ضياء حسن الشكرجي: مكابدات غياب الأثر ونقل الرسالة

في واحدة من وقائع تكوين تاريخ الفن التشكيلي في العراق من نهاية ستينيات القرن الماضي وبداية السبعينيات تحديدا، انعكست الصراعات السياسية على التشكيل، حيث تشير المسيرة الحافلة بالنتاج الواسع للفن التشكيلي، من خلال الدرس النقدي والمتابعات الصحافية، وتدوين وانتشار المذكرات الشخصية بعد عام 2003 للعديد من الفنانين الذين تسلحوا بخبرتهم الطويلة في الإشارة إلى القيمة الكبيرة لتكوين وانتشار المدارس الفنية، باندفاع قوي شهدت له قاعات العرض والمشاركة الفاعلة في قاعات الدرس الحكومي والأهلي، إلا أنها كانت تصطدم بموانع كثيرة كشفها أغلب الذين اختاروا المنفى بديلا لاستمرار مسيرتهم الفنية .
ومن ألمع المكابدات الفنية الحضور الطاغي للفنان التشكيلي ضياء حسن الشكرجي المولود عام 1946 ومنذ مشاركته الأولى في معرض الواسطي 1970 بعد أن أتم دراسته الجامعية في كلية الفنون الجميلة في بغداد عام 1968 وحتى يومنا هذا مصرا على الرسم في فضاء الفن التجريدي، وكأنه يتخفى خلف الرموز مانحا لنفسه الاختفاء والظهور، البقاء ضمن الفضاء التشكيلي والانسحاب منه كذلك، وما أصعبها من مهمة أن تكون مع الجميع وأنت ترغب في الوقت نفسه بالغياب، وما زاد هذه المحنة صعوبة عدم اختيار المنفى والبقاء في العراق رساما ومعلما للفن، ومشرفا تربويا ومساهما في المناهج الفنية بما فيها الموسيقى.
وقد التقط الناقد الفني الراحل محمد الجزائري هذه الثيمة حين كتب (أحيانا نشعر بنبض القلب أعلى من طبول الموت، خوفا أو ذعرا على المكان الذي نحب، والإنسان الذي نحب. تدنو لحظة الفراق أو لحظة العناق) – دليل معرض في السفارة الفنزويلية – لذلك فإن الفنان الشكرجي يتقدم من اللوحة كي يخفي مشاعره، أو يضعها في سطح تجريدي مربع اندثر تحت أكثر من مربع أو مستطيل، في ما تحدق بهذه الكتلة من المساحات أسفل اللوحة كتلة سائحة عملاقة وكأنها مقبلة على السقوط، لتمحق وجود الألوان والمساحات في اللوحة، هذا الإحساس بالتهديد اللوني إذا جازت العبارة دفع الفنان إلى تأسيس أول قاعة للعرض الفني في شارع السعدون مع الفنان علي النجار، ومن ثم التحق بالشكرجي الفنان جودت حسيب في المرسم المسمى (مرسم ضياء حسن عام 1974) ومن هنا بدأت مسيرة الشكرجي تأخذ مسارا آخر، هو مسار الرسم بالهواية، وحسبما تسمح به الظروف والإصرار على نقل التجربة والخبرة للطلبة باستخدام القاعة للتدريس، وتعليم الرسم ومن ثم قاعة كوديا، وهذا يدفعنا إلى الاعتراف بفضل القاعات الفنية الأهلية في رفع وتيرة الإبداع في الفن التشكيلي العراقي، كما فعلت قاعة الأورفلي وقاعة حوار للفنان قاسم سبتي، وقاعات أخرى تصدى لذكرها مهتمون بأرشفة نشاط القاعات في العراق .

إذن نحن هنا نتابع الفضل الأكاديمي الحر الذي قام به الفنان ضياء الشكرجي من خلال اهتمامه بنقل التجربة والحفاظ على تتبع الأثر، وهو ما أثر في نتاج الفنان فاغلب نتاجه غير مؤرشف، كما ذهبت لوحاته مباعة إلى مقتنين لا يعرفهم في ظروف ما قبل 2003، وتنقل في الإشراف التربوي والدرس الأكاديمي، حتى أنه نقل نشاطه الفني إلى مواصلة الدراسة فنال شهادة الدكتوراه عام 2012 بدرجة امتياز عن أطروحته «الحداثة في تشكيل عناصر التصميم الداخلي وتطبيقاتها لطلبة كلية الفنون الجميلة» من المعهد العربي في بغداد، واذا علمنا أنه من مواليد 1946 في محافظة بابل، أي أنه نال الشهادة وهو بعمر 66 عاما، وهو التأكيد على إعلاء مفهوم الدراسة وإعلاء شأنها في عمله الذي امتص من طاقته الإبداعية في إنجاز الرسم .
وقد تأثر بألوان الخالد فائق حسن، لكنه تتبع أثره في العملية التربوية واهتمامه بطلابه واستقى في بداياته من الفنان كاظم حيدر وغازي السعودي والفنان اليوغسلافي أرنوموفسكي، الذي أثر كثيرا في تجربته. لذا بقي وفيا لما ظفر به من سبق في تجاوز الرسم الطبيعي الى التجريدي، وتعكس تجربته الفنية تمسكا لا فكاك منه بالتجريد دون غيره من المدارس، متخذا هذا الاتجاه قناعا لإخفاء الخطوط التعبيرية الواضحة والأشكال الواقعية، لكن في تجارب وعروض متباعدة عبر مسيرة طويلة من مكابدات البقاء والتدريس، وفي القاعات الفنية مدرسا بارعا في اختصاصه، دون أن يجبر فنه على تطبيقات خارج الدرس التجريدي الذي لم يحيد عنه لحد الآن.
إذا كان لكل فنان عراقي حضور في منطقة معينة، يجهد في إثبات مقدرته وتفرده فيها فإن الفنان ضياء حسن الشكرجي نموذج للحافظين على قيمة الفن باعتباره رسالة جمالية أخلاقية، وهو واحد من حراس الحفاظ على قيمة الفن من خلال إدامة الدرس في توصيل أوليات الفن لطلابه وعشاقه من خلال القاعات الفنية باعتبارها ساحات رحبة لتلاقح الأفكار والممارسات الفنية، بناءَ على الاحتفاء بالإنجاز العراقي الكبير في تشكلات الفن العراقي الواسعة، وكانت له مشاركات فنية متعددة، ابتدأت في بداية سبعينيات القرن الماضي، ولم تنته لحد اللحظة الراهنة، وله مقتنيات فنية في الأردن – بيروت – إنكلترا – قطر – الإمارات – موسكو- تونس – المغرب – الكويت .

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية