باريس: في الحديث مع الشاعر التونسي طاهر البكري، نحاور الترحال والرفض وخلاصة اللغة، الشاعر المقيم في فرنسا منذ عام 1976 ومدرس اللغة العربية في جامعة باريس10 ينأى بتجربته الفنية والجمالية عن عالم تسوده آلة الحرب، مع بحثه الدائم عن العناصر البِكر في هذا العالم متنقلاً بين الثقافتين: العربية والفرنسية، صدر له باللغة العربية «قصائد إلى سلمى» عام 1996، و»مذكرات الثلج والنار» عام 1997، وديوان «في حضرة يونس إمرئ» عن دار «إليزاد» في تونس عام 2012، كما قام بترجمة قصائد لشعراء فلسطينيين من الجيل الثاني بعد محمود درويش إلى الفرنسية نُشرت ضمن أنطولوجيا بعنوان «شعر من فلسطين»، وقبل أشهر صدر ديوانه الأخير «حنين الورود البرية» باللغة الفرنسية عن دار «المنار».. التقته «القدس العربي» في باريس فكان هذا الحوار:
٭ تضمن كتابك الأخير «حنين الورود البرية»، لوحات للفنانة «آنيك لو توير»، فكان حوارية بين الكلمة واللوحة، قلتَ مرة إن الكتاب «موجه إلى أصحاب الذوق الرفيع»، هل تعني العبارة أن الشاعر طاهر البكري يكتب إلى النخبة؟ أم أن لهذا الكتاب ميزة ما؟
ـ في عالم تغلب عليه الرداءة والكلمة المبتذلة العنيفة الهابطة لا بدّ للفنّ أن يسموَ بالجماليّة الابداعيّة كتحدّ إنساني يدافع عن جمال العالم ضدّ من يدفعونه إلى الحضيض و الدّمار. و جاء هذا الديوان في طبعتين ، الأولى ، عادية في متناول القراء، والثانية فنّية أنيقة و محدودة العدد تحتوي على رسم أصلي و هذا من خاصيّة دار المنار للنشر. يجمع الكتاب بين الشعر و الرّسم ، في حوار متيقظ إلى النّور والضّياء ، مبدّد للظلمة ، متنقّل بين ألوان و بلدان عدّة و أماكن مختلفة ، قريبة و بعيدة تجمع بين ذاتية حميمة و ارتسامات و مناظر خارجية تعبُرُ مراحل الذاكرة و إلهام السفر و التّرحال . على سبيل المثال ، عندما كنت متواجداً في شمال الدنمارك ، في مدينة سكاقن ، مِنْ بين المناظر التي كانت تشدّ انتباهي : نحتَ فنّان قيثارة على ساحل البحر بين الموج و هضاب الرمال و كان ذلك العمل الفني قبر الشاعر دراكمان. أين نحن اليوم من هذا في عالمنا العربي ؟ كلّ شجرة ، كلّ نبتة ، كلّ ورقة ، كلّ سنبلة ، كلّ زهرة بريّة عبر العالم يُمكِنها أنْ تَحمِل كيانا يُوَلّدُ بِدوره كياننا متجدّداً ، يتصدّى لِمنْ يبعثون الموت والرّعب والقهر والتهجير. مِنْ هنا كان الحنين إلى الورود البرية . الذوق الرفيع ، مَجازا هو انتباهنا الى مُكَوّنات الإنسانية مِنْ صغيرة وكبيرة. وليس بكلّ هذه الدّماء والحروب والمجازر وتحطيم المعالم الأثرية والتشنيع بالأبرياء يمكننا أن نبني الحضارة. لا أكتب إلى النخبة ولا إلى العامّة أو الخاصّة و ليس هذا من همومي ، أكتب بالضرورة للدفاع عن إنسانيتي متمسّكاً بجماليّة الكون كقيمة ترتفع بالإنسانية جمعاء. والكتاب سهل في كتابته و صياغته الشعريّة والفنية ، دون مغالاة أو تعال و لكنّه سيكون ممتنعا لِمنْ فقدَ حسّه وذوقه و أصبح كالصّدى يردّد دويّ الخراطيش و لغط الخطابات الباهتة والرهيبة.
٭ هذا الذوق يشهد انحداراً كبيراً مع طغيان ثقافة التسليع حتى في فرنسا، واستحواذ التكنولوجيا الحديثة على السلوك البشري، ما يدفعنا إلى التساؤل عن وسائل جديدة لإيصال الفن، ربما يُحوِّر هذا من معنى الفن في هذا العصر أيضاً، كما أن التكنولوجيا بطريقة ما لا تنفصل عن الخيال والمغامرة الإنسانية وثيقة الصلة بالفنون.
ـ ثقافة التّسليع و انحدار الذوق أو حضارة الاستهلاك تحاول فعلاً أن تجعل منَ الفنّ بضاعة تباع و تشترى، تدرّ أرباحاً لا يقبلها العقل قبل أن تقدّر قيمته الإنسانية، كما تحاول أنْ تفرغه من أيّ محتوى جادّ و حازم و لكنّ ٌقوّة الفنان الكبير الملتزم بقضايا الإنسانية تكمُن في إبداعه الذي يتجاوز القيمة التجارية والاستهلاكية التي سرعان ما تصبح كالغبار تذروه الرياح. لا يهمّني سعر لوحة « جورنيكا « لبيكاسو و ما يدور حولها من جدل تجاري مشبوه بقدر ما يشدّني هذا العمل كفنّ رائع و تعبير بليغ عن الكفاح ضدّ الدمار و الحرب الإسبانية الفاشية والتمسّك بالحريّة و قداستها. أمّا عن التكنولوجيا الحديثة من إنترنت ومواقع و مدوّنات وفيديو وهواتف نقاّلة فلا بأس أن يسخّرها الإبداع إيجابياّ لكسْر الحواجز و كسْب الحريات و نشْر الاتصال إلى أكبر عدد ممكن من القراء و المشاهدين عبر العالم. هذا لا يمنع منْ أنّ القيمة الحقيقية للعمل الفني الجيّد و إنْ تعدّدت الوسائل و الأساليب ، و هنا جاء دور النقد ، يبقى هو الفصْل بين الرداءة والجودة. و ربمّا أصبحنا اليوم على أبواب العصر الرقمي بعد العصر الورقي و لكن هذا لا يجب أن يكون مصدر خوف أو مبعث تهديد بانقراض قيَمِنا بلْ تلك هي سُنّة التاريخ و تطوّره فهو سلسلة حتميّة من العصور لا مفرّ منها، و لقد برزت براعة الفنان على الحجر و الطّين والحديد والبرونز و الخشب والجِلد و الورق البردي، و ما بقي و ما سيبقى منها هو ما ينفع الناس على الأرض أما الزبد فيذهب جفاء.
٭ ثمة صوفية متجذرة في تجربة الشاعر، من «قصائد إلى سلمى» إلى «في حضرة يونس إمرئ» هل لهذه الصوفية علاقة بالمنشأ/ الطفولة، في تونس؟
ـ طفولتي في واحة قابس بالجنوب التونسي وكذلك في عدّة مُدن تونسية أخرى كالقيروان و سوسة و صفاقس لمْ تتأثر بالمناخ الصوفي الشعبي رغم حضوره الفعلي وأنتمي شخصياّ إلى جيل كان يتطلّع إلى الحداثة و العلمانيّة والآفاق المستقبلية العالمية ، ثقافة وعلوما إنسانية كنّا و لا نزال نحاول مِنْ خلالها التقدّم بالإنساني العربي في نهضة فعليّة و حقيقية، بعيداً عن كلّ استعمال للدين كوسيلة سياسية أو مطيّة للسّلطة. حضور التصوّف فيما أكتب هو مُساءلة الروحانية و الوجدان العميق في عالم طغت عليه الماديّة والعقائدية المفرطة. فجاء ديواني « في حضرة يونس إمرئ « وهو مكتوب باللغتين العربية و الفرنسية ، يحاور علمانيّة مصطفى كمال أـتاتورك و صوفية يونس إمرئ في ماهية الحبّ والحياة والاعتقاد والدنيا والدين. الديوان مهدى إلى شهداء الثورة التونسية. ,و ليس بالإمكان بناء مجتمع جديد متحضّر بِفرْض الأُحاديّة الدينية أو النظريات العقائدية ، مِهما كانت الاقتناعات . الشاعر ليس بوقا أوْ رئيس حزب أو رجل دين و دوره هو أنْ لا يساهم في التعصّب والتشدد وأنْ لا يصرخ مع الذئاب كما يقال في الفرنسية بل أنْ يجمع بين الفكر و العقل و الرّوح والإحساس و المشاعر والواقع والخيال والتصوّر والرؤيا ويبني من الأسئلة الحارقة قيمة الإنسان و ديمومة تاريخ البشرية ويكون مِجهرا لما فسد في المجتمع وسلطته. نحن لا نفقه دائما كُنْه الأشياء وحيْرة الإنسان وقلقه في متاهاته و بحثه و عنائه ، ومن السذاجة المخزية أنْ نترك هذه المسؤولية إلى زعماء الظلام و رفاق الظلمة.
٭ الحديث عن الصوفية يشدنا إلى البيئة الإسلامية بين الأمس واليوم، في تونس، كما في أكثر البلاد العربية، نرى انكماشاً للإسلام المعتدل، للتأويل، لصالح الأصولية، وهي أكثر العوامل التي جرَّت المنطقة إلى هذه الويلات اليوم، ما رأيك؟
ـ لا أعتقد أنّ الإسلام المعتدل الحداثي في تونس وفي طليعته المرأة التونسية وهو الغالب في نسبة الشعب ، حتى بعد وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة ، قد انكمش بلْ إنّ الحركات المتشدّدة الإرهابية ، من القاعدة إلى طالبان ، من داعش إلى بوكو حرام ،من القاعدة في المغرب العربي إلى الساحل الإفريقي ، كلّها تمارس العنف الدموي وحجز الرهائن والقرصنة والوسائل الإجرامية بِاسْم الإسلام ، و هي بعيدة عنه كل البعد و تسيء له أشرّ سوء. الأصولية المتخلفة لها أسلحة و أموال طائلة في خدمتها ، بعضها جاءت من السّطو و الخطف و اعتقال الرهائن شرقا وغربا و هذا ما تقوم به العصابات المرتزقة ، و أخرى جاءت من دول تخاف على نفسها من الثورات و تبعدها ، مُبذّرة ثرواتها بنشر وَ دعم الخطاب الديني المتحجّر، مثلُها مثل المحافظين القدماء و الجدد والدعوات التبشيرية في أمريكا. أضيفُ إنّ تحريك و دعم الأصولية الإرهابية مشبوه فيه و ربّما كان في صالح قوى صهيونية وأخرى لا تريد للمنطقة العربية خيرا ولا تقدّما. و ما أسهل أنْ نهدم ونقتل ونكفّر ونبعث الرّعب جهلا و تجاهلا و هذه لعمري فترات يأس حالكة تُذكّرنا بما مرّ به التاريخ العربي الإسلامي عند بداية عصور الانحطاط و سقوط الحضارة. يكفي لجماعات صغيرة أن تقوم بالارهاب و الترويع حتى يتزعزع كيان الدولة الضعيفة ولكنّي مقتنع أنّ الغلبة ستكون للمجتمع المدني القوي السليم إنْ لمْ تساند هذه الحركات بعضُ الأحزاب المتعطشة إلى السّلطة ، لأنّ الإسلام الحقيقي ليس جهاد النكاح وهدم الأضرحة و المعالم الدينية و ذبح النفس البشرية و قتل الأبرياء و زرع الألغام و تجنيد من خاب مسعاه.
٭ خلال ترجمتك لأنطولوجيا «شعر من فلسطين»، هل ثمة خصوصية لاحظتها في الشعر الفلسطيني الجديد؟
ـ بعد صدور كتابي «سلام غزة « في 2010، نشرت هذا الكتاب في 2013، وهو مهدى إلى الشاعر محمود درويش، والذي سبق أن زرت قبره في رام الله سنة 2009. الكتاب يرمي إلى التّعريف بِشاعرات و شعراء من فلسطين و لو كانوا يعيشون خارجها و لكنّهم يحملون أرضهم وهويتهم أينما كانوا ، في فلسطين المحتلة كغسان زقطان و طارق الكرمي و زكريا محمد ، أوْ في غزّة كباسم النبريص ، أوْ في القدس كنجوان درويش أو في عمّان كابراهيم نصر الله ، أو في أمريكا كناتلي حنضل وديما شهابي وفادي جودة أوْ عبر العالم كتميم البرغوثي … هناك من يكتب بالعربية وهناك منْ يكتب بالإنكليزية. القصائد ترجمت كلّها إلى الفرنسية. تعدّد اللغات والأماكن و المخيّمات و المنافي لم يمنع كلّ هؤلاء الشعراء من الدفاع بكلّ إنسانية متحضّرة عن الأرض المغصوبة و المسلوبة في تجربة ذاتية فردية لا تخلو من سخرية لاذعة أحياناً و لا تُخِلّ بهموم الكتابة والمعاناة الشّعرية البليغة والمُؤثّرة. مساهمتي المتواضعة في هذا العمل ، بعد الترجمة ، هي الدفاع عن الحقّ والحقيقة وخاصّة بعد زيارتي لفلسطين المحتلة. الشعر ليس صراخاً يولّد صداع الرأس بل لغة و كتابة تقنعاننا بعبء الكلمات وما تحمله مِنْ ثقل القضايا ، تاريخاً و أخلاقية، والقضيّة الفلسطينية مسؤوليّة كبرى مُلقاة على كاهل الضّمير الإنساني، ربّما يكون للشعر دور في توعيّة ضمير العالم الغربي المنحاز، ذلك يبدو أهمّ من بعض المناوشات اليائسة.
عمر يوسف سليمان