طوق القراءة في الألفة والألّاف

من مأثور حازم القرطاجنّي في «منهاج البلغاء وسراج الأدباء» أنّ استجابة القارئ تقتضي استعداده لقبول المحاكاة والتأثّر لها، وموافقة الشّعر حالا أو هوى عنده. وهي إشارة ذكيّة تصلح أن تكون مهادا لجماليّة التلقّي عند أسلافنا. على أنّ هؤلاء لم يصلوا بينها وبين ضمير المتكلّم في نظام النصّ، سواء أداره الشّاعر بصيغة «أنا» أو على مقتضى أسلوب «الالتفات» من انصراف المتكلّم عن الإخبار إلى المخاطبة، وعن المخاطبة إلى الإخبار. ونحن نعدّ استعمال «أنا» من مقوّمات قراءة الألفة، إذ يمكن أن يدلّ حدسا أو ظنّا على تجربة عند القارئ هي تجربة «التقبّل الذّاتي»، وإدراك الذّات وتعرّفها. وثمّة في النصّ القويّ الحيّ تقبّل ذاتيّ يرتبط بكلّ تجربة معيشة، يقحمنا فيها الإدراك بالكامل، لا مجرّد عضو من أعضائنا فحسب. ذلك أنّ هناك في الإدراك، فضلا عن الحواسّ الخمس المنوطة بالتلقّي الخارجيّ؛ وأعني صفة الحسّ الذي يتلقّى الأنباء من خارج الجسد لا من داخله، أو يمنحنا معرفة بالخارجيّ أكثر ممّا بدواخلنا وسرائرنا؛ حواسّ التّقبّل الذّاتي التي اكتشفها شرينغتون سنة 1890.
والمقصود بها صفة الحسّ الصّادر عن الجسد والذي يدلّ على الوضع والحركة والتّوازن. وهذه الحواسّ تمنحنا المعلومة من حيث هي وعي الذّات في العالم، وتعقد حلفا بين جسدنا والعالم الذي نعيشه ونعيش فيه، إذ هي التي توجّهنا وتقودنا. وهي من ثمّة، مخصوصة بهذه «الأنا» التي هي ليست متجانسة عند جميع القرّاء، ولكنّهم يتقاسمونها بنسبة أو بأخرى. ولعلّ خير من عبّر عنها ياوس في الفصل الثّاني من»جماليّة التلقّي» الموسوم بـ«الإنتاج والتّلقّي، أسطورة الأخوين العدوّين» حيث يذكر في سياق استشهاده برواية إيتالو كالفينو «لو أنّ مسافرا في ليلة شتويّة» أنّ «القارئ الحسن النّية لا يمكنه بعد الإبقاء على مسافة بينه وبين ما يقرأه؛ فهو منذ أن خاطبه الكاتب بصيغة المفرد رفعا لكلّ كلفة، ومرورا بالنّحويّة المريبة لـ«أنا» متعارضة، وجد نفسه منخرطا في دوّامة الأحداث المحكيّة بشكل غير محسوس. وأصبح طوعا أو كرها، ذاتا تتعرّض لسلسلة من الأحداث التي يبدو أنّ المؤلّف انسحب منها». صحيح أنّ هذا الشّاهد مخصوص بنصّ سرديّ، ولكن يحسن بنا أن لا ننسى أنّه يتّسع لشعرنا أيضا قديمه وحديثه؛ فالمقدّمة الطّلليّة الغزليّة مثلا هي ذات منحى سرديّ لا نخاله يخفى، لأسباب لعلّ من أهمّها حافز الذّكرى أو قادح التّذكّر، وهو المحور الذي تدور عليه؛ وكلّما كان تذكّر أو استذكار، وكان سرد. وفي الشعر الحديث يمكن أن نشير إلى جلّ شعراء الحداثة بدءا بالسيّاب والبيّاتي وأدونيس فصلاح عبد الصبور فسعدي يوسف وحجازي وأمل دنقل ومحمود درويش، و«أنا» هي بمثابة واصل بين المنشئ والقارئ. والقرّاء جميعهم يتوفّرون على هذه الملكة في إسناد الكلام إلى النّفس، والرّجوع إلى الذّاكرة من حيث هي قوّة نفسيّة تحفظ الأشياء وتستحضرها عند الاقتضاء. وواسطتهم في ذلك ضمير التكلّم في النصّ إذ يحيلهم على تجربة جسديّة ونفسيّة لهم علم بها وخبرة أو هم يدركونها بالاختبار، لا بالنّظر. ولعلّ هذا ما يجعل القراءة لا تختلف عميقا من قارئ إلى آخر، كلّما تشبّه الشّاعر بالقدامى واستبقى موضوعاتهم، فمثل هذه الموضوعات تضعنا إزاء قارئ يمكن القول إنّه مفرد بصيغة الجمع، ذلك أنّ «الأنا» التي تستوقفنا في الشّعر ليست إلاّ «الواصل» الذي يمكن أن يكون «نحن»؛ أي هذه المجموعة غير المحدّدة التي تتّسع للمتكلّم أيّا كان؛ بما يجعل القارئ متضمّنا في «أنا» مثلما هو متضمّن في «نحن».
وهذا المنحى في تعاطي النّصّ أو ما أسميناه «التّقبّل الّذاتي» الذي يقدحه ضمير التّكلّم (أنا)، يجعل التعرّف محصورا أو يكاد في شكل التّجربة المقروءة، ويفسّر ظاهرة الحجاج للغريب أو «اللامتصوّر» في النصّ، بأدوات مثل البرهان بالمماثلة وقياس الشّبه، ممّا يحكم من الصّلة بين القراءتين: قراءة التعرّف وقراءة الألفة، مثلما يشج بين جماليّة الإنتاج (الصّناعة) وجماليّة التّقبّل. ذلك أنّ ما يسمّيه المعاصرون «أفق توقّع القارئ» كان يؤخذ بكثير من الاعتبار في هذا النّمط من «التلفّظ» ولا يزال. أي أنّ هاتين الجماليّتين ليستا متكاملتين فحسب، من حيث أنّ الأولى تتوقّف بالتّوقّف عن الكتابة، وأنّ الثّانية تتّخذ اكتمال النّصّ منطلقا لها؛ وإنّما لأنّ التّقبّل جزء لا يتجزّأ في صناعة المعنى أو إنتاجه. ولكن ماذا عن الغريب الذي لا يعلق بتجربة واقعيّة أو متخيّلة أي ذلك الذي يجري في حيّز الاختلاق الإحاليّ أو «الأوكسيمور»؟ كيف يتعامل معه القارئ وبأيّة أدوات يحوزه؟ ألا ينفي «اللاّمتصوّر» ذاته في فعل «تصوّره» أو في فعل «إدراكه»؟ ذلك أنّ القارئ إمّا أن يكون في «المتصوّر» أو خارجه.
لا يعنينا في هذا العنصر أن نبسط القول في مواقف القرّاء الألّاف من هذا «اللامتصوّر» ولا أحكامهم القيميّة، سواء تركوا الغلوّ فيها وقصدوا السّداد، أو لم يفعلوا. إنّما تعنينا الكيفيّة التي يقاربون بها هذه الصّور القائمة على غرابة لا هي تختزل ولا صلابتها تقهر. ولكنّها تدرك كما لو أنّها «بديلة» Variante مرسلةٌ قُلّبٌ تنتجها مخيّلة الشّاعر. والحقّ أنّ تجربة المعاصرين ما عدا شوقي أبي شقرا، وربّما أنسي الحاج؛ وإن بدرجة أقلّ، ليست على غرابتها بالتّجربة التي يستعصي إدراكها. وربّما لا توجد تجربة تشرد عن الإدراك، وإنّما «مقروئيّة «تستشفّ وتبقى مع ذلك غريبة أو مستغربة، حيث لا يعدو الإدراك التعرّف، كما هو الشّأن في جلّ القراءات التي تحاول أن تشرخ الغريب الذي يندُ ويشرد؛ إمّا بنقله إلى ما هو معروف أو متصوّر، أو بإجراء ضروب من القياس والتّحويل، أو باستنطاق بدائل من رسوم خياليّة في تجربة القارئ أو ثقافته، تَختزل بها القراءة طريقها إلى الغريب. فإن تأبّى ولم تحل تجربة القراءة على شيء، فإنّ الألفة بالنصّ تنعقد بالكامل في الغريب وتنجرف معه. وهي غير الألفة التي يفزع فيها القارئ إلى ثقافته وتجربته الخاصّة، وإنّما يترك نفسه تنطبع بمتخيّل النصّ. وكأنّ الإدراك الجماليّ وحده هو الذي يمتلك إمكان تعرّف الغريب. ويبدو من الصّور التي تستوقف هؤلاء «الألّاف» طويلا أنّ هذه الطّريقة تتّسع للمعاني التي يتفرّد بها الشاعر أي «المعاني العقم» التي تنضوي إلى مملوكه الأخصّ، أو ما يُعدّ من لطائف الكلام التي غمض معناها؛ ولكن يحدث لها في النّفس شيء من الانبساط، مثلما تتّسع للمخترع المشكل الذي يتعذّر تصوّره.
على أنّ ما يميّز القدماء من القرّاء الشرّاح عن كثير من الباحثين المعاصرين، معرفتهم بالشعر ومكوّاته؛ حتى وإن لم يطنبوا في شرح موقفهم. وليس لنا أن نتوقّع منهم بسطة في الكلام، إذ أعمالهم شروح؛ وليست نقدا بالمعنى الحصريّ للكلمة. ومن ثمّة ندرك أنّ طريقتهم في اكتناه الغريب، ما كانت لتستقيم لولا معرفتهم بأظهر ما في الشعر «المشكل». وهي قراءة سندها إجمالا إجراء تذكّريّ، وأداتها «برهان تراجعيّ». فالقارئ يباشر النصّ وقد استوفى أظهر ما في هذا الشّعر واستوعب المتماثل فيه؛ من ظواهر بلاغيّة وإيقاعيّة هي لوازم لا غنى عنها في صناعة الشّعر. والحقّ أنّ هذا الإدراك يظلّ جزئيّا، إذ هو لا يبرح دائرة المتماثل في النصّ؛ أي سمات السّطح فيه مختزلة مستخلصة من لقاء الذّات الأوّل بهذا الشّعر وممّا أدير حوله، لا خصائصه العميقة. ويفترض في هذه السّمات أن تكون محفوظة في صورة متعدّدة الزّوايا حيث يمكن أن تضرم سمة في بيت ما حضور السّمات الأخرى. لكن من اللاّفت أنّ صورا غير قليلة تَبدهنا غرابتها، تغدو بواسطة هذا الإدراك مأنوسة شيئا فشيئا، لاسيما أنّ القارئ لا يتأتّاها إلاّ وقد جال في أنحاء القصيدة، وأسعفته ذاكرة تعضدها قدرة على المقايسة لا تخفى. وكأنّنا حيال قراءة لاحقة على قراءة سابقة. وهي من هذا الجانب قراءة «سياقيّة» ما تنفكّ تفزع إلى خصائص النصّ كلّما أشكلت ناحية فيه واشتبهت.
في هذا «اللّامتصوّر» تبني الصّورة متخيّلها بأشكال مختلفة. وقد يكون الجمع بين «نوافر الأضداد» بعبارة أبي تمّام من أخصّ خصائصها. وهو جمع محوره كلمات متعارضة يدفع بعضها بعضا، ولكنّ الشّاعر يدمجها على تعارضها الصّارخ في كيان واحد، فتبدو الصّورة مزيجا لغويّا تنصهر فيه المتناقضات على نحو غير مألوف، وتنعقد غرابة مرسلة قد يصعب إدراكها. وسواء استرسل القارئ إلى هذا الغريب النّاشئ في حيّز» الضّديد» [أوكسيمور] أو لم يسترسل، فإنّه لا يمكن إلاّ أن يثير استغرابه الجماليّ، ويذكي الرّغبة في تعرّفه. ومن هنا يطوّق القارئ الأليف النص بما يسخو به هو ويزكو. وهذا أشبه ما يكون بطوق الرحى الذي يدير قطب القراءة.
*كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية