رام الله/ “القدس العربي”:
يوثق فيلم “طلبة مع وقف التنفيذ” من إنتاج مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان تجارب سبعة طلبة جامعيين يدرسون في جامعة بيرزيت شمال مدينة رام الله، حيث تعرضوا للاعتقال من ضباط الشاباك الإسرائيلي، وهي سياسة احتلالية تتكثف في الجامعات الفلسطينية على خلفية أنشطة طلابية داخل أسوار الجامعات.
ويكشف الفيلم، الذي عرض مؤخرا في جامعة بيرزيت وحاز نقاشا وتفاعلا من الطلبة، الكيفية التي يتعاطى فيها ضباط الشاباك الإسرائيلي مع نشاط الطلبة الجامعيين، وكيف يحاولون تدمير حياتهم الجامعية وإرهابهم من ممارسة أبسط حقوقهم الطلابية النقابية في إطار العمل النقابي المسموح به.
ويبدو بعد فعل المشاهدة أن ما هو مسلم به في كل جامعات العالم حتى في أكثر الدولة ديكتاتورية وبوليسية هو في الحقيقة أمر غير مسموح به في الجامعات الفلسطينية بفعل سياسات الاحتلال القمعية والهادفة إلى تكميم الأفواه وتحجيم الفعل السياسي الطلابي.
ويبدو أن هناك سياسة استهداف مكثفة لجامعة بيرزيت تحديدا بحكم أنها ذات نشاط طلابي مميز، حيث يقول الفيلم إن أكثر من 70 طالبا من طلبة الجامعة ما زالوا معتقلين حتى اللحظة، وهو ما يحرمهم من حقهم في تلقي التعليم المناسب ويعيق من تحقيق أحلامهم.
وتسمع على ألسنة الطلبة الذين عرضوا تجاربهم الجمل التي يكررها ضباط الشاباك على أسماعهم في لحظات صعبة داخل الاعتقال مثل: “أنا حزنان عليك”، “ستبقى في السجن عشر سنوات”، “حياتك الدراسية بيدي”، “ما حدا بعرف كم رح تقعد بالسجن”. “خربت على حالك”. “لازم تمشي بالطريق اللي بمشوه كل الطلاب”.
وعلى لسان الطلبة الذين ذاقوا مرارة مغادرة ساحات الجامعة الفسيحة وحراك الجامعة الجميل إلى غرف التحقيق وجدران السجن الأربعة المظلمة التهم المضحكة والمبكية أيضا وهي تدلل على طبيعة التعاطي الأمني الاحتلالي مع قطاع الطلبة الجامعيين في محاولة لإرهاب هؤلاء الطلبة وسحق شخصياتهم.
فجانب من التهم كان “المشاركة في مسار في الطبيعة”، و”بيع كتب للطلبة بأسعار منخفضة”، و”الوقوف في أنشطة طلابية”، وحتى تهمة “بيع فلافل بأسعار رخيصة”… الخ.
بيع فلافل
الأسيرة المحررة الطالبة ربى دار عاصي، تخصص علم اجتماع، تحدثت عن تجربة اعتقالها التي امتدت على مدى عامين كاملين فأشارت إلى أن “كابتن بيرزيت” (الضابط المسؤول عن ملف طلبة الجامعة) أخبرها في لحظات اعتقالها الأولى أنه الآن أصبح هو من يتحكم بحياتها الدراسية.
وتشير إلى أن الاعتقال جاء في بداية فترة التسجيل للفصل الصيفي من أجل أن تفقد الفرصة في التسجيل بحيث يتضرر تخرجها.
وتضيف: “لقد قال لي الضابط لحظة اعتقالي: “راح عليك الصيفي، أنا جاي مخصوص لهذا السبب” وهو ما يشير إلى الآلية التي يفكر فيها ضباط المخابرات في تعاطيهم مع الطلبة من اجل الانتقام منهم وتعزيز فعل الإيذاء التعليمي لهم والتأثير على تخرجهم.
وعن التهم التي وجهت لعاصي فكانت عبارة عن المساعدة بمسار طلابي، والوقوف بمعرض للكتاب في الجامعة، وبيع فلافل بسعر أقل من السوق ضمن مبادرة “كافتيريا بديلة”، وكلها أنشطة ضمن إطار الجامعة وتحت مسمى مجلس الطلبة بحسب ما تقول.
وتؤكد: “أشعرني الضابط الإسرائيلي أنني ذاهبة لمكان ولن أعود منه، حيث التأكيد الدائم على جمل “أنا حزنان عليك”، و”حياتك الجامعية انتهت”.
ورغم صعوبات السجن إلا أن عاصي قررت ألا تنهي حياتها الدراسية في السجن، حيث قررت المساعدة هي وطالبات أخريات في نقل تجربة الجامعة للأسيرات ذوات الأحكام العالية اللواتي قررن التعلم في السجن.
وعن أثر الاعتقال عليها تشير: “كان يفترض أن أكون قد تخرجت، لكن الاعتقال غير كل الخطط، كان يفترض بي أن أسافر أو أدرس الماجستير”.
وتقول عاصي في عرض تجربتها: “لحظة الاعتقال تؤثر على كل حياتك الدراسية”.
أما الطالبة ليان ناصر التي تدرس تخصص “تغذية وحمية” فتقول إن اعتقالها جاء في الفصل الصيفي حيث كان امامها فصل دراسي واحد للتخرج لكن الاعتقال أعاق كل ذلك.
وقضت ناصر شهرين بالاعتقال لكن حملة تضامن دولية أفضت إلى أن يصبح التضامن معها دوليا وهو ما قاد إلى أن يكون حكمها مخففا إلى جانب ان يطلق سراحها وأن يجري محاكمتها وهي خارج السجن.
العام الأخير
أما الطالبة الأسيرة شذا حسن التي تدرس تخصص “علم النفس” فاعتقلت على خلفية أنشطة طلابية داخل الجامعة.
وتقول في تجربتها إنها عاشت أصعب اللحظات في حياتها وهي في سجن “معبار هاشرون” المخصص للأسيرات قبل أن ينقلن إلى سجن “الدامون” المخصص للأسيرات حيث حبست إداريا من دون أي لائحة اتهام.
وتضيف أن ضابط الشاباك المسؤول عن ملف جامعة بيرزيت أخبرها أن اعتقالها جاء على خلفية نشاطات داخل الجامعة ودورها في مجلس الطلبة.
وجاء اعتقال حسن في عامها الدراسي الأخير حيث كانت تجهز مشروع تخرجها وتبدأ مرحلة التدرب للذهاب لسوق العمل. وتقول: “لم أتوقع الاعتقال لكوني لم أمارس أي أنشطة تضر الأمن بالنسبة لهم. كنت انتظر لحظة التخرج”.
وتشير إلى أن ضابط الشاباك كان دوما ما يمارس حربا نفسيا عليها حيث كان يخبرها: “ما حدا بعرف كم رح تقعدي بالسجن. خربت بيتك على حالك. لو مشيت في الطريق اللي بمشوه كل الطلاب كان يمكن أن تدرسي الطب وتتخرجي”.
وتؤكد أنها سجنت خمسة شهور وفي النهاية خرجت من السجن وها هي تكمل مشوار دراستها وتتجاوز ما هدد به ضابط الشاباك.
كل امتحان اعتقال
أما الطالب الأسير محمد العيساوي الذي يدرس تخصص الرياضة فيقول إن تجربته مع الاعتقال بدأت عندما كان عمره 11 عاما، ثم تكرر الأمر في الفترة التي كان عليه أن يؤدي امتحانات الثانوية العامة حيث حبس 15 شهرا من دون أن يتمكن من اجتياز المرحلة التعليمية المهمة.
ويضيف عيساوي: “كل فترة امتحان كنت اعتقل. أكملت الثانوية ودخلت الجامعة لكن الاعتقالات استمرت حيث اعتقلت 7 مرات وأنا طالب في سنتي الأولى”.
ويتوقع أن يتخرج عيساوي في حال استمرت سياسة اعتقاله المتكررة في عمر 30.
ويؤكد أنه قبل أسابيع اتصل عليه ضابط الشاباك وطلب منه ترك الجامعة.
أما سلام أبو شرار التي تدرس في كلية الدراسات العليا في الجامعة فتعرض تجربة اعتقالها عام 2016 عندما كانت طالبة في جامعة القدس أبوديس، حيث سجنت 10 أشهر.
وتشدد أنها لم تكن تتوقع ان تتعرض للاعتقال لكونها لم تفعل أي شيء يستحق ذلك.
وتضيف أن ضابط الشاباك حاول أن يزرع في رأسها أن مستقبلها الذي خططت له قد تحطم باعتقالها، وأنها من فعلت ذلك بنفسها. وهددها أنها ستظل معتقلة لـ 10 سنين ولن يتاح لها أن تكمل دراستها.
ردد دوما: “ستستمرين بالاعتقالات الإدارية المتتالية”.
وأكدت أن الرجوع للجامعة كان تحديا بالنسبة لها، فقد نسيت جو الجامعة حتى الأشياء البديهية، وتقول مبتسمة إنها مثلا نسيت معنى “الحبة الفوارة” بالإنجليزي، كما أن امتحانها الأول بعد الاعتقال حصلت على علامة (3 من 30) رغم تفوقها قبل الاعتقال.
وتشدد ان تجربة الاعتقال انعكست على مشروع تخرجها حيث جعلته مرتبطا بتجربة العزل الانفرادي ومدى تأثيرها على حياة الأسرى بعد انتهاء هذه التجربة حيث يخلق الاسرى بديلا من أجل التماسك والصبر رغم ظروف الاعتقال.
أما تجربة الطالب خالد بعيرات، عضو مؤتمر عام في مجلس الطلبة فقد امتدت على مدى عامين ونصف العام. ويشير إلى أن التهم التي وجهت إليه بسيطة مثل توزيع كتب على الطلبة.
أما الأسير المحرر والطالب في تخصص الإدارة العامة أحمد تركمان فاعتقل في نشاط طلابي برفقة 30 طالبا آخرين.
ويقول إن أول شخص التقى به كان “كابتن جامعة بيرزيت المسمى خليل” الذي أخضعه لتحقيق ميداني.
وأضاف: “أكد لي أنني أعمل ضد مصلحتي، وهددني بالحكم عامين وأن ذلك سيؤثر على مستقبلي التعليمي والوظيفي لاحقا”.
وعن التهم التي وجهت إليه يقول: “كل لائحة الاتهام كانت على أنشطة داخل أسوار جامعة بيرزيت مثل توزيع قرطاسية وشوكولاته ومساعدة طلاب”.
وختم: “لقد حكمت 10 أشهر، وهذا يعني أنني تأخرت سنة دراسية كاملة”.
وإلى جانب الطلبة تناول الفيلم تجارب اعتقال لأكاديميين حيث تصادف أن التقوا مع طلبتهم داخل السجون من نفس الجامعة أو طلبة من جامعات أخرى، ومن هؤلاء أستاذة الإعلام وداد البرغوثي، ومجدي أبو زهرة في دائرة اللغات والترجمة في كلية الآداب.
وبحسب مؤسسة الضمير فإن عدد المعتقلين من قوات الاحتلال في عام 2019 بلغ 59 طالبا، وعام 2020 بلغ 46 طالبا وطالبة، وفي عام 2021 بلغ 55 طالبا وطالبة، وفي عام 2022 بلغ 54 طالبا وطالبة.
وخلال عرض مؤسسة الضمير بالتعاون مع حملة الحق في التعليم بجامعة بيرزيت الفيلم، عرضت الحملة لطبيعة دورها في مساندة الطلاب المعتقلين في سجون الاحتلال من حيث المتابعة القانونية عند الاعتقال إضافةً إلى المساعدة الأكاديمية للطلاب عند الاعتقال وبعده، إضافةً إلى دورها في الضغط والمناصرة على المستوى المحلي والدولي.
وأشارت مؤسسة الضمير إلى تمثيلها ما يقارب 40 ملفا من طلبة جامعة بيرزيت منهم ٧ طالبات في آخر عامين كان قد قدم بحقهم لوائح اتهام تتعلق بعملهم الطلابي داخل الجامعة.