أثارت حلقة من برنامج “قصارى القول” على قناة “روسيا اليوم”، استضافت فراس طلاس، نجل وزير الدفاع الأسدي الأسبق، اعتراضات من قبل النظام السوري ومناصريه توّجت بحذف الحلقة كلياً من موقع القناة الروسية.
الحلقة تمحورت حول الفيديوهات الأخيرة لرامي مخلوف، وتحدث فيها طلاس مقدماً تفاصيل حول فساد محمد مخلوف والنظام، وأدلى بتفسيره الخاص للخلاف العائلي الأخير، كما ظهر على لسان مخلوف الابن.
القناة وضعت مكان الحلقة المختفية عبارة تقول: “قررت حذف المادة المتضمنة للمقابلة لمخالفتها المعايير الرئيسية للمحطة ولورود معلومات لا تستند إلى حقائق مؤكدة”.
أما طلاس فقد قال في مقابلة على قناة “الحرة” الأمريكية، بعد أيام من مقابلته المحذوفة: “أكيد صار تدخلات، ولقد عُرف ما التدخلات”، وأوضح “غالباً موضوع النفط. الفساد في مجال النفط. شرحت الطريقة، وهذا أزعجهم كثيراً”.
لكن، بالإضافة إلى التشريح التفصيلي، الذي ساقه طلاس، العارف في شؤون النظام كأحد أبنائه السابقين، ربما قد يكون ما أزعج النظام أن كل ذلك ورد في قناة حليفة، مما يوحي بتبن روسي رسمي لها، خصوصاً أن الحلقة جاءت تحت عنوان “خريف البطريرك”، وقد كان هذا وحده كافياً لتطيير صوابهم، إذ بدا وكأنها النهاية فعلاً، بالتساوق مع ما بدا أنه أخطر انشقاق يمكن أن يحدث في قلب النظام. ما قاله طلاس، ليس أخطر ما يقال عن النظام، وكلنا نقرأ ونشاهد ما يحكى في غير وسيلة إعلامية، المشكلة هي ورودها في “روسيا اليوم”، القناة الموجهة، التي لا يمكن أن تخرج عن السياسة الرسمية.
“روسيا اليوم” تصرفت إزاء حلقة فراس طلاس، تماماً كما يحدث في أي إعلام لواحدة من دول العالم الثالث. وليتها فعلت ذلك بسبب كلام عنصري، أو خطاب يحرض على الكراهية، كان الحديث مجرد رأي، مدعوم بخبرة من عاش لعقود في بطن الوحش.
“حارس القدس”
يبدو أن مسلسل “حارس القدس” استفزّ “المعارض” السوري المعروف هيثم مناع ليكتب فيكشف واقعة سياسية تتعلق باتصال بطل المسلسل المطران الراحل هيلاريون كبوتشي بمناع قبل ست سنوات ومقابلته من أجل ترتيب حوار بين المعارضة السورية والنظام.
يروي مناع بعض وقائع الاتصال والمقابلة، ومن ثم “وساطة” المطران التي أفشلها النظام، ليفنّد، على ما يبدو، ما ورد في المسلسل على لسان المطران حين نسب إليه القول “إن ما جرى ليس ربيعاً عربياً بل خريف عربي”. يوضح مناع: “لم يكن حارس القدس يوما في صف القامع ضد المقموع، وفي أكثر من لقاء مع الجنرال حافظ الأسد حمل قوائم بأسماء المعتقلين الفلسطينيين والسوريين في السجون السورية وطلب منه الإفراج عنهم. وفي جلستنا الجميلة، سمعت منه ما نقوله عن المظاهرات السلمية المحقة، وكيف أن العسكرة قد أضاعت حقوق الناس، ولو بقيت سلمية لتغيرت الأمور. كان مثلنا ضد الطائفية والعنف والتدخل الخارجي، ولكنه على قناعة تامة، بأن الخروج من العنف المدمر لن يكون دون إصلاح أوضاع الناس وضمان حقوقهم وكرامتهم”.
هيثم مناع
وفي الواقع لم يصب مناع في دفاعه ذاك عن المطران، ولو توقف عند الحديث عنه باعتباره “رمزاً للمقاومة”، لبدا الأمر مفهوماً، أما المزاودة على أصحاب المسلسل ومحاولة دحض مقولته عن “الخريف العربي” ففي الوقائع على الأرض، وبعضها مسجل على يوتيوب بإمكان الجميع استعادته، ما يؤكد موقف الرجل، الذي يتجاوز تلك العبارة الفادحة إلى الوقوف العلني إلى جانب النظام إلى حد الجلوس مع وفد النظام المفاوض في جنيف.
دفاع مناع، المتداول هنا وهناك في وسائل التواصل الاجتماعي، يكشف أيضاً، من بين ما يكشف، موقفه الهش، وتخاذله في الوقوف إلى جانب ثورة شعبه بل والتشكيك فيها منذ أيامها الأولى، ومن السهل ملاحظة الرخاوة البالغة عند حديثه عن النظام.
بلاد العسكر
يلوم المرء نفسه إلى حد ما حين يجد أنه مستفز من مشهد عدد من مشاهير الفنانين المصريين يؤدون التحية العسكرية “حداداً على ضحايا انفجار عبوة ناسفة، في إحدى مركبات الجيش المصري”. وقد يقول لنفسه ما الجيش إلا كناية عن الوطن كله، ولا بدّ من تحيته بلغته! لكن عند استعراض الصور والفيديوهات المدرجة تحت وسم “حيوهم فين ما كنتم” سيدرك لمَ هذه الحساسية لكل ما يحمل اسماً، أو وسماً عسكرياً.
يكفي أن تشاهد فيديو الفنان شريف منير، عندما ظهر مرتدياً لباساً عسكرياً، ووراءه العلم، حتى تشعر بالاشمئزاز من الحملة برمتها. يقول منير “الشعب المصري كله جيش، وجاهز يلبي الندا في أي وقت. والعلم اللي ورايا علم بلدي وكفني.. وفي كل مؤسساتنا، مخابرات عامة، حربية، شرطة، كلّه.. احنا كلنا واحد”. هنا بالذات سنعرف سرّ رفضنا ونفورنا التلقائي لعسكرة كل شيء في بلاد العسكر. حيث الممرضات “جيش مصر الأبيض”، والفنانون “مخابرات وشرطة”.
لقد علمّنا العسكر في هذه البلاد دروساً لا تنسى، لا يمكن أن يأمن الناس للعسكر، ولكل ما يأتي به العسكر، بل إن حياتنا لن تستقيم إلا بالخلاص من كل ما هو عسكر.
كاتب فلسطيني سوري