جاءت الفعاليات الثقافية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته 53 التي بدأت في 26 يناير/كانون الثاني، وستنتهي في 7 فبراير/شباط مُكملة للخطاب التقليدي ذاته، عن أهمية الدور الإقليمي للثقافة المصرية والعربية، وضرورة المُحافظة على الهوية التاريخية لمواجهة التحديات الراهنة واللاحقة، باعتبار الثقافة هي حصانة المواطن الواقية من الأزمات الفكرية والأيديولوجية، وتبعات التطرف والعنف والانقياد لتيارات الإرهاب.
وفي السياق نفسه تم الإلماح إلى الجذور التاريخية التي تربط بين الحضارتين المصرية واليونانية، تأكيداً على مبدأ اختيار اليونان، ضيف شرف لمعرض القاهرة هذا العام، وكذلك لم يفت القيادات الثقافية الإشارة إلى أهمية الاحتفاء بأدب الكاتب الراحل يحيى حقي، بوصفه الشخصية الثقافية للدورة الثالثة والخمسين، ذلك أنه ساهم بالكثير من إبداعه في رقي الذائقة الأدبية لدى القارئ العربي، وطرح جُل القضايا الواقعية المُتعلقة بالمجتمع المصري وأبرزها، قضية الجهل والأمية والتمسك بالخرافات، كما ورد في روايته الشهيرة «قنديل أم هاشم» التي زادت السينما من شهرتها وذيوعها إبان تحويلها لفيلم اجتماعي مهم بالعنوان نفسه، جسد فيه الأدوار نجوم كبار هم، شكري سرحان وصلاح منصور وسميرة أحمد وآخرون.
كما أن الدورة 53 للمُلتقى الثقافي الدولي، احتفلت أيضاً بأدب الأطفال وكاتبه المعروف الأديب عبد التواب يوسف، في رسالة مفادها العناية بالمواهب الشابة، وضرورة الالتفات إليها كامتداد ودعم مهم للثقافة المصرية في المستقبل القريب والبعيد، لكن رغم كل هذا الحرص على ثقافة النشء والعمل على حماية الأجيال من صنوف الإبداع المستوردة والضارة، والأفكار الغريبة على المجتمع المصري، لم تتطرق أي من البرامج الثقافية في جدول الندوات والأمسيات إلى أزمة الإبداع السينمائي ومضامينه المختلفة، لاسيما في ظل انقسامات الرأي العام حول أفلام بعينها يرى البعض أنها تتعارض مع قيم المجتمع ومبادئه الأخلاقية والدينية.
هذه النقاط الأساسية الخاصة بجوهر الثقافة وشعار الهوية الذي ترفعه المؤسسة الثقافية المصرية بكل قطاعاتها، لم يرد ذكر أي منها على الإطلاق، كأنها خارج سياق المعرفة، وبعيدة عن جُملة التحديات المُبهمة التي يتم التلويح بها بغير إفصاح عن طبيعتها والمقصود بها، علماً بأن الهُوية الثقافية ومُستقبلها وتحدياتها هي في واقع الحال عنوان عريض لكل القضايا الإبداعية والتنويرية والاجتماعية، التي تنضوي تحتها السينما بتنويعاتها وصورها وجنسياتها.
المشكلة أن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، تتم في كل دورة من الدورات بالشكل التقليدي البحت، مُركزة فقط على عدد الناشرين المصريين والعرب والأجانب، وعدد دور النشر والأجنحة ونوعيات الكُتب المطروحة للبيع ومُعدلات توزيعها.
المشكلة أن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، تتم في كل دورة من الدورات بالشكل التقليدي البحت، مُركزة فقط على عدد الناشرين المصريين والعرب والأجانب، وعدد دور النشر والأجنحة ونوعيات الكُتب المطروحة للبيع ومُعدلات توزيعها إلخ.. وهي بالقطع جوانب مهمة وضرورية، لكنها ليست الأهم ولا الأكثر ضرورة، وإنما الأهم منها هو قياس درجة التفاعل التطبيقي للجمهور مع الفعل الثقافي الواقعي، وفق ما كان يحدث في فترات الزخم من السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، إبان طرح القضايا المصيرية على جمهور المُثقفين، وبيان مدى التجاوب معها، وموقف الغالبية منها، كقضية التطبيع مع إسرائيل على سبيل المثال، والقضية الفلسطينية وتطوراتها عبر المراحل السياسية، وقضية العولمة وأخطارها وملامحها، وقضية الأمية والحلول المُقترحة لمواجهتها، وقضية الشرق الأوسط الجديد وحدود الترسيم السياسي لعملية التقسيم، إضافة إلى بعض القضايا التفصيلية المُتصلة بحقوق الملكية الفكرية، والذوق العام وتنمية الوعي الثقافي والفني على مستوى الشعر والمسرح والأدب والأغنية والفلكلور الشعبي.. إلى آخر المُنتجات الثقافية ذات الصلة.
كل هذه المحتويات والشروط لم تعد لها مساحة تُذكر في قاموس الفعاليات الثقافية بنماذجها الجديدة داخل المعرض الدولي، فقد باتت عمليات الإحصاء للمُشاركات مقصورة على بيان الحالة الرئيسية في دفتر أحوال الثقافة المصرية، خلال مُدة إقامة المعرض ما بين تاريخ الافتتاح وتوقيت الختام، ويكفي أن يُذكر في هذا الخصوص أن عدد دور النشر المُشاركة في الدورة الثالثة والخمسين 1067 من مصر وبقية الدور العربية والأجنبية وعدد الناشرين يتجاوز 300 ناشر، وأن عدد الناشرين لكتب التراث يبلغ 97 ناشراً، بخلاف المُتخصصين في نشر وتسويق الكتب العلمية الأكاديمية، والنشر السماعي، والمؤسسات الصحافية، والتوكيلات العربية والأجنبية وذوي القدرات الخاصة، وغيرها ممن تتسع لهم قائمة التفنيد والإحصاء، حيث العبرة في المقام الأول بالأرقام تبعاً لمنهجية الإشراف والتنفيذ في المؤسسة الثقافية الرسمية، التي لا تعترف إلا بما تُثبته مُعدلات بيع التذاكر في منافذ البيع الخمسة، ومنصة الترويج الإلكترونية الحديثة، أما خلاف ذلك من دلائل التأثير الفعلي والاستفادة العامة، فهو محض لغو وتزيُد من وجهة نظر المُنظمين والمُنسقين وكبار القيادات وصغارهم!
كاتب مصري