محمد شاهين: صوت الأدب العربي الرفيع

شهادة أسوقها – ها هنا – بشأن محمد شاهين الذي توفي في 30 يونيو/حزيران الماضي وكانت قد اتصلت معرفتي الشخصية به من عام 1974 إلى ما قبل رحيله بوقت قصير. فقد أتيح لنا -أنا وهو – صديق مشترك هو القاص خليل السواحري (1940- 2006). فقد كان محمد شاهين صديقه منذ تعارفا في مقر مجلة «الأفق» الجديد في إحدى البنايات المستأجرة في شارع صلاح الدين في القدس. وتطورت صداقتهما إلى أن أصبح شاهين صديق العائلة. وقد كتب الراحل عددا من المقالات، ونشر القليل من الترجمات في المجلة التي توقفت عام 1966. وبعد النزوح إلى عمان تواصلت علاقة الصديقين، وازدادت في العام الذي ذكرت، لأن السواحري حرص على انضمام شاهين لرابطة الكتاب الأردنيين لما توسمه فيه من شخصية علمية وأدبية يعد انتسابها للرابطة مكسبا. وفي هذه الظروف عرفته معرفة تختلف عن معرفتي به في الجامعة.

محمود درويش

من اللافت في شخصية الراحل حبه لأصدقائه من الأدباء، وحرصه على تناول أعمالهم بالدراسة أو الترجمة. فكان عليه الرحمة شديد الشغف بجبرا إبراهيم جبرا (1919- 1994) ولاسيما في رواياته ودراساته النقدية، وترجماته عن الأدب الغربي، وما من مرة ذكر فيها اسمه إلا وأشاد به. كنا نلتقي بصفة دائمة أيام الجمعة من كل أسبوع في منزل الراحل إحسان عباس (1920- 2003) وهي لقاءات عفوية تتحول في الكثير منها والمتواتر إلى ما يشبه الندوة. وفي بعضها اكتشفت أن للراحل ولعا بشعر محمود درويش وبشخصيته، وبكل ما ينشر عنه من دراسات، ومقابلات، وترجمات لشعره. وازدادت قناعتي بهذا التعلق عندما استمعت إليه في محاضرة نظمت في ذكرى رحيله. فجل ما جاء في تلك المحاضرة لا يعدو البوح الذي يلقي الضوء على عالم درويش الداخلي، أما ترجماته لشعره، أو ما كتبه عن قصيدته فرس الغريب في كتابه القيم الأدب والأسطورة (1996) فدليل آخر على هذا الحب. وفي تلك الندوة تحدثت عن الجانب الغنائي في شعر درويش، مركزا على الموسيقى التي تتجلى في لغة الشاعر، فخالفني وفرق لي بين Lyrical و Singing مع أن شعر درويش، حتى في نظر درويش نفسه، يتجلى ألقهُ وسحرهُ في موسيقاه، ولا تُخفي هذه الموسيقى ما لديه من تأملات، أو بنى درامية مركبة، ومعقدة.

الحلقة المفقودة

كان الراحل شغوفا بعالم إميل حبيبي (1922- 1996) أيضا. وقد أوحى له هذا الشغف بفكرة الكتابة عن الصلة بين السرد العربي الحديث والتراث الشعبي، وغير الشعبي، فأخذ يبحث في قصصه وفي قصص محمود شقير وفي روايات نجيب محفوظ (1911- 2006) عن الحلقة المفقودة التي تصل الرواية العربية بالتراث من رحلات السندباد إلى تغريبة الهلاليين. ولم يكن سعيه لقراءة قصص ميشيل عفلق (1910- 1989) وسواهإلا بسبب هذه الفكرة، وتقصيه لحكاية (جبينة) و(ظريف الطول) إلا من باب الولع بعالم إميل حبيبي. وقد أسفر هذا عن تصنيفه كتابا بالإنكليزية عنوانه Modern Arabic Short Story The.

مع الطيب صالح

والكاتبُ الآخر الذي شُغف بعالمه الطيب صالح (1929- 2009) فقد ظل مغرما بالبحث في روايته «موسم الهجرة إلى الشمال»، ولم يترك ملاحظة شاردة أو واردة عن تلك الرواية توحي بموقف مقارن إلا وتقصاها لدى ستاندال (1783- 1842) Stendhal، وكونرادConrad (1857- 1924) وإميلي برونتي Bronte (1818- 1848) ، وبعض روايات كبلنغ Kipling (1865- 1936)، وفورستر Forster(1879- 1970) مثلما لم يفته النظر إلى بعض الروائيين العرب، كتوفيق الحكيم (1898- 1987) و «عصفور من الشرق». فكان كتابه «تحولات الشوق» مثلما جاء في تقديم إحسان عباس كتابا ثريا يغني الأدب العربي المقارن مثلما يغني النقد الأدبي.

الخطيب وإدوارد سعيد

ومن الذين عُني الراحل بهم حسام الخطيب (1932- 2022) فقد جمع عددا من المقالات والبحوث بنفسه، وأشرف على طباعتها في دار الغرب الإسلامي في بيروت، وصدرت في كتاب تكريمي للخطيب لمناسبة بلوغه السبعين بعنوان من الصمت إلى الصوت (2001) شارك فيه عدد من النابهين كإدوارد سعيد، وناصر الدين الأسد، وجابر عصفور، وعبد العزيز المقالح، وعبد الملك مرتاض، فضلا عن بعض الشعراء كعلي جعفر العلاق، وسليمان العيسى، وبعض المستشرقين كأندريه مايكل. وممن تعلق بهم، وبأدبهم، إلى جانب الذين ذكروا إدوارد سعيد (1935- 2003) الذي ترجم عددا من المقالات عنه، ونشرها في بيروت، ووصف الكتاب بأنه رواية للأجيال (2007). فهو يضم دراسات بعْضُها يتصل بمكانة سعيد، والذود عنه، وعن موقفه الفكري والسياسي، والرد على من حاولوا تشويهه، والإساءة لشخصيته حسدا منهم لموقعه في الفكر العالمي. وبعضها يتصل بسيرته خارج المكان، وبعضها بكتبه عن المثقف والسلطة، وعن الاستشراق، والثقافة والإمبريالية، ومقالاته المنشورة، في الصحف أو الدوريات. وصدَّرهُ شاهين بعبارة من أقوال إدوارد سعيد، وهي: على كل فلسطيني أن يروي سيرته. ولكن الراحل- للاسف الشديد – لم يعمل بوصية إدوارد سعيد فقد فارقنا قبل أن يكتب سيرته.

وفاؤه

أما الأديب الآخر الذي لاحظتُ حرصه على آثاره، وعلى دوره في الحياة الأدبية شعرا ونثرا، فهو الراحل أمين شنار (1933- 2005) فبعد وفاته بمدة سألني إن كنت أمتلك نسخة من ديوانه «المشعل الخالد» 1957 فقد أعياه البحث عنه بلا فائدة، فأخبرته بوجوده لديّ، فطلب مني استعارته. كان هذا في عام 2006 أي بعد وفاة شنار بعام. وتأخر في إعادته، وعندما ذكرته به اشترط لاسترجاعه أن تعقد ندوة إحياءً لذكراه. وبالفعل اتخذت التراتيب، وعقدت الندوة، وتحدث عن أمين شنار: نهاد الموسى ومحمد شاهين وأنا. في تلك الندوة كشف الراحل عن سِرّ من أسرار أمين شنار، إذ قال مشيرا للقصيدة الموسومة بعنوان (سماء) وهي من القصائد التي جمعتها ونشرتها في كتاب بعنوان أمين شنار الشاعر والأفق 1997 فأكد أنه كتبها بعد أنْ هجرته (سماء) وهذا اسم غير حقيقي لفتاة كان يهيم بها، ويعتزم اتخاذها شريكة حياته، لكنها غادرت القدس لدراسة الطب في جامعة دمشق، وهذه التجربة هي التي أحدثت تحولا في حياته، وفكره.

مع ناصر الدين الأسد

كان الراحل شديد اللصوق أيضا بكل من ناصر الدين الأسد (1922- 2015) والمرحوم إحسان عباس، أما الأسد، فكان أحد الذين يترددون لندوته التي تعقد مرة في الشهر، والتقيته فيها مع عدد من الفضلاء منهم، محمد حور وعودة أبو عودة وعبد القادر الرباعي وصدقي حطاب وحسين الرواشدة ومي مظفر وإبراهيم العجلوني وآخرون كثر.
أما إحسان عباس فكثيرا ما وُجد في منزله الذي كنا نتردد إليه يوم الجمعة من كل أسبوع مثلما ذكر، وكانت كلية الآداب قد استعانت به ليلقي محاضرات على طلبة الدراست العليا. فلم يكن الراحل يدع فرصة من هاتيك الفرص دون أن يمر للسلام عليه، وفي بعضها كان يقوم بمرافقته إلى بيته بالسيارة، لأن المرحوم عباس كان يعتمد سيارات الأجرة.

عنايته بالرفيع من الأدب

انصبّ اهتمام الراحل محمد شاهين على الأدب الرفيع، فمن ذكرناهم يمثلون في الكثير الجم من أعمالهم هذا المستوى من الأدب، ولكن لا تفوتنا الإشارة لما حظي به كل من بدر شاكر السياب (1926- 1964) وصلاح عبد الصبور (1931- 1981)، وإليوت، وغيرهم كغسان كنفاني (1939- 1972) ورشاد أبو شاور (1942- 2024). فغسان شُغل بروايتين له هما «رجال في الشمس» 1963، و»ما تبقى لكم» 1966 فالأولى تعد في رأيه رواية ناجحة لأن المؤلف اختتمها بالسؤال لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟ ولو تركهم يدقونها – على رأي فيصل دراج في كتاب له عن الثقافة الفلسطينية – لتحولت الرواية إلى موعظة، وفقدت الكثير من قيمتها التي تتجسَّد في السؤال. ومن باب الاهتمام بهذه الرواية ما رواه عن لقائه بالمخرج توفيق صالح (1926- 2013) في مصر، وحوارهما في هذا الموضوع بالذات، مؤكدا أن رأي صاحب فيلم «المخدوعون» عن «رجال في الشمس» لا يختلف عن رأي شاهين في تلك الذروة التي بلغ بها كنفاني غايته، وحقق بها مرماه. وفي كتابه القيّم عن « آفاق الرواية: البنية والتراث»2001 توقف مطولا إزاء رواية « ما تبقى لكم» فوجد فيها ظلالا من رواية فولكنر Faulkner (1897- 1962) «الصخب والعنف» Sound and the Furry التي ترجمها جبرا إبراهيم جبرا. وأخرى من «صورة الفنان شابا» لجيمس جويس Joyce، ومن مسرحية مكبثMacbeth لوليم شكسبير (1564- 1616) التي ورد فيها ما يشبه هذا التعبير: «ما تبقى لكم « ومن إحدى قصائد إزرا باوندPound (1885- 1972)، وفيها بعض الظلال من إحدى روايات لورنس Lawrence وملامح شبَهٍ بين شخصيات كنفاني وشخوص في رواية كونراد «قلب الظلام» Heart of Darkness . وهذا الجهد المقارن يبيّن مدى الاهتمام الذي يبديه الراحل حيال الأدب الأصيل الفائق، فنحنُ لا نجد في جلّ ما كتب من مقالات، أو بحوثٍ، أو كُتُب، ما يمكن أن يشي بوقوفه إزاء نصّ، أو اكثر من الأدب الهابط. أما رشاد أبو شاور فمما ينم على اهتمامه به ما لقيته من إصراره على القدوم للمجلة، دونما سبب واضح، وإذا به يقدم لي نسخة من رواية الكاتب «وداعا يا ذكرين» الصادرة عن دار الآداب في بيروت، ملحا على ضرورة الكتابة عنها في أقصر، وأقرب وقت ممكن، لنشره في العدد المقبل من المجلة الثقافية. وحين لاحظ لديَّ بعض التراخي تعجلني مرارا.

حضور لافت
وتبعا لهذا وجدنا للراحل حضورا لافتا في المؤتمرات، وفي اللجان التي يناط بها اختيار الفائزين في الجوائز، فكان قريبا من مؤسسة البابطين في الكويت، وقريبا من المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة، وشديد الصلة بكل من عز الدين إسماعيل، وجابر عصفور، وشديد الصلة بجائزة الفيصل وغيرها. وعن طريقه كُلف الكثير من الأكاديميين، ورجالات الأدب، من فلسطينيين وأردنيين، بالمشاركة في المؤتمرات الأدبية في القاهرة. وبهذا الحضور المتواتر، والمتكرِّر، تكونت له علاقات متينة بغير قليل من الكتاب والمفكرين النابهين. فرحم الله الأديب الراحل محمد شاهين.

كاتب أردني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية