طلب الإغاثة من الله… ثم البشر شح السماء… ونقص الغذاء

تنقل لنا مواقع التواصل الاجتماعي كل يوم حوادث قتل أكثرها عمدي…هذا القتل العشوائي وإباحة دم الإنسان مخز للإنسانية وموجع للأسر التي تحدث فيها مثل هذه الجرائم… حوادث يومية لا يصدقها العقل تحدث صدمة لرواد مواقع التواصل الاجتماعي وتنصب موائد عزاء افتراضية يعيشها مرتادو هذه المنصات… آخرها، بعد قتل النساء كل يوم، مقتل سائق حافلة نقل عام على يد جاره بسلاح كلاشنيكوف في منطقة «مرزوقة» التابعة لولاية بومرداس بسبب موقف السيارات.
وفي أقل من يوم واحد قُتِل أب على يد أحد ابنائه عندما كان يريد فك شجار بين ولديه فأصابه الرفش القاتل… هذا على سبيل المثال لا الحصر… مالذي جرى للخلق؟ فبقدر مصائب فقدان الأهل والأحباب لذلك لات ينمو الشجر ولا تنبت الحشائش فتنعكس الدماء التي تسفك على الأرض بقبة السماء وتصبح دماؤها قانية هي حكمة الكبار، والحكمة تشخص الداء وتوصف الدواء… بقدر مصائب الطبيعة والبيئة التي تشحب بدورها يوما بعد يوم، وتجعل تراكم السحاب الماطر عسيرا، ويترك المجال واسعا للشمس الحارقة ولـ «قلق مائي» يفوق كل تصور.
عندما ينادى على صلاة الاستسقاء يتسع المجال للكثيرين بالاستهزاء والسخرية من أن دعاتها لا يعلنونها حتى يتأكدوا من النشريات الجوية ونتائج «الأحوال الجوية المرتقبة»، وبأن هناك أمطارا قادمة وثلوجا ستكسو المرتفعات، وعودة البرد الشديد، ولا أحد يتهكم من التنبؤات «العلمية» التي يفترض أن يكون هامش الخطأ فيها قليل… ولكن في كلتا الحالتين لا مطر ينزل ولا ثلوج ولا برد… يشتعل الجدل بين الفكر والدين، وبين المتدينين وغيرهم، بين من يدعي التنوير ومن يدعي التدين، ولكل حججه، فخرجت «الكرونيكوز التونسية» غفران بينوس» من برنامج «باللمارة» (نقلا من صفحة هاشتاغ ميديا) للتعليق على دعوة وزارة الشؤون الدينية للقيام بصلاة الاستسقاء «انا قلت موش مشكل، ولكن أنها تولي سياسة دولة يعني في كل مرة تخرجلنا وزارة الشؤون الدينية وتحكيلنا على صلاة الاستسقاء… أوك حاجة باهية أما ليست هي سبب نزول المطر… أكيد مافماش رابط علمي بين الصلاة ونزول المطر وهي أمور نفسية أكثر منها حاجة أخرى»… وأعطت اكتشافا بأن التوانسة «استوردوا صلاة الاستسقاء من السعودية من بيت مكة وين فما ماء زمزم… والسعودية اليوم ولاو يعملو في استراتيجية خاصة باش يحليو ماء البحر وقاعدين يصدروا فيه مع الجيران متاعهم»…
هكذا زادتنا «بينوس»، سمراء الشاشة الجميلة، اكتشافا على اكتشاف… وعلى صفحة «بوقرنين تيفي»( Bougarnine TV ) نقرأ ردا على «بينوس» «سمراء جميلة ابتلانا بها الله …الكرونيكوز التونسية قدمت فأبدعت حتى أصبحت عنوانا للرداءة… وهذا بالفعل ما أصبح عليه الإعلام التونسي… فإذا أردت أن ترى عجائب الأقوال ماعليك إلا كتابة «غفران بينوس» وسترى العجب العجاب».
كما تداول رواد مواقع التواصل أيضا، في الجزائر، صورة بدت حسبهم متناقضة تماما، صورة أطفال يصطفون في إحدى المدن الجزائرية طلبا للاستسقاء بينما طوابير مئات السيارات على الحدود الجزائرية التونسية تنتظر دورها للعبور الى تونس للاحتفال برأس السنة وشرب الخمور…»في يوم واحد صورتان… الأولى سيارات ذاهبة إلى تونس للاحتفال بالريفيون… والصورة الثانية إقبال حشد كبير من الأطفال الصغار على صلاة الاستسقاء التي أهملها الكبار…ربما سنغاث بأوجه هؤلاء الصغار…اللهم ارزقنا المطر والغيث»، نشرت على العديد من الصفحات على الفيسبوك… وظاهرة صلاة الأطفال للاستسقاء شهدتها مدارس في طرابلس الليبية أيضا، كما تم تناقلها على فيسبوك، لكنها لم تربط «بالريفيون» في تونس… هناك من استهجن الأمر، وهناك من قال بأنها خرافة…
عن موجة الاستخفاف هذه بصلاة الاستسقاء كتب أستاذ الفلسفة محمد نورالدين جباب على صفحته في فيسبوك مايلي: «صديقي التنويري لا تطالب المسلم ألا يكون غير ذلك… صديقي التنويري حتى لو أعلنت هيئة الإرصاد الجوية وجميع علماء الفلك أن المطر لن يسقط كل فصل الخريف والشتاء وجزء من فصل الربيع فليس من حقك أن تطالب المسلم ألا يصلي صلاة الاستسقاء، وهذا لا يدخل تحت باب «حق الاختلاف» إنما هو أعمق من ذلك بكثير، إنه يدخل تحت باب «الحقيقة»… صديقي التنويري أنت ترى أن ما أعلنته هيئة الإرصاد الجوية يعد حقيقة علمية، كذلك الآخر المسلم يعد صلاة الاستسقاء حقيقة وهي إحدى تجليات الإيمان بالله كما يعتقد… وهذه تحيلنا إلى مسالة أعمق وهي مسألة «الإيمان» في الإسلام الذي يقوم على «التسليم»…فلكي يكون مسلما يجب أن «يسلّم» بوجود الله هكذا دون «فذلكات لغوية أوهرطقات فلسفية»… ومن يدخل في هذه الدائرة، دائرة التسليم والإيمان، يجب أن يسلّم بقدرة الله على كل شيء… يسقط المطر في أي لحظة… يحيي العظام وهي رميم… ويقول للشيء كن فيكون… أما كيف يكون المسلم أو كيف نجعل المسلم مسلما وعقلانيا فهذا طريق لم نسلكه بعد».
وتبقى ظاهرة الجفاف وشح المياه كارثة تهددنا وتهدد البشرية، وتبقى كل الطرق والوسائل مفيدة لجلب الأمطار بالصلاة أو بالحكمة والطيبة، أي بالأخلاق…أو بطقوس جلب المطر التي تعرفها المغارب والمشارق…خلونا نشرب ماء في الصيف وهو أضعف المطالب وأعظمها.

العلاقات الجزائرية التونسية… و«كيل الزيت»

عبارة راحت في «كيل الزيت» ارجو أن لا تتحقق في علاقة الجزائر بتونس، أي أن تنحو نحو الخيبات والفشل…لاقدر الله… ففي الوقت الذي «نتشدق» بعلاقات الجوار والثقافة المشتركة بين البلدان المغاربية، ومقولة «أرفدني ونرفدك» في وقت الأزمات والشدائد تعيدنا «فرجة» فيديوهات المواد الغذائية «المهربة» على الحدود إلى نقطة الصفر.
هذا ما نقلته مواقع التواصل الاجتماعي على المعبر الحدودي «أم الطبول» وماحدث لمواطن تونسي قام «بتهريب» مواد غذائية … حكاية «بيدون الزيت» المدعم في الجزائر… المقابل لـ «زيت الحاكم» في تونس… يبدو أن المواطن التونسي، الذي كان يحمل تلك المواد «المهربة» القليلة، حوكم من طرف العدالة الجزائرية بالسجن… وهذا ما جعل عمر سعيد (أستاذ لغة وآداب عربية، قاص وروائي وناقد…) يكتب على صفحته الرسمية على فيسبوك رسالة موجهة إلى «فخامة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون» … ومما جاء فيها: «حزّ في نفسي وحزنت كثيرا وأنا أشاهد زوجة أحد التونسيين الموقوفين في القطر الجزائري الشقيق والمحكوم عليه بعشر سنوات سجنا تبكي وتتساءل كيف ستقاوم وتعيل أسرة في غياب عائلها الوحيد، والتهمة تهريب بعض المواد الغذائية المدعومة كالزيت والسكر خصوصا… فرأيت أن هذا الحكم قاس، وأن المواد المهربة لن تكون ثروة لهؤلاء ولن تكفي مؤونة لأربعة اشهر، إذ لم يحاصر الدرك الجزائري شاحنات عملاقة محملة بأطنان من هذه المواد، ولن يتسبب تهريب هذه المواد القليلة في إفلاس الاقتصاد الجزائري». لهذا طلب الأستاذ عمر سعيد من الرئيس تبون «تخفيف الحكم…أو العفو عن هؤلاء … و»العفو من شيم الكرام»، كما ذكر عمر سعيد، والذكرى تنفع المؤمنين، كيف تم تعطيل حكم «قطع يد السارق» زمن أحد الخلفاء الراشدين في سنوات القحط، ذلك أن السارق إذا وجد في متجر أو في بستان وهو بصدد أكل بعض الثمار أوالمواد الغذائية لا يعاقبـ ولايعتبر سارقا إلا من ضُبِط حاملا تلك المواد الغذائية بعيدا عن مركز إنتاجها أوبيعها»… ويضيف صاحب المنشور موجها رسالته دائما للرئيس الجزائري «سيدي الكريم، اعتبروا هؤلاء التونسيين جياعا في سنة حدب كان تأثيرها ندرة تلك المواد الغذائية وافتقادها… ويكون لكم أجر العفو وإطلاق سراح آباء ليعولوا عائلاتهم ويوفروا الدفء والحنان لأبنائهم».
ولأن التاريخ مشترك والذاكرة بدورها مشتركة بين دول الحدود والجوار، ولأن الذكرى دائما تنفع المؤمن، يذكرنا صاحب المنشور ويذكر الرئيس تبون «ولتتذكروا سيدي الرئيس العشرية الدموية التي مر بها بلدكم في تسعينيات القرن الماضي واضطراب الأوضاع الأمنية والاقتصادية هناك، ودخول عديد العائلات الجزائرية للعمل والاستقرار في تونس». وواصل «كيف كانت تُهرّب المواد من المدن عبر الحدود التونسية نحو الجزائر…»… ووصل الأمر إلى الرئيس بن علي الذي وقف وقفة يشهد لها التاريخ» فلم يأخذ، رحمه الله، قرارات تشديد الحراسة أو التضييق على التجار وحتى المهربين لتلك المواد إلى بلادكم… وقال أزمة وتزول».
التدوينة فيها كثير من الشجن للأحوال التي وصلنا إليها والتي لا أحد في بمنآى عنها بسبب الأزمات العالمية الحادة اقتصاديا وسياسيا ومناخيا… وآخر ما جاء في المنشور «نحن في أزمة، سيدي الرئيس، فغضوا الطرف عن هذه الحادثة».
وبما أن الأزمة أزمة اقتصادية، ومناخية تزيدها الأوضاع السياسية سوءا، ولم تمر زيارة الرئيس التونسي «المفاجئة» لمتجر مواد غذائية في حي «الانطلاقة» مرور الكرام على رواد مواقع التواصل الاجتماعي بلهجة نقد لاذعة ساخرة موجعة… هناك من وصف الزيارة بـ «قصة من وحي الخيال الشعبي» في حوار بين التاجر والرئيس نقرأ على صفحة «الحقائق الاقتصادية في تونس»: «عندك زيت ولدي…أي طبعا سيدي الرئيس قاجو جديد جابوهلي خصيصا لسيادتك من وزارة التجارة من الصباح وأنا أنظف في الدبابز من أجل زيارتكم الفجئية الليلة… يعني الزيت موجود ومتوفر موش كيما يحكوا الخونة المعارضين..؟ طبعا سيدي الرئيس هو زيت الحاكم اسمو متوفر كان عند الحاكم»…
وعن قصة لماذا سمي الزيت بزيت الحاكم في تونس نقرأ على صفحة إبراهيم وسلاتي «جاء في شهادة السيد إدريس قيقة الوزير السابق في عهد بورقيبة أن تونس قررت في بداية ستينيات القرن الماضي الشروع في تسويق زيت الزيتون إلى الخارج لأنه باهظ الثمنن واستيراد زيت الصوجا لأنه أقل ثمنا… ولكن العديد من التوانسة احتجوا ضد هذا القرار بدعوى أن هذا النوع من الزيت يتسبب في السرطان فخرجوا إلى الشارع في منطقة باب سويقة وكسروا القوارير وسكبوا الزيت في الطريق العام وهم يرددون لا لزيت الحاكم… ومنذ ذلك الحين أصبح الزيت النباتي يسمى «زيت الحاكم»… ياليتنا بقينا نستهلك زيت الزيتون فقط… ياليتنا نتفطن للأمر ونحافظ على ما تبقى من منتوجاتنا الزراعية العضوية أو ما تبقى من «عضويتها»… فما نأخذه من أموال الصادرات نصرفه أدوية ومعدات وعلاجات كيميائية… فهل من سياسة حكيمة ترحم الشعوب؟

 كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية