الناصرة ـ «القدس العربي»: تتواصل الاستعدادات لتنظيم احتفالية تكريمية للراحل الشاعر والأديب البارز ابن قرية صفورية الفلسطينية المهجرّة طه محمد علي (أبو نزار)، في مدينة الناصرة داخل أراضي 48. تتخلل الأمسية مسرحية عن الراحل يقدمها الفنان علاء حليحل، وفيها ستوزع المجموعة الكاملة لأعماله الناجزة إضافة لأعمال وجدت بعد وفاته، وأسطوانة مسجلة بصوته لقسم من أعماله، إضافة لدراسة عنه بقلم رياض كامل.
وفاء لذكرى طه الذي رحل في 2011 ولسيرته الأدبية الغنية والمتميزة يستذكر صديق الراحل ابن مدينته الأديب سعود الأسدي، يستذكر في هذه المناسبة على مسامع «القدس العربي» صداقة حميمة ربطته بالراحل الشاعر الكبير والأديب طه محمد علي عمرها 50 عاما أي منذ حل الأسدي على الناصرة ليعلّم في ثانويتها اللغة العربية سنة 1960 وتعرف عليه في محله لبيع التذكاريات. وقتها تردد الأسدي على دكان الراحل وأدرك خلال الأحاديث كم هو إنسان مثقف ومطلع وملم بالأدب.
وتوثقت هذه الصداقة وتبادلا الزيارات البيتية وتعرف الأسدي على والد المرحوم وهو الشيخ محمد علي عبد المعطي، وهو متحدث لبق ومن الطراز الأول ويعرف بالأصول ومنبعها «صفورية» بلدة طه. ويتابع الأديب سعود الأسدي شاعر العامية الأول :» كان طه لا يكلّ ولا يملّ من مطالعة الكتب وقراءة الصحف العربية وما يصله من الإنجليزية، وكان خلال الأسبوع يتردّ اليه كتاب وشعراء بارزون أذكر منهم المرحومين راشد حسين، سميح القاسم وجمال قعوار والشاعر الأديب أحمد حسين، كما قصده كل من يكتب ويتذوق الشعر».
في شهادته يوضح الأسدي أن طه كان عصاميًا في نشأته، ثقّف ذاته بذاته في مثابرة واجتهاد شخصي باطّلاعه على الأدب العربي، كما توسع في قراءة الأدب العالمي، قرأ للكتاب الفرنسيين موباسان فيكتور هوغو وفولتير وغيرهم من الأدباء العالميين». والأسدي صاحب المعرفة الواسعة والذي لا يتحمس للأمور الأدبية والفنية بسرعة يقول إن الراحل كان يدهشه بمعرفته الواسعة وتوسعه في أدب سارتر حيث قرأ رواياته.
وعندما جاء سارتر في زيارة إلى البلاد قبل سنوات انتدب المرحوم ليجتمع به لأنه مطلع على انتاجه الأدبي واجتمع به في دار البلدية بالناصرة وقد أعجب سارتر به. واستغرب معرفة طه الواسعة بنتاج الأديب الفرنسي وذكر تفاصيل دقيقة من أدب سارتر وفكره. كما لم يحرم طه ذاته من متعة الاطلاع على كافة العلوم، من رياضيات وهندسة، واستذكر أنه كان يخصّص من نهاره وقتا للنظر في الصرف والنحو». وعن تجربة طه الأدبية قال الأسدي: «تجربة طه الأدبية امتدت سنين طويلة، بدأ يكتب القصة وقد أحدث ضجة في حينها منذ قصته الأولى وقصص أخرى وتعليقات نقدية، ومن ثم انتقل لكتابة الشعر بأسلوب قصصي، كتب على سجيته وبلغة بسيطة وكان يحكم سبك القصيدة قصصيًا وترتبت على ذلك نتائج طيبة خاصة عندما يُترجم بحيث لا يفقد معناه.
وبرأي الأسدي اكتشف طه أن هذه الطريقة الشعرية القصصية أقرب الطرق للوصول للأجانب، فعرف كيف يوصل إنتاجه وإبداعه إليهم وبدورهم أكثروا من دعوته، لإلقاء أشعاره في البلاد والخارج، وكان له شأن كبير لديهم. وبذلك تكون تجربة طه محمد علي تجربة نادرة في أدبنا الفلسطيني والعربي عامة». يؤكد الأسدي مرجحا أن موباسان كان معلمه الأول والاطلاع على نتاجه أفاده كثيرا». ويوضح أن طه محمد علي تأثر بموبسان في موتيف المفاجأة وموتيف الطرائف الحاضرين دائما في نتاجاته.
وعن صداقته الشخصية بطه يقول الأسدي إنه عندما يتحدّث عن طه فهو يتحدث عن عصر ذهبي معه، وقد تعرف على أهله وذويه من قرية «صفورية» المهجّرة من قضاء الناصرة.
لافتًا أن طه جاء من بيئة خصبة وقد وعى فترة الانتداب وكان ملما بتاريخ «صفورية» ويحفظ الكثير من الحكايات والطرائف وكانت «صفورية» بالنسبة له كطروادة ويتابع الأسدي بلهجة طافحة بالحنين والحبّ لطه « كنا نستمع سويًا الى أساطين الغناء والموسيقى العربية وعظماء المسرح الغنائي: الشيخ سلامة حجازي ومنيرة المهدية والسيد السفطي والشيخ أبو العلا محمد وأمين حسني إلى سيد درويش وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وسواهم كثيرون وكذلك الموسيقى الكلاسيكة الغربية الألمانية والفرنسية والروسية والتشيكية والغجرية. ويستذكر بابتسامة ممتدة: كنت أسجل الاسطوانات ونسمعها معًا وكان سميعا من الطراز الأول حسه الموسيقي مرهف للغاية.
ويتابع «قرأنا معًا كثيرًا من أمهات الكتب العربية الأغاني وطبقات الشعراء والمثل السائر ومعجم الأدباء ومقدمة ابن خلدون ولزوميات أبي العلاء المعري». ولا يتردد الأسدي في نعت الراحل بـمدرسة ونموذج ومثال يحتذى به، وثقافته هي نتاج اجتهاده الشخصي وعبر اللقاءات الأدبية بدكانه كان يفيد ويستفيد. مؤكدا أن وفاته خسارة كبيرة لكن لنا عوض بما أبقاه من ذرية صالحة ونتاج أدبي، ولينفعنا الله بما تركه من تراث».
شقيق الراحل أمين محمد علي (أبو عرب) يروي المسيرة العصامية للراحل فيقول لـ «القدس العربي»، إنه اضطر لترك المدرسة بسبب الأوضاع الاقتصادية فحرص على تثقيف نفسه عبر المطالعة وتعلم اللغات والأدب العالمي.
وعن علاقة الشاعر بـ «صفورية» يوضح أبو عرب أن أخيه لم يكن قادرا على زيارة قريته المهجرة منوها إلى أن ألما كبيرا انتابه كلما تذكرها وعندما كان يقصده أحد ليرافقه لـ «صفورية» كان يمتنع عن ذلك ويوجههم لآخرين. ويشير أبو عرب أن إسرائيل احتلت وهدمت «صفورية» لكن حبها يجري في عروقه، مثلما أن مياه نبعها الغزير ما زالت تجري بين كروم الرمان والحمضيات في أراضيها. ويضيف والحنين لشقيقه يعذّبه « تحدث الراحل عن «صفورية» بأرقى وأصدق الكلمات وعرّف العالم عليها دون أن يتقوقع بها فكانت مدخلا للقضية العامة قضية شعبه ومأساته المستمرة».
وحول إذا ما كان الشاعر قد أخذ حقه في حياته بين شعبه يقول أبو عرب إن كل إنسان مبدع لا يمكن أن يأخذ حقه مهما كُرّم وأبو نزار بشخصيته المتواضعة كان يستكفي بما أخذ لأنه لم يلهث خلف النجومية والشهرة.
داعيا لمنحه حقه بإقامة مؤسسة تحمل اسمه وعبرها تنشر كتاباته وتعريف الناس أكثر به، تكون ملكا لشعبه وعبرها يحافظ على مكتبته الخاصة.
ويتفق أبو عرب مع الأسدي أن ميزة شقيقه في بساطة أسلوبه وانتقائه للكلمة الصادقة القريبة من الناس، سهلة الفهم، منوها إلى أن ادوار سعيد كان يرغب في إعداد دراسة عنه لكن الموت سبقه.
وديع عواودة