طبعة ثالثة من ظلال وأصداء أندلسية في الأدب المعاصر

عمان – «القدس العربي»: عن دار الخليج للدراسات والنشر صدرت الطبعة الثالثة من كتاب «ظلال وأصداء» أندلسية في الأدب المعاصر في 194 صفحة تتقاسمها سبعة فصول في بابين اثنين.
ففي الباب الأول يتناول المؤلف بالدراسة ظلال الأندلس وأصداءها في الشّعر، مشيراً إلى بعض الشعراء والنصوص التي اتكأت على الرمز التاريخي الأندلسي مفصلاً القول في ما يتراءى للباحث والدارس من رموز في شعر محمود درويش، بدءاً بمجموعته الشعرية الأولى «أوراق الزيتون» وانتهاءً بقصيدته المطولة: «أحد عشر كوكباً على المشهد الأندلسي» وبما أن لوركا يَعُدّ نفسه أندلسياً، وبما أن في شِعْره الكثير من الملامح والعادات والتقاليد العربية الإسلامية التي تتجلى في مسرحياته بوجه خاص، فقد تناول المؤلّف في الفصل الثاني تأثير مقتله في قصائد من الشعر العربي لشعراء عدّة منهم إبراهيم نصر الله، وعبد الوهاب البياتي، وسميح القاسم، وسعدي يوسف وأدونيس ومحمد عفيفي مطر وأحمد عبد المعطي حجازي. وعلى نحو أكثر تفصيلاً وعمقاً تناول المؤلف في الفصل الثالث تأثير لوركا الأندلسي في شعر محمد القيسي. وانتفع في هذا التناول من منهج الدراسات التقابلية، والمقارِنَة، معتمداً على المجموعة المختارة من أشعار لوركا Selected Poems إلى جانب ما تُرْجم من أشعاره إلى العربيّة في أزمنة متباعدة، وعواصم عربية متعددة.
وعلى الرغم من أنّ «قصيدة النثر» لا تسهم في كثير من نماذجها باستدعاء النموذج الأندلسي، فقد لفت في الفصل الرابع الانتباه إلى نصٌّ شعري لأمجد ناصر صدر عن دار النهار في بيروت (1996) بعنوان «مرتقي الأنفاس» لا لكونه قصيدة نثر، بل لما فيه من توظيف تطبيقي لفكرة القناع القائمة على الإفادة من شخصية أبي عبد الله الصغير، آخر سلاطين الأندلس- وقد ظهر بعض التطابق، وبعض الاختلاف، في قصيدتي درويش «أحد عشر كوكباً» وقصيدة أمجد ناصر «مرتقى الأنفاس» ما شجّع المؤلف الباحث على تناول الظلال الأندلسية في هذا النص، من غير أن يغفل عن الطبيعة الرجراجة، والإشكالية، لقصيدة النثر، سواء من حيث مغالطات التعريف، أو إشكالية البنية.
أما الباب الثاني فقد أفرده المؤلف لثلاثة فصول تناولت ما في الأدب الشعبي من أصداء أندلسية امتزجت امتزاجاً عجيباً ومدهشاً بالظلال الأندلسية في ثلاث من الروايات المترجمة لكل من أنطونيو غالا(إسباني) وطارق علي (باكستاني) وأمين معلوف وهو لبناني يكتب بالفرنسية، وقد ترجمت روايته «ليون الأفريقي» للعربية وصدرت في بيروت.
ومما يلفت الأنظار ما كتبه، ودونه، الأمريكي واشنطن ارفنغ (1783- 1859) في كتابه «قصص الحمراء» Al-Hambra Tales من حكايات تلقي الضوء على العلائق الوجدانية، والثقافية، والروحية، بين مسلمي الأندلس، والإسبان، سواءٌ في زمن الحكم العربي أو بعده. لاسيما تصويره العلاقات الغرامية التي تصل بين عربيّة وإسباني، أو إسبانيّةٍ وعربيّ، أو العكس. والتنبيه على روح التسامح التي سادت العلاقات بين الفريقين حقباً طوالاً من الدهر. ويضم الباب أيضاً بحثاً عن الرواية التي تتّخذ من الأندلس – زمن السقوط وبعده – محوراً لها.
وفي هذا الشأن لا بأْس من الإشارة للفصل السادس الموسوم بعنوان أصداء الأندلس وظلالها في ثلاث روايات ، إذ هو دراسة نصّية لروايات تتناول شريحة تاريخية واحدة، تجري وقائعها في السنوات التي تلت سقوط غرناطة عام 1492. ومن هذا المنظور التقابلي يتّضح لنا أن وجهة النظر Point of view التي تسيطر على الكاتب تحدد المصير النهائي للأحداث، والأبطال، وتجعل المحتوى الذي ينسجم مع وجهة النظر تلك مؤثراً تأثيراً كبيراً في بِنْية العمل الأدبي، وعلاماته الدلاليّة من شخوصٍ سردية، وأزْمنة، وأماكن، وعلاقاتٍ، وسرود متقاطِعة تَمْزِجُ التّاريخ ـ بمفهومه المجرّد- بالمتخيّل الأدبي. وأوضح الفروق بين رؤى الروائيين الثلاثة تتجلى في أن الإسباني غالا حاول تصحيح الرؤية التاريخية لسقوط الأندلس، وإعادة النظر في مسؤولية أبي عبد الله الصغير عن هذا السقوط، وفي هذا يلتقي مع أمجد ناصر في مرتقى الأنفاس. وأما طارق علي فقد أبرز ما قام به الأندلسيون من ثورات ضد الإسبان ولا سيما ما يعرف بانتفاضة البشرات. واختلف أمين معلوف عن الاثنين باختيار حبكة سردية فتحت للنموذج الأندلسي أبي الحسن الوزان أفقا كونيا ترك بصماته في التاريخ الثقافي في العالم المتمدّد على شواطئ المتوسط.
وغير بعيد عن هذا السياق ما يجده القارئ في الفصل السابع والأخير عن ثلاثية رضوى عاشور الموسومة «بثلاثية غرناطة» وإذا كان لا بدّ من ملاحظات يذكرها المؤلف – ها هنا – عن هذه الرواية، فإن فيها الكثير مما هو مستوحى من رواية طارق علي في «ظلال الرمان».
يُذكر أن الطبعة الأولى من هذا الكتاب صدرت عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق سنة 2000 وفي سنة 2010 صدرت منه طبعة ثانية عن دار مجدلاوي بعمان، وهذه هي الطبعة الثالثة التي تختلف عن الطبعتين بمزيد من التنقيح والتدقيق في الهوامش، إذ اتضح أن الطبعتين السابقتين لم تخل من بعض الأخطاء الطباعيّة، وبعض النقص.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية