منتدى الدين والحريات : «رحلة من الإيمان إلى الإيقان»… سيرة أسرة مصرية بهائية

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: تمثل قضية (البهائية) مثالاً حياً لقضية قبول الآخر، وكيف تكون مختلفاً في مجتمع من المجتمعات أقرّ وأجمع على ما هو مطلق، وما هو صحيح، وبالتالي قد يصبح كل مختلف خارج إطار الوجود، أو التفنن في إقصاء مَن يمثل هذا الاختلاف. فكرة الإقصاء هذه هي الأساس الذي يعيشه الشرق اليوم، لأي اختلاف عن المجموع، سواء سياسة أو ثقافة أو سلوكاً، فكيف سيكون الأمر مع المختلف دينياً؟ حول هذا الموضوع أقيمت ندوة عقدها منتدى الدين والحريات ـ المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في القاهرة، ومن خلالها ناقش كتاب «رحلة من الإيمان إلى الإيقان» ــ دار بردية للنشر 2018 ــ بحضور مؤلفته سوسن حسني ونجلها حاتم الهادي، ويعد الكتاب أول سيرة ذاتية منشورة لمصرية بهائية.

الإيقان

تنتهي الرحلات في الغالب إلى (الإيمان)، ولكن أن تكون البداية من الإيمان والانتهاء بـ(الإيقان)، فالأمر يحتاج بداية إلى توضيح. يعد كتاب «الإيقان» من أهم الكتب التي نزلت على مؤسس البهائية بهاء الله ــ حسين علي نوري ــ (12 نوفمبر/تشرين الثاني 1817 ــ 29 مايو/أيار 1892)، بخلاف أهم كتبه «الكتاب الأقدس». جاء الوحي بكتاب «الإيقان» في عام 1862، ويعلن من خلاله بوجود إله واحد غيب منيع لا يدرك ولا يُحَد ولا يشار إليه، مصدر كل وحي وإلهام، أبديّ أزليّ، عليم قدير محيط. كما أن الحقيقة الدينية حقيقة نسبية، وأن الوحي الإلهي مستمر، مع التأكيد على وحدة الأنبياء وشمول رسالتهم واتفاق تعاليمهم الأساسية وصحة كتبهم المنزّلة المقدسة، ويندد بعمى العلماء وضلالهم في كل عصر، فهم علّة الإعراض والاعتراض.
وباختصار، فرسالة بهاء الله، قوامها الإيمان بكل الأديان، سواء الإبراهيمية، أو غيرها من الأديان الأخرى، مثل الزرادشتية والبوذية والهندوسية. وتعتمد البهائية إرساء قواعد التعايش، وتقر مبدأ وحدة الجنس البشري، كما لا يوجد في الدين البهائي أي مناصب أو وظائف فقهية، فليس فيها كهنة أو رهبان أو قساوسة. كذلك يعتقد البهائيون أن على كل شخص مهمة تثقيف نفسه والتعرف والاطلاع الشخصي على تعاليم دينه. وفي الأخير لا تقبل البهائية توريط الدين في السياسة.

تاريخ البهائية في مصر يعد مثالاً لتاريخ الاضطهاد، وبالطبع حسب النظام والظروف السياسية، كما هو الشأن مع كل الأقليات.

البهائيون في مصر

تاريخ البهائية في مصر يعد مثالاً لتاريخ الاضطهاد، وبالطبع حسب النظام والظروف السياسية، كما هو الشأن مع كل الأقليات.. ففي عام 1925 حكمت محكمة (ببا) الشرعية، بأن البهائية دين جديد مستقل عن الإسلام، وفي عام 1939 استطاع البهائيون أن يحصلوا على تخصيص لمقابر بهائية، وشُيدت المحافل البهائية في 13 قرية ومدينة. وفي عام 1947 رفضت وزارة الشؤون الاجتماعية تسجيل المحفل البهائي، وفي عام 1951 تراءى لوزارتي الداخلية والشؤون البلدية أن وجود المحفل البهائي يخل بالأمن العام، وفي العام نفسه رفض مجلس الدولة الموافقة على طبع إعلان دعاية لمذهب البهائية، بحجة أنه تبشير غير مشروع ودعوة سافرة للخروج عن الدين الإسلامي، أما محكمة القضاء الإداري فحكمت في القضية رقم 195، في مايو 1952، بأن البهائيين مرتدون عن الإسلام، كان ذلك في العهد الملكي. بعد قيام الجمهورية، شهد البهائيون مزيداً من العصف بحقوقهم كمواطنين، حين صدر القرار الجمهوري رقم 263 لعام 1960، ونصّ على حل المحافل البهائية، وحظر أي نشاط مرتبط بها. وصولاً إلى قضية البهائيين الشهيرة عام 1985، وكانت التهمة الموجهه إليهم هي قلب نظام الحكم. وفي ما بين 2004 و2009 طالبت مجموعة من البهائيين بتدوين ديانتهم في البطاقة، وانتهى الأمر بحكم من المحكمة يتيح لهم ترك الخانة فارغة، أو بالأحرى بوضع «شَرطة» (ــ)، لكن ذلك لا يمنع من كون تدوين الرجل (أعزب) والمرأة (آنسة) حتى في حالة الزواج، حيث لا يُعترف بزيجات البهائيين. هذه الحالة تؤكدها سوسن حسني بقولها «لقد كتبوني في البطاقة آنسة رغم أنني متزوجة وجدة لعدد من الأحفاد وكتبوا لأولادي شَرطة في خانة الديانة».

مش هنصوم رمضان النهاردة

هذه العبارة ألقاها ربّ الأسرة والتقطتها أذن الابن الصغير حينها، ومن وقتها أُعلن صراحة عن معتقد الأسرة، وتحولها من الإسلام إلى البهائية. هكذا يذكر حاتم الهادي الموقف.. «كنت أصلي في المسجد عندما كان عمري 6 سنوات، وكانت المفاجأة عندما قال لنا أبي: مش هنصوم النهاردة. ومنذ ذلك الوقت بدأنا نتعرف على البهائية». وتضيف والدته سوسن حسني «وجدنا في الدين الجديد قيما ورسائل تتناسب مع العصر، وأيقنت أن رسالة الله لا تنقطع». يُذكر أن حسني خريجة جامعة الأزهر، وكانت تعمل في وزارة الأوقاف المصرية، ثم سافرت إلى الإمارات وعملت مدرسة للغة العربية حتى عادت إلى مصر عام 1979، بعد عام واحد من اعتناقها البهائية. وبعد عام من الإقامة في مصر انتقلت وزوجها للعمل في السودان، ثم عادا إلى مصر ثانية نهاية عام 1984، ليلقى القبض عليهما عام 1985. وتذكر أن التهمة الموجهة إليهما كانت اتباع تنظيم بهدف قلب نظام الحكم، وكانت الأحراز عبارة عن بعض الكتب، ودارت أسئلة النيابة عن الصوم والصلاة. وأضافت أنها بدأت في كتابة كتابها «رحلة من الإيمان إلى الإيقان» من داخل الزنزانة، لتحكي عن تجربتها. وقد حصلت ومَن معها ــ من أشهرهم الفنان حسين بيكار ــ على حكم البراءة بعد عامين من بداية القضية.

إحنا مش جواسيس

ويُشار دوماً إلى كون البهائيين ينتمون لتنظيمات ماسونية، ولهم علاقة وثيقة بإسرائيل ــ العديد من الكتب الموجّــهة بإيعاز من الدولة صدرت لتـــؤكد هذه المقولات، وأغلبها من تأليف أو توليف نقاد وصحافيين معروفين ــ وبالطبع دار التساؤل حول هذا الأمر، فأجابت سوسن حسني «يتهموننا منذ عام 1960 بأننا جواسيس لإسرائيل ونحن لسنا كذلك، والدليل أنه لا يوجد جاسوس واحد تم ضبطه من البهائيين يتجسس لصالح إسرائيل، ونحن نعتبر طاعة الحكومة من طاعة الله، والبهائيون دعاة سلام».
وتوضح الأمر أكثر قائلة «لقد أعلن حضرة بهاء الله، الذي نتبعه عن رسالته عام 1863 وكان وقتها في بغداد ثم انتقل إلى تركيا، وعرفت مصر البهائية عام 1864 ثم نفي حضرة بهاء الله بعد ذلك إلى عكا عام 1868 وكانت وقتـــها محمية عثمانية، واستمر هناك وهو مسجون بسبب رسالته، وقد توفي عام 1892 أي قبل أكثر من نصف قرن من إنشاء إسرائيل… فمدينة عكا تعد قِبلة لنا، لذا فهي مكان مقدس، لكنه يقع في حدود إسرائيل الآن، وهذا لا يعني أننا على علاقة بإسرائيل، وهى تهمة مغرضة توجه لنا دوماً».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية