أردت أن يطول وقت طرق الباب، فهو لم يطرق منذ سنوات، وحتى أشعر أنني حية وموجودة في الدنيا وأتنفس الهواء نفسه الذي تتنفسون منه». كان الصبي ابن النفساء التي صدتها، ولما سألها عن دفتر الديون، أخبرته أنه لوالدها، وأنها ديون أسقطها، فقد كان ميسورا. اعتذر الصبي عن تصرف أمه وغادر وهي تتمنى أن يعيد الطرق. خرج الصبي ينتابه الأسى والحزن «لقد غيرت قطرات البترول معالم الأرض والصحراء وتبرأت من الأصالة». لقد أعمت قطرات البترول السوداء الأعين والقلوب، وغيرت النفوس، وقضت أو كادت على الأصالة والقيم والعادات التي كانت فخر الآباء والأجداد، الذين كانوا أسرة واحدة، على الرغم من شظف الحياة وقسوتها. إن أي تطور في الحياة محمود ومطلوب ما لم يتغول على العلاقات الإنسانية النبيلة، فالإنسان أولا وأخيرا، فإن لم يكن التطور في خدمة الإنسانية، فهو لتدميرها بالتأكيد.
اليتيمة
هجر المكان أهله، فقد أغرتهم طفرة البترول بالتغيير وركل الماضي، ولم يبق في القرية إلا عجوز وفتاة يتيمة، وكانا يعتاشان على مؤونة تمدهم بها جمعية خيرية في قرية مجاورة. كانت الفتاة تطبخ ما تيسر، وتطعم نصفه للعجوز وتسقيه بيدها، ثم تغطيه وتعود أدراجها إلى بيتها المتهالك الذي لا يقيها حرا ولا بردا. وذات يوم ماطر شديد الرياح، حملت ما طبخت وذهبت إلى العجوز، فوجدته ميتا، فبكت وناحت، وعادت إلى وحدتها وخوفها وعواصف الحياة، لا تدري أي مصير ينتظرها، وأين ستذروها عواصف الأيام. اضطرت الفتاة اليتيمة للبقاء في المكان لأنها مقطوعة من شجرة، ولم يأبه بها أحد، وتركوها خلفهم كقطعة أثاث بالية، فمكثت في بقايا بيت أهلها المتهالك. أما العجوز فقد رفض ترك المكان تمسكًا بأرض أجداده، كما فعل العجوز في رواية «المطر الأصفر» للإسباني خوليو ياماثاريس، وبينما حاول عجوز ياماثاريس إعادة قريته إلى الحياة، بعد أن تركها الجميع بحثًا عن فرص أفضل في المدن الأخرى، فإن عجوز الرويلي كان مقعدا لا حيلة له.
تعبر هذه القصة عن انقلاب كبير وخطير في القيم والعلاقات في مجتمع قروي بسيط بسبب ما أحدثه النفط من تغيرات طالت جميع مناحي الحياة، وأخطرها، العلاقات الإنسانية وما لحقها من اضطراب واختلال. صحيح أن النفط شيد العمارات والمصانع والقصور بأمتن المواد وأجودها، لكنه خلخل العلاقات والروابط الإنسانية، وأصابها بالعوار والهشاشة، وغلبة الأنا والمصالح الشخصية.
الشمس وضحاها
قصة أقرب إلى الخيال، لكنها تحدث أحيانا، فالزوجة صغيرة السن قياسا إلى زوجها، ضحت بحياتها من أجل سمعة زوجها وأولادها، فقد كان سكيرا، يعود كل ليلة ثملا، فتتلقاه وتقوده إلى غرفته بهدوء، بحيث لا يعلم أحد عنه شيئا، وكانت تخفي عيوبه عن الجميع، فطغت سمعته الطيبة على ما عداها. وكان عندما يعود إلى رشده يعتذر ويشكر ويعترف بفضلها، وطالما عاهدها أن يكف ولم يلتزم. وتعرضت بسبب تصرفاته للأذى ومحاولة الاعتداء عليها جنسيا من قبل أصدقائه السكارى أمامه وأمام أطفاله، فتخلصت منهم بشق الأنفس، وأصرت أن تضع حدا لكل ذلك حفاظا على كرامتها ومستقبل أولادها، فعاهدها أن يتوب ولا يعود، لكن مكالمات رفقة السوء انهالت عليه تعيره بنقص الرجولة، فوضع حدا لحياته بالانتحار تخلصا من حياة تغريه، وتخليصا لزوجته من عذاباتها ومعاناتها بسبب طيشه.
حاولت رفقة السوء أن تنشر غسيله الوسخ وانتحاره، لكنها وقفت في وجههم وأخرستهم، ولما أرادت أن تعيش الحياة التي عاندتها أيام زوجها، أدركت أنها خسرتها إلى الأبد «اليوم وبعد أن أفقت وأردت أن أساير المجتمع بتعويض سنوات عمري الضائعة رفضني بحجة العمر، وها أنا أقف في منتصف الطريق أشعر بأني نكرة في كل جيل، ولا أعرف إلى أي جيل أنتمي، اختلطت عليّ الأزمان، أنظر إلى من سبقني بأعوام فيرفضني وأرفضه، وأتوجه إلى من جاء بعدي فيصفعونني بسنوات عمري الضائعة، لكنني سأظل واقفة كالنخلة ألامس بكبريائي عنان السماء».
نعم خسرت عمرها، لكنها ربحت أولادها الذين صارت لهم «مكانة رفيعة في المجتمع بسبب سمعة والدهم الطيبة، التي حملتها على كتفي سنوات حياته، كنت وقتها في غيبوبة جبرية قدمت أجمل أيام عمري في مقابل تضحية لم أندم عليها».
هذه تضحية لا تقدم عليها إلا امرأة أصيلة ذات معدن نفيس ندر وجوده، وقد عوضها الله خيرا بأولاد قدروا تضحيتها فكانوا لها السند والركن المتين، وإلا فأي حسرة ستأكل قلبها وتذوي جسدها؟ إن تشتت الأسر منوط بالزوجين أولا وأخيرا، وإن حكمت الأنانية طرفي العلاقة فقد ذهبت الأسرة أدراج الرياح، أما إن كان أحدهما عاقلا ويتصرف بحكمة، فبإمكانه أن يقود الأسرة إلى بر الأمان مع ما يتطلبه ذلك من تضحيات وتحمل مسؤوليات، ويكون العبء أكبر إن تحملته الزوجة، ويتضخم إن اضطرت أن تتحمل مسؤولية الأولاد والزوج الفاسد معا.
قميص يوسف
تتناول القصة مشكلة القتل غسلا للعار، لكنه في هذه القصة كان بسبب خلط في فحوصات المختبر، ما ترتب عليه تبليغ أسرة الفتاة بنبأ حملها، وبعد أن قتلت، صحح الخبر، وأن النتيجة تعود إلى امرأة أخرى، وأدى ذلك إلى زلزال في القرية، فهجرها أهلها خوفا من لعنة عذراء طاهرة، وتسرع أب ألجمه الغضب، وخطأ طبي يستحيل تداركه. تثير القصة أسئلة كثيرة، أهمها من المسؤول عما حدث؟ المختبر أم الأب أم المجتمع أم…؟ إن الكل مسؤول ويتحمل وزر ما حدث، فتسرع موظف وعدم دقته أدى إلى نتيجة مدمرة، وأب وقع ضحية مجتمع لا يرى إلا القتل غسلا للعار. البدائل كانت كثيرة، لكن الغضب أعمى الجميع، فكان الرصاص هو الحل السريع المتاح.
وعلى افتراض حدوث عار، فمن المسؤول؟ الفتاة أم أمها أم أبيها أم مجتمعها؟ أليست في النهاية ضحية تربية غير سوية، أو أوضاع مزرية، أو حرية دون حدود، أو تشتت أسري، وغير ذلك من الأسباب التي قد تؤدي إلى نتيجة كهذه؟
كاتب أردني