طارق بشير مصري يعشق فن “الدور” ويتبحر فيه فمن بعده لا موسيقى ذات شأن كبير

زهرة مرعي
حجم الخط
1

بيروت-“القدس العربي”: لأول مرة يزور الفنان طارق بشير لبنان مقدما معرفته العميقة لمن يرغب في الاستزادة من فن “الدور” الغنائي. وجد بشير في انتظاره مجموعة كبيرة من السمِّيعة، وهو يتحدث إليهم في ما يخص “فن الدور: من الذروة إلى الإنقراض”. تناول اللقاء معه شرحاً مستنداً إلى مراجع مكتوبة، وإلى سماعٍ أسطوانات قديمة العهد. وختم حضوره الذي جاء بدعوة من “مترو المدينة” بغناء مجموعة مختارة من الأدوار، شكلت ما يشبه التطبيق السمعي للكلام النظري، بحيث بدا الدور خلقاً للأداء الحي التفاعلي بين المؤدي والسامع، ومزيجاً بين لحن وضع مسبقاً وبين الارتجال. ولهذا لم تتواجد أوراق نوتة أمام العازفين.

طارق بشير يعتاش من كونه مهندساً، فيما يترك تبحره في موسيقى النهضة لشغفه، ولا يعول عليه في تحصيل حياة كريمة، له في عالم الفن اختيارات دقيقة، وقلة معدودة يتمنى العمل معهم بهدف تقديم جديد يحاكي القديم. ويحسب له أنه أسس فرقة “أكسفورد مقام” التي تقدم حفلاتها في دول عربية وغربية غالباً.

 معه هذا الحوار:

*لماذا هذا الغرام بفن الدور؟

**هي جملة أسباب، أولها نشأتي في عائلة مغرمة بالطرب المصري. والدتي تسمع أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، ووالدي منحاز لقديم عبد الوهاب، إلى جانب صالح عبد الحي. هذه النوعية من الأغنيات صدحت دائماً في منزلنا. من جهتي أحببت عبد الوهاب، وما زلت حتى اللحظة أحب كثيراً عبد الحليم حافظ، وبلا شك أحب أم كلثوم. لكنني وفي بحثي أو سماعي للموسيقى التي سبقت كل هؤلاء وجدتها أكثر غنى، وأكثر غذاء لي على الصعيد الطربي. يتميز هذا الغناء بكثافة موسيقية أكبر. وبالتدريج وجدت نفسي منفتحاً على النهل من الأدوار التي أحببتها من التسجيلات القديمة مباشرة، وليس من تنفيذ فرقة الموسيقى العربية لها على سبيل المثال. فنياً أختلف جذرياً مع فرقة عبد الحليم نويرة، فرقة أم كلثوم وفرقة الموسيقى العربية. لست موافقاً على تحويل الدور على يد تلك الفرق الموسيقية إلى عمل كلاسيكي.

*لماذا كل هذه المواقف؟

**شغفي بالموضوع حمسني للاجتهاد. قرأت أغلب ما يتعلق بفن الدور وغيره من الغناء القديم، وتركت للاستماع حيزاً كبيراً مما ساعدني على عقد مقارنات شخصية.

*أين تابعت دراستك الموسيقية؟

**دراستي الأكاديمية الهندسة. وإن كانت لي دراسة موسيقية فقد تعلمتها من زملاء وأصدقاء، منهم الصديق الكويتي الدكتور أحمد الصالحي، المولع بفن النهضة، ودارس ومتخصص فيه. إذاً معرفتي مكتسبة شخصياً وليس أكاديمياً. وأسعى لتقديمها بطريقة بعيدة عن التعقيد، بالتعاون مع كل المهتمين بهذه الحقبة، بهدف زرع نواة صحيحة لدى الشباب الصغار. فهذه المرحلة من الفن وصلت إلى الجمهور بشكل خاطئ وقيل فيها الكثير كمثل وصفها بالعصر البائد، أو الموسيقى الفطرية والهمجية. أو القول بأن سيد درويش، وزكريا أحمد ومحمد القصبجي قدموا تأسيساً جديداً للموسيقى العربية الحديثة. أقوال غير صحيحة في رأي الكثير من المتأثرين بالنهضة.

*هل تعيش من فن عصر النهضة؟

**بل من الهندسة. فقد تبين بعد البحث أن فن النهضة “ما يأكلش عيش”.

*وأي الفنون يُطعم عيشاً؟

**واضح جداً، وهو ليس متوافقاً مع ثقافتي الموسيقية.

*أين تقيم حفلاتك وما هي الأجواء التي تساعدك على التعبير؟

**في الواقع أرغب في التواجد مع كل إنسان يمتلك عقلية الاستماع لجديد لم يكن يعرفه سابقاً. أو ذاك الإنسان الذي يبحث عن الاستماع إلى قطعة فنية محددة ليكتشفها. عيبنا كعرب يمتد لأجيال سابقة ويتمثل في الانسجام مع كل موسيقى معروفة من قبلنا. وينخفض الانسجام مع قطعة لم تُسمع من قبل. ثقافة يجب علينا أن نراجعها من جديد.

*وهل يتشابه هذا الموقف مع صلتنا كعرب بالموسيقى الآلاتية؟

**تماماً. المطلوب أن نحاول تسليم العقل والأذن لسماع وتلقي كل جديد. في الواقع نشاطنا في بريطانيا مع فرقة “اكسفورد مقام” وهي تخت شرقي أسسته مع الدكتور مارتين ستوكس، وهو رئيس الإثنوميوزوكولوجي في “كينغز كوليدج” في لندن. في الغالب نشاطنا مع جمهور بريطاني، والدكتور ستوكس عازف القانون في هذه الفرقة وهو بريطاني من أصل إيرلندي. وتعلّم العزف ما بين مصر وتركيا. وهو متخصص في الموسيقى التركية وتاريخها، من العثمانية وصولاً إلى الموسيقى في القرن العشرين. ومعنا كذلك الدكتور أحمد الصالحي المتخصص في فن الصوت، وموسيقى عصر النهضة وجامع مهم جداً للأسطوانات القديمة التي سمعنا بعضها في حفل بيروت. نحن الثلاثة أسسنا فرقة للبدء في تقديم قوالب الموشحات والأدوار. وفي الحقيقة سبقنا إلى هذا العمل الأستاذ مصطفى سعيد، وهو عالم كبير وأستاذ كمطرب وعازف وكمشتغل في فن عصر النهضة، أو كما يسميها الموسيقى العربية الفصحى. ما نرغبه هو أن لا نظهر كفرقة تراثية، فلن اعتمر الطربوش لأغني الأدوار، فهذا في رأيي إجحاف بحق الموسيقى. ما نريد قوله إن تلك الموسيقى يمكن أن تكون حية وحديثة.

*لماذا رعى الخديوي إنتاج الأدوار في مصر؟ ولماذا طلبها خصيصاً للنخبة؟

**طلب الخديوي تخصيص النخبة بأدوار نقف عليه من خلال النصوص تحديداً، وليس الألحان، فهي على الدوام جميلة وجذابة. وهذا ما ترك الخديوي ينجذب لهذا الفن والنهوض به، لأنه في الأساس موجود. لكنه وفق نظريته يحتاج لنوع من التهذيب. لمس أن النخبة والطبقات العليا من المجتمع ليست على ودٍ مع هذا النوع من الفن. ولهذا كانت النقلة بعد رعاية الخديوي لهذا النوع من الفن عبر الكلمات أكثر منها في اللحن. ومع الرعاية الخديوية للدور وجدنا أن اقتراب عبده الحامولي ومحمد عثمان من القصر جعل فنهم يزدهر. فالخديوي بنى في حديقة القصر مسرحاً للمطربين، وشجعهم على الغناء، وهذا يعني بحبوحة مالية لهم. وهكذا لم يكن عبده الحامولي مضطراً للغناء اليومي، وفي أماكن لا يحبها، بحيث يقول ما يطلبه الجمهور من أجل الكسب والعيش. كان مرتاحاً مادياً ونفسياً بحيث يبدع في مجاله وبما يليق باسمه.

*مع انتماء محمد عثمان وعبده الحامولي للقصر هل تبدلت قيمة الدور؟

**الدور هو كل غناء غير الموال والموشح والقصيدة. الإنفراد بتسمية هذا القالب الجديد الذي انوجد مع عبده الحامولي كان الشكل الحديث للدور، وصار رائده إلى جانب محمد عثمان.

*هل قدمت جديداً للدور أم تكتفي بأن تُسلطن معه؟

**نحذو حذو الجماعة القديمة التي تناولت الدور وأسسته بدءا من 1860 وصولاً حتى بدايات السينما. فمن حينها أصبحت الأغنيات قصيرة، وتغيرت نوعيتها، وصارت تسعى للتشابه مع أغنيات الأفلام الأجنبية. ما نسعى إليه هو تعامل الرواد مع أي دور يقول إن المذهب ملحن، ويبقى عليك أن تضع شخصيتك في الجزء الثاني منه أي المرتجل.

*ولهذا لم تكن أمامكم نوتة خلال الحفل في “مترو المدينة”؟

**إنه الحفظ. جميعنا يحفظ النغمات. البشرف بالطبع مُلحن من الألف إلى الياء ونحن نحفظه. بالمناسبة النوتة دخيلة على الموسيقى العربية. متى اشتغل العرب على النوتة؟ في ظني بدأ ذلك مع المسرح الغنائي في مصر والذي كان يتطلب أوركسترات، وكذلك الأمر مع أغنيات الأفلام. مع العلم أن أوركسترا أم كلثوم وحتى آخر يوم من حياتها كانت تعمل من دون نوتة. نحن نحفظ ما نغنيه والباقي ارتجال، حتى بلال بيطار عازف القانون، ولما قاسم عازفة الإيقاع لم يكونا يدركان إلى أين أتجه بغنائي.

*من هم ملوك الدور في رأيك؟

**على جبهة الملحنين نبدأ من عبده الحامولي، محمد عثمان، محمد عبد الرحيم المسلوب، محمود الخضراوي، ويليه الجيل التالي بدءاً من داوود حسني، ابراهيم القباني. والجيل الأخير تمثل في سيد درويش، زكريا أحمد، محمد عبد الوهاب ومحمد القصبجي.

*ما هي المراحل التي قطعها “الدور” في رحلة تطوره؟

**مرحلته الأولى كانت مع “يا حليوى يا مسليني” وهي سبقت النهضة، وتمثلت في أغنيات ذات لحن بسيط يتردد. وهذا اللحن البسيط كبر نسبياً مع “من يوم عرفت الحب” و”يا قلبي اترك المحبة” وهي من الأمثلة التي تخللت الحقبة الثانية. وكبرت الأدوار أكثر في الحقبة الثالثة مع “في البعد ياما” و”حظ الحياة”. وهنا نحن مع حقبة عبده الحامولي ومحمد عثمان. أما الحقبة الرابعة والتي تميزت بالأشكال التجريبية التي حاولت تحطيم الشكل النموذجي المعهود للدور والذي تركه الحامولي وعثمان، ومع القباني ودور “الكمال في الملاح صُدف” ودور “أنا فؤادي يوم عشق” وفيها تمّ استعمال مقامات غير معهودة لدى العرب كما الحجاز كار كرد، والبستني كار. وجاءت المرحلة الخامسة وربما الأخيرة، والمتمثلة في جيل سيد درويش والأدوار شبه المقفولة والملحنة تماماً. أي أن الارتجال فيها مسبق التفكير، ومتفق على النقلات الموسيقية. أي أن الموضوع أصبح مهندساً.

*في مرحلتنا الحاضرة أي في الألفية الثالثة أين هو الدور؟

**بل نقول إن هذا النوع من الغناء انقرض في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي. وإن لم يخني التاريخ فآخر دور تمّ تسجيله من قبل أم كلثوم سنة 1938 للشيخ زكريا أحمد ويقول “ما كنش ظني في الغرام”. وهو أن لم يكن الأخير فمن أواخر أدوار أم كلثوم.

*ولماذا إذاً أنت مهتم بكل هذا الشرح عن الدور الآن؟

**بصراحة يفيدني مع من يشبهني أكثر منه للجمهور. كمؤدين لهذا النوع من الغناء نحتاج للثقافة العامة بشأنه، بحيث يمكن للمتلقي أن يتتبع ماذا أقول، وعندما يسمعني في دور “فريد المحاسن” ومن ثم يسمع الدور عينه من مصطفى سعيد أن يلمس الفرق. وهذا ما كان حاصلا أيام زمان حين كان الدور في أوجه. فلكل مطرب طريقته وإحساسه، كما له وجهة نظر في التعامل مع هذا الدور، فهو يحترم الجزء الملحن ويفرض شخصيته في الجزء الارتجالي.

*من له قدرة التصدي لمهمة تجديد “الدور” حاضراً؟

**نحن نحتاج النص الخاص جداً، بما يتضمنه من كلمات الحب والدلال والهجر. المطلوب استعمال كلمات جميلة للتطريب، كما “زمان، يا عين، الليل” وغيرها مما له صلة بالتطويل والمط.

*هل حضرت النساء بقوة حين ازدهار “الدور”؟

**طبعاً. منهن اسما الكمسرية، وتوحيدة، ونظيرة الفرنساوية، وبهية المحلاوية، وجميعهن كنّ في بدايات القرن الـ20 وكان يُطلق عليهن اسم العوالم. السينما المصرية أطلقت على الراقصة تعريف عالمة، وهذا خاطئ. العالمة تعلم بالشيء وفقيهة في الفن الذي تؤديه. العالمة كانت مرتبة ودرجة تستحقها من تتقن غناء الأدوار. وتبقى اسما الكمسرية أقدر النساء في غناء الأدوار.

*مشروعك التالي؟

**المتابعة. بحث عن مزيد من الفرص للكلام باتساع عن الدور. لن أكون وحدي بل إلى جانب زملائي مصطفى سعيد، الدكتور أحمد الصالحي، الدكتور ستوكس، الدكتور نداء أبو مراد، هيّاف ياسين، فريدرك لاغرانج وهو مستشرق فرنسي وأستاذ في تاريخ الأدوار وغيرهم. الدائرة إلى اتساع. وأهم عامل لإحياء هذا الفن من جديد هو التسجيلات التي أصبحت متاحة على اليوتيوب. عندما كنت في عمر الشباب لم تكن تلك التسجيلات موجودة. وعندما يسمع الشباب تلك الأدوار لن يكذبوا آذانهم. ففي تلك الموسيقى جودة لم نعرفها بعدها. مع تأكيد الشكر لمؤسسة التوثيق والبحث وغيرها من المؤسسات التي تمتلك تلك التسجيلات وتنشرها مجاناً في أغلب الأحيان كي تصل للناس.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية