■ تأتي التجربة الجديدة والفريدة للدراسة السينمائية عن بُعد عبر النظام الإلكتروني الحديث، فارقة ومتطورة إلى حد كبير، فهي المشروع الأهم لمنى الصبان، الأستاذة في معهد السينما في أكاديمية الفنون المصرية، والإنجاز الفني والإبداعي الآخذ في التنامي منذ سنوات قليلة، الذي كسر الحاجز الحدودي والجغرافي، وسمح لنحو 80 ألف دارس على مستوى العالم العربي دراسة وتعلم فن السينما، من خلال الالتحاق بالمدرسة العربية للسينما والتلفزيون، عن طريق شبكة الإنترنت، في تغلب غير مسبوق على العوائق التقليدية التي تواجه الدارسين، كالسفر والإقامة والتنسيق وشروط القبول في الجامعات المختلفة.
كل هذه الأشياء أسقطتها منى الصبان من حسابات الراغبين في الالتحاق بالمدرسة الأكاديمية الحديثة، فنجحت فكرتها وتبلورت، وأسفرت عن تخرج عدة دفعات، كان آخرها دفعة 2019 التي شهدت قاعة سينما الهناجر الاحتفال بالأوائل منهم، وعرض فيلمين من أهم أفلامهم، وهما «حمدة» المعنون باسم الشاعرة الإماراتية، وتدور فكرته حول حياة الشاعرة ومسيرتها الإبداعية في مجال الشعر والأدب والجوائز، والجدير بالذكر في هذا المقام أن الطالبة فاطمة، صاحبة مشروع التخرج التحقت بالمدرسة السينمائية، وأنهت الدراسة فيها وهي في سن الخامسة والستين من عمرها، وقد اختارت حياة الشاعرة لتقدمها كنموذج نسائي ناجح ومثال حي للتحدي والإصرار.
أما الفيلم الثاني فكان للمخرج وكاتب السيناريو الشاب أحمد حامد، وهو من أوائل الدفعة الجديدة وصاحب الفيلم الروائي القصير «عيشة أهلك»، الذي سبب أزمة حادة مع الرقابة على المصنفات الفنية، التي اعترضت بدورها على بعض المشاهد، وكادت تُصادر الفيلم بالكلية، وتمنع عرضه لولا تدخل مديرة المدرسة، وإصرارها على عرض الفيلم، باعتبار العرض حق مُكتسب للطالب المتفوق، فضلاً عن أن الفيلم ليس تجارياً، ومن ثم تنتفي عنه سًلطة الرقابة. وفي ما يخص المضمون الشائك الذي كان سبباً مباشراً في تعنت الرقيب، أن الفيلم يُعمل أدوات النقد بجرأة شديدة، لا تتوافق مع طبيعة مشروع التخرج في أول تجربة عملية للطالب، الذي اختار المواجهة أسلوباً للتعبير، ليشكل بذلك صدمه للمشاهد، وحسب القراءة التعسفية للفيلم من جانب الرقيب، تم تصنيفه ضمن أفلام الكبار فقط، للحد من انتشاره وتأثيره، وهو التصنيف الذي أثار سخرية الصبان وجعلها تتهكم على القرار وصاحبه وتعلن بكل صراحة ووضوح رفضها لهذا النوع من الوصاية على المبدعين من أصحاب الآراء الحرة.
الفيلم الذي قوبل بالهجمة التتارية الشرسة، لا يقدم سوى صورة اجتماعية واقعية لحالة شاب يعاني من البطالة، ويفني وقتاً طويلاً من عمره في البحث عن وظيفة بغير جدوى
وكذلك جاء رد فعل الكاتب والمخرج الشاب استنكارياً كونه لم يتوقع أن يخلق فيلمه القصير تلك الأزمة الرقابية، وهو لا يتجاوز كونه مشروع تخرج وحالة تجريبية لا تستدعي ما حدث من إجراءات رقابية مشددة.
الفيلم الذي قوبل بالهجمة التتارية الشرسة، لا يقدم سوى صورة اجتماعية واقعية لحالة شاب يعاني من البطالة، ويفني وقتاً طويلاً من عمره في البحث عن وظيفة بغير جدوى، فيصاب بحاله من الاكتئاب الحاد، تدفعه إلى الانشغال بغرائزه الأساسية، فيبدو كما لو كان شاباً مستهتراً، وهو انعكاس لسوء الحالة النفسية التي لم يرها الرقيب، وأعمل مقصه في حذفها، فأجبر المخرج على إعادة ترتيب المشاهد للحفاظ على تسلسل الأحداث، لعدم إشعار المشاهد بالخلل الناتج عن الحذف العشوائي، وتشويه الصورة الدرامية والتأثير سلباً على الإيقاع. ومن دواعي الاحتجاج والرفض أيضاً طبقاً للتفسير الضمني لملاحظات الرقابة، التنبيه إلى ما تسببه الأزمات الاجتماعية للشباب من فقدان للبوصلة، والدوران حول مشكلاتهم، بشكل يُعجزهم عن إيجاد حلول، ويولد في دواخلهم رغبة قوية في الفرار بعيداً عن محيطهم ومواطنهم الأصلية، سواء بالهجرة الداخلية أو النزوع إلى الهجرة الخارجية، لضمان الأمان وبناء المستقبل، وفق تصوراتهم في فترة المراهقة والشباب.
ويمد المخرج أحمد حامد الخط على استقامته، فيشير إلى الاحتياجات الإنسانية المُلحة التي يعاني غالبية الشباب من افتقادها كالعلاقات العاطفية ومشاريع الزواج، التي صارت أحلاماً مؤجلة غير قابلة للتحقيق، في ظل ظروف اقتصادية متناهية الصعوبة ونفسيات مُحبطة ومهزومة.
٭ كاتب من مصر