القاهرة ـ «القدس العربي»: «ليس المهم أن تصنع مشهداً مُركباً لتستعرض عضلاتك، بل الأهم هو أن تصنع صورة خلاقة تصل بها إلى قلب المشاهد» (عبد العزيز فهمي).
يحفل تاريخ الفن السينمائي المصري بالعديد من الأسماء التي ساهمت فنياً وفكرياً في تطور السينما المصرية، وبخلاف الممثلين يأتي التقنيون، رغم عدم مقارنتهم شهرة بهم، ومن أهم هؤلاء فنان التصوير عبد العزيز فهمي (4 إبريل/نيسان 1920 ــ 30 يناير/كانون الثاني 1986)، الذي قدّم العديد من الأفلام المهمة في تاريخ السينما، ربما أشهرها فيلم «المومياء» لشادي عبد السلام، إضافة إلى أفلام أخرى كان التصوير من أهم عناصر تميزها، منها مثالاً.. «فجر الإسلام»، «زوجتي والكلب»، «المستحيل»، «فجر يوم جديد»، «أمهات في المنفى»، «عودة الابن الضال»، «خان الخليلي»، «أبناء الصمت». وبمناسبة مرور مئة عام على ميلاد فهمي، أقام مهرجان الإسكندرية السينمائي في دورته الأخيرة احتفالاً تمثل في ندوة، وكتاب تذكاري أعدّه مدير التصوير سعيد شيمي. وبخلاف الندوة وجو الندوات التكريمية المعهود، من الأجدى استعراض ما ذكره شيمي في كتابه عن عبد العزيز فهمي، من حيث أسلوبه وتقنياته، كأحد أهم مديري التصوير السينمائي، وهنا استعراض سريع لبعض ما جاء في الكتاب..
الموجة الجديدة
بدأ عبد العزيز فهمي نشاطه الفني من خلال الجريدة السينمائية في ستوديو مصر، من خلال أساتذة كلاسيكيين في فن التصوير. ويشير شيمي إلى أن أفلام الموجة الجديدة كانت بمثابة الصدمة للفنانين، في أسلوب تصوير مقارب للواقع، من حيث الإضاءة وحركة الكاميرا، واستخدام الضوء المنتشر والصورة الناعمة غير الحادة، بعيداً عن أسلوب السينما الأمريكية المعهود. حتى أن عبد العزيز فهمي بعد مشاهدته فيلم «آخر نفس» لجودار، قال .. «إنهم يصنعون صورة مختلفة… كل اللي بشتغله طول عمري يجب أن ينتهي، ولازم أفكر بطريقة جديدة».
المستحيل
يستشهد سعيد شيمي ببعض أفلام عبد العزيز فهمي لتوضيح أسلوبه والتطورات التي وسمته بعد ذلك. يبدأ بفيلم «المستحيل» 1965ــ أول أفلام حسين كمال ــ الذي يعد مزيجاً للأسلوبين الكلاسيكي والتعبيري، والمتمثل في الإضاءة عالية التباين، حيث تبدو الشخصيات منفصلة عن واقعها وحياتها، ثم إضاءة السلويت لتأكيد المعاني التعبيرية وعكس حالة الشخصيات النفسية. كمشهد الزوجة التي تدخل الحجرة، وتضيء الأباجورة ــ دليل تواجدها ــ إلا أن هذا الفعل يجعل من الزوج عبارة عن صورة سلويت، وقد انفصل عنها تماماً، هذا الانفصال يتأكد أيضاً في المشاهد الأولى، حيث تفتح الزوجة النافذة لينتشر الضوء، ويكاد يخفي وجهها، بينما يظهر وجه الزوج تماماً، فنفيها وهي بالمشهد يؤكد نفيها من مخيلته.

«زوجتي والكلب»
أسهب سعيد شيمي في تفاصيل فيلم «زوجتي والكلب» 1971 ــ أول أفلام سعيد مرزوق ــ بداية من زاوية التصوير وحركة الكاميرا والممثلين، وصولاً إلى تكوين الكادر، حيث يذكر أن أغلب اللقطات في تكوينها ضيقة محصورة بين أشياء كحال الشخصيات نفسها وانحصارها في المكان ـ فنار معزول ـ كذلك الإضاءة ما بين الضوء الطبيعي للمكان والإضاءة المصنوعة.
كوضع الشخصية في إضاءة السماء الغائمة، حيث لا ينتصب سوى الفنار والفراغ، وهو ما تحمله الشخصيات من شعور بالرغبة والوحشة في الوقت نفسه. كذلك إضاءة مشهد ممارسة الحب، حيث الخط الرفيع للضوء الأبيض، بينما تظهر تفاصيل الجسد كومضات، مُشكّلة تكوينات تجريدية، توحي بقوة التعبير الحسي للشخصيات وحالتها.
«يوم أن تُحصى السنين»
لم تُكتب مراجعات سواء عربية أو غربية، كما حدث مع فيلم «يوم أن تحصى السنين» أو «المومياء» وهو اسمه الشائع. ويستشهد سعيد شيمي به في مناقشته لعنصر «اللون» في عمل عبد العزيز فهمي، مؤكداً أن فهمي يعتبر أول مصوّر مصري يضع البعد الزمني التاريخي في الصورة السينمائية. يبدأ شيمي بالفيلم الخام، وهو بطيء الحساسية في التصوير النهاري، وعادي في حالة الضوء الصناعي، فكان على عبد العزيز فهمي العمل على أقل منطقة تشعر بالإضاءة في الفيلم، وتتمثل المشكلة في أن الظلام والجو العام القاتم هو الأساس، كما أن التصوير الخارجي يعتمد على نور السماء، لا نور الشمس، إضافة إلى خروج التوابيت ليلاً، وإضاءة الخبيئة ومكانها من خلال ضوء المشاعل. فما كان منه إلا نشر الإضاءة من خلال النور المُرتد، واستخدام عنصر إضاءة يرسم أجواء غامضة وضاربة في القِدم، كمصباح الكيروسين وانتقاله مع حامله لكشف التوابيت، ثم إظلامها بالابتعاد عنها.
أما في ما يخص اللون، فهناك إيقاع حاكم، حيث الملابس السوداء، الصحراء والمباني والمعابد الصفراء الباهتة، مغارات وأقبية داكنة، ونهر تحفه الرمال. أما استخدام اللون في شكله المعهود، فمن خلال ثلاثة مشاهد.. اجتماع علماء الآثار، جنازة الأب، ظهور (زينة) نادية لطفي.
ونختتم بعبارة لعبد العزيز فهمي توضح رؤيته الفنية والتقنية للتصوير السينمائي، إذ يقول «إن عمل أدواتي في الفيلم عبارة عن جمل ضوئية، والعزف على هذه الجمل هو ما يميز مصوراً عن الآخر».