ضمن عروض المهرجان القومي للمسرح المصري الرابع عشر «déjà vu» و«التجربة الدنماركية» عن محاولات الإيمان بالذات والهرب منها

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»:  من خلال فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري في دورته الرابعة عشرة، يتم عرض العديد من الأعمال المسرحية، ومنها التي تم عرضها عدة مرّات نتيجة تحقيقها بعض النجاح على المستوى الجماهيري. ومن هذه الأعمال يأتي كل من العرض المسرحي «déjà vu» والذي يُقدم للمرّة الرابعة مع اختلاف الممثلين، و«التجربة الدنماركية» الذي قُدم للمرّة الأولى عام 2017 لكنه لم يزل يحقق الكثير من التفاعل الجماهيري.

déjà vu

نبدأ بالعرض المسرحي «سبقت الرؤية» والمأخوذ عن نص بعنوان «إثبات العكس» للكاتب السويسري أوليفيه شاشياري، ترجمة منحة البطراوي، إعداد وإخراج أحمد فؤاد، أداء حمزة العيلي، وأحمد السلكاوي، وأحمد خشبة، ورشا جابر، ورحمة أحمد.

العرض المسرحي

في ديكور بسيط لمنزل، وساعة حائط متوقفة، تبدو الشخصية الرئيسية في العرض تطالع شاشة التلفزيون، وقنواتها المختلفة التي تبث في العقول أخبار الحروب والمجاعات والكوارث، إضافة إلى التفاهات المعتادة المُغيّبة للعقل. وللوهلة الأولى تبدو العزلة الاختيارية التي أرادها الشاب حالة وهمية لن تتحقق. وفجأة يدخل أربعة في ملابس وأقنعة أشبه بمكافحي الأوبئة، لتنتفي هذه العزلة تماماً، ويتورط ساكن البيت في جريمة قام بها صديقه المدعو آدم، وإن لم يُرشد الرجل عن مكانه، فسوف يكون هو المتهم. ومع انقطاع التيار الكهربائي يختفي الدخلاء، ويبدو للرجل أنه يحلم، ومن دون ترك أية فرصة، يبدأ الجيران بالتوافد لشرح أبعاد المشكلة، ومدى تورط آدم هذا في أفعال شائنة، كاغتصاب ابنة صيدلي قريب من المكان، وهكذا يتم اختلاق القصص والحكايات عن آدم وأفعاله، ليتورط هو نفسه في هذه الأفعال، وهل شارك بها أم لا، رغم كل ما يفعله لتجنب المشكلات. هنا ومن حوار الشخصيات ــ الجيران ــ يتضح مدى استغلالهم للرجل وحالته، فهم منافقون وكاذبون بالضرورة، ولكن، هل الرجل نفسه ــ صاحب البيت ــ بعيد عن كل هذه الموبقات؟ هذا التساؤل هو محور العرض المسرحي، والذي جاء في مِسحة كوميدية، كمحاولة لتخفيف وطأة الحدث المأسوي في أساسه. وما بين الخيالات وشعور الرجل بأنه عايش بالفعل هذه الأحداث، وحالة اللايقين المزمنة التي أصبح يتنفسها، تتكشف الحقيقة الوحيدة، وهو أنه هو نفسه هذا الـ (آدم) الذي يبحثون عنه. فسواء فعل ما تم اتهامه به أو لم يفعل، إلا أنه لن يفلت من المسؤولية، ربما شارك في جريمة ما ولو بالصمت وإيثار السلامة كما يٌقال. ومنه يمكن تأويل العمل سياسياً، مع شيء من التجاوز، فكل منّا لديه ما شارك به بالفعل في إثم أو جريمة، أقلها وأعظمها الصمت عن الفاعل، وبالتالي يصبح متورطاً وفاعلاً في جرائم مستقبلية لن تنتهي ولن ينتهي ضحاياها.

التجربة الدنماركية

ومن محاولة العزلة والابتعاد عن الجميع أملاً في النجاة، يأتي العرض المسرحي «التجربة الدنماركية» إعداد وإخراج صلاح إيهاب. وهنا تحاول الشخصية الرئيسية البحث عن ذاتها، وتحقيق ما تريده، وبالتالي تصبح خارجة عن القطيع، وهي تهمة لا تُغتفر، لتبدأ حالة من التمرد والاغتراب في الوقت نفسه، سواء عن الأسرة، الجيران، والجميع بعد ذلك، لتبدو صفة الجنون هي الأجدر والأبسط لوصف حالة الشاب ــ أبسط حالات الإقصاء ــ خاصة أن أفعالا مثل هذه الشخصيات غير المتوافقة مع ما حولها، دوماً محاطة بالشكوك، فإما مجاراتها أو مواجهتها العنيفة من قِبل الآخرين. وتعتبر شخصية هاملت هي النموذج الأمثل لهذه الحالة، لذا يمكن تأويلها واستعادتها في أي وقت ومكان، بداية من قصر ملكي في الدنمارك، وحتى منزل أسرة متوسطة تعيش في القاهرة.

العرض المسرحي

زوج وزوجة وأربعة أبناء وأم الزوج، أسرة متوسطة تتشابه والكثير من الأسر المصرية، ويبدو الرجل متوارثاً أسلوب أبيه في التربية، شيء من القسوة، وإرادته المفروضة على الجميع، هكذا مرّ بتجربة التربية الصالحة، وبالتالي أصبح جديراً بتحمّل المسؤولية، ونجح في تكوين أسرة، وأعاد إنتاج طفولته من خلال أولاده. الحياة الروتينية في صورتها وتفاصيلها المعهودة، الاهتمام بكل ما هو تافه، طعام ونقود وملابس وتعليم فاشل ومستقبل أكثر فشلاً. لكن يبدو أن الابن الأكبر يمم وجهه وجهة أخرى، فهو يعشق التمثيل، ويعمل من خلال فرقة مسرحية، ويستعد لتقديم دور هاملت، رغماً عن إرادة الأب، والموقف السلبي للأم، المنشغلة بدورها بتنظيف البيت وإعداد الطعام. فكان لابد من اختلاق عالمين مختلفين تماماً.
يعود الشاب إلى البيت فاقداً للوعي، محمولاً على أكتاف رفاق المسرح، فقد حاول الانتقام بالفعل، وتماهى معه الواقع الذي يعيشه والعمل المسرحي الذي يؤديه على المسرح، ونتيجة اختلاط كل من العالمين أصيب بصدمة أفقدته الحركة والكلام، وكان لابد من دخول الجميع تجربته ــ أسرته ــ بأن يتحول البيت إلى مسرح يستعرض حياة هاملت، وأن تعيش الأسرة تجربة التمثيل، بأن يصبحوا شخصيات المسرحية، وما بين الحقيقي وما يدور في وعي الشاب من لحظات انتقامية من الجميع، تبدأ محاكاة جديدة لهاملت وعالمه. فالأب يصبح العم مغتصب العرش وقاتل الملك، حيث لا يقتنع هاملت بأن يقوم والده بتمثيل دور الشبح، ولا يراه سوى في دور العم الخائن، ليصبح قتله هو هدف هاملت الأوحد.
نجح العرض في تحويل تفاصيل هذه المأساة إلى كوميديا ساخرة من كل شيء، بداية من التعاليم المتوارثة والأعراف الاجتماعية العقيمة، وصولاً إلى السخرية من السلطة نفسها، بل وتوريطها في اللعبة المسرحية. يتم الاستعانة بمخرج مسرحي يحاول ترتيب العرض، وهو بدوره كثير الكلام دونما فعل، لينضم إليه ضابط وأمين شرطة يدخلان المنزل بعد شكوى السكان بأشياء غريبة تحدث في هذا البيت، فيتورطان بدورهما في تأدية أدوار في المسرحية، حتى أن فكرة تقديم أو استعراض جريمة العم أمامه ــ المسرحية داخل المسرحية التي استعان بها شكسبير ــ يقوم بها بعض المشبوهين والمقبوض عليهم في بوكس الشرطة، لتتحول قصة خيانة العم والأم إلى موال شعبي وأغنية من أغنيات المهرجانات فينقلب الأمر إلى سيرك كبير. حتى أن أحد المقبوض عليهم وهو من المتأسلمين، يأتي رفاققه إلى البيت، وكل حسب طريقته، ليرون في الشاب أنه ممسوس من الجن، فيتحول البيت إلى حضرة من الأدعية والابتهالات. هنا تصبح الأسرة في حالة اغتراب تام عما يحدث حولها، مخرج مسرحي ومساعده، ضابط وأمين شرطة، جماعة متأسلمة تحاول قتل الجميع بتهمة الكفر، وأولهم بالطبع ضابط الشرطة، لكنهم يتوحدون تماماً داخل العرض، ويتناسون مهنهم وشخصياتهم، حتى أن قصة حب تجمع بين أمين الشرطة وابنة عم الشاب ممثل هاملت، هذه العلاقة التي ستتوج بالزواج، وينتج مولوداً يطلقون عليه هاملت في النهاية.

الحالة الكوميدية

يبدو أن مناقشة الأفكار المعقدة من خلال الكوميديا ــ كما في العرضين السابقين ــ هي الأجدر على إيصالها إلى الجمهور والتفاعل معها، فكل عمل تراجيدي يمكن تحويله إلى كوميديا ساخرة، وتأويله حداثياً مع مشكلات وظواهر جديدة، بعيداً عن النص الأصلي أو الشخصية الدرامية. من ناحية أخرى تبدو الكوميديا كسلاح أساسي وخطير في انتقاد أي شكل من أشكال السلطة، حيث يتحول الخوف منها إلى الضحك على أفعالها، فكرة الانتقاص من كمال السلطة المزعوم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية