ظاهرة أغاني «يوتيوب»: بحث عن «اللايكات» وإهمال جودة الإبداع

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
1

الرباط ـ «القدس العربي»:  لم يعد من الصعب إطلاق «أغنية» هذه الأيام وطيلة السنوات الماضية، بعد أن صار «يوتيوب» يمنح هذه الإمكانية لكل من سوّلت له بحّته الصوتية القدرة على «الغناء».
لم يعد مهما التفكير في كتابة كلمات الأغنية والبحث عن الإلهام من أجل الوصول إلى اللحن المميز، كما لم يعد الصوت في عدد من الحالات مطلبا ملحا، فيكفي أن تمتلك بعض الادوات البسيطة لتسجيل وتصوير ما يشبه أغنية، ومن ثم إطلاقها هكذا في عالم الفن.
الظاهرة التي باتت مقلقة، لها جوانب خفية أخرى، فالإنتاج الموسيقي في المغرب، يعرف اختلالاً في موازينه، وغالبا ما يتكلف المطرب بإنتاج أعماله، ويخوض معركة شرسة مع التسجيل ومصاريف كثيرة تتناسل على جنبات الرغبة في إخراج منتوج غنائي للوجود.
من جهة أخرى، بات الدعم المالي الممنوح من طرف وزارة الثقافة الوصية على القطاع الفني، موضع تساؤل العديد من الفنانين، خاصة في مجال الغناء، ونتحدث هنا عن الضجة التي أثيرت مؤخرا حول دعم بعض الأسماء الفنية اللامعة والتي حسب الانتقادات ليست في حاجة إلى أي دعم.
هذا ملمح واحد من جملة ملامح تدفع أغاني «يوتيوب» إلى التسيّد على المشهد الموسيقي المغربي، تتسيد برداءة أو جودة ذلك لا يهم ما دامت تستقطب العديد من «لايكات» الإعجاب ونسب مشاهدة مرتفعة.
وهنا يقف المجتمع وإقباله على ما يسميها نقاد الفن ب «التفاهة» شاهدا على تدني الذوق العام من جهة وعلى التهافت في تحقيق المتعة السريعة والعابرة بالاستماع إلى أغاني تهز الجسد ولا تطرب الروح.
المشكلة متشعبة جدا، فالمدافعون عن أغاني «يوتيوب» يدفعون بغياب أي طريقة أخرى لإعطاء الفرصة للشباب بتجريب حظهم مع الغناء. وفي مجمل الأحوال، المستمع الحقيقي والأذن الطروب هي التي تدفع الثمن غاليا من سقوط الذوق بشكل مهول.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، هل هناك مبرر لإنتاج الرداءة والدفع بالسوقية إلى المجتمع الذي لا يمحص ولا يفحص ما يسمعه فقط هي متعة عابرة ولذة مسروقة من زمن السرعة واختلاط الحابل بالنابل؟

زمن «قِلّة الحياء» الفني

أول التصريحات التي استقتها «القدس العربي» كانت للناقد الفني والشاعر المغربي بوجمعة العوفي، الذي تحدث عن أغاني اليوتيوب اليوم وزمن «قلة الحياء» الفني.
وأوضح في تصريحه أنه «في زمن العولمة وسيادة البث الرقمي، وتراجع الذوق الفني الأصيل، والكثير من أشكال التردي الذي تعرفه الأغنية العربية بشكل غير مسبوق في الوقت الراهن، على مستوى الكلمة واللحن والتوزيع والأداء (موجة الأغنية الشبابية العربية بشكل خاص على منصة اليوتيوب وغيرها) وغياب الرسائل الهادفة والشعراء والملحنين الموهوبين والجادين في الساحة الغنائية العربية، دخلتْ «الإبداعات» الغنائية الشبابية اليوم، في أغلبها، زمن التبسيط والاختزال، بل حتى «قِلّة الحياء» الفني أحيانا، على حد تعبير الفنان والباحث الموسيقي المغربي عبد السلام الخلوفي.
هكذا، يضيف بوجمعة العوفي، تكون نفس الأغنية قد عرفت أيضا الكثير من أشكال الرداءة، وتخلت عن الكثير من مقوماتها الأصيلة، بحيث دخلتْ زمن الموزعين الموسيقيين عوض الملحنين، هؤلاء الذين كانوا يبثون في النص الشعري أو القصيدة الغنائية، سواء كان فصيحا أو عاميا، من أرواحهم المبدعة الكثير من الأحاسيس والتنويعات اللحنية والإيقاعية والانتقالات المقامية والموسيقية الساحرة، التي ما زالت حاضرة في وجدان وأُذن المتلقي العربي، باستثناء بعض الأعمال الغنائية العربية القليلة التي أصبحتْ وستظل من الخالدات، إذ تستجيب عناصرها ومكوناتها إلى الشروط الفنية والجمالية الراقية والضرورية التي عرفتها هذه الأغنية في زمنها الجميل أو في عصرها الذهبي».
ووصف العوفي هذه الظاهرة بـ«الضجيج الفني» وأكد أنه خارج هذه الالتباسات الكثيرة التي تعرفها الآن ساحات وإنتاجات الغناء العربي، يبقى القليل فقط من المطربات والمطربين العرب من يغامر بالاشتغال على القصيدة والكلمة النظيفة ليمنحنا هذه المتعة الفنية التي أصبحتْ عملة غائبة، بل نادرة في زمن أغاني من قَبيل: مطرب عربي اسمه «شاكوش» وأغنيته «الناجحة» عنواها: «بسكوتايا مقرمشة». ما شاء الله على الأسامي والأغاني!».

طريقة من أجل الكسب المادي

من جهته، قال مدير أعمال فنانين مغاربة المنتج الفني، مفيد السباعي، إن عددا كبيرا من المؤثرين ورواد «يوتيوب» تعاطوا للغناء مؤخرا.
وأوضح في تصريحه لـ «القدس العربي» أن هذا التوجه من طرف المؤثرين إلى الغناء، ليس بهدف إمتاع الجمهور، بل فقط هي طريقة للربح المادي دون مراعاة الجودة.
وتابع السباعي بالتأكيد على أن الهدف من هذه الموجة بالنسبة للأشخاص السالف ذكرهم، هو الحصول على أعلى نسب المشاهدة.
وأكد أن نسب المشاهدة بالنسبة إليه شخصيا ليست معيارا حقيقيا للجودة، بل هي فقط تهافت على مُنتَج يحدث ضجة بطريقة أو بأخرى، في غياب كامل للإبداع الفني الحقيقي.

يوتيوب لا يؤمن إلا بالربح فقط

عادل أحد أعضاء فرقة «بابل» الموسيقية الشبابية الشهيرة في المغرب، أكد أن منصة «يوتيوب» لا تؤمن بالديمقراطية والمساواة بين جميع الرواد، بل بالربح المادي فقط.
واستهل تصريحه لـ«القدس العربي» بالقول إن «يوتيوب» سيف ذو حدين، حيث إنه أتاح في البداية إمكانية تشجيع المحتوى الغنائي على الخروج إلى الوجود، بشكل متساو وحيادي بين كل المنافسين على نشر مُنتَجهم.
وحسب عادل، فإن «يوتيوب» كان يمنح للمستمع أو المشاهد إمكانية اختيار ما يرغب في متابعته، لكن الأمر صار معاكسا تماما بعد ذلك.
ويوضح عضو فرقة «بابل» أن «يوتيوب» اعتمد منهج الربح المادي فقط، وأصبح من يدفع أكثر هو من له الأسبقية في الظهور بدون الاكتراث إلى أذواق الجمهور.
وحسب المتحدث نفسه، فإن ذلك شجع على الميوعة وضرب عرض الحائط الأذواق المختلفة للجمهور الفني العريض. ليتضح فيما بعد أن «يوتيوب» لا يؤمن بالديمقراطية، ولكن فقط بالربح على حساب «السفهاء» وبظاهرة «البوز» و«التوندانس» بأي ثمن ولو كان على حساب الفن الهادف.

الفن لا يقاس بنسبة المشاهدة

الفنان المغربي الشهير بلقب «بلاك جاغوار» أكد لـ «القدس العربي» أن المتطفلين على الغناء هجموا على الميدان من خلال منصة «يوتيوب» مشيرا إلى أن الجمهور يتحمل جانبا من المسؤولية في تشجيع مثل هذه الأعمال التي لا ترقى إلى مصاف الفن الحقيقي الراقي.
ويرى أن العديد من المتطفلين أصبحوا يغنون وهم من مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي ويوصفون بمؤثرين.
وأضاف أن هؤلاء يحاولون جذب المشاهد بأي طريقة ومنها الغناء، كما لو كان ركوب صهوة الأغنية سهلاً بالنسبة للجميع.
وطبعا، يؤكد «جاغوار» هذه الأغاني لا ترقى إلى مستوى الفن الحقيقي الراقي والهادف، هي فقط مجرد قنطرة للوصول إلى نسب المشاهدة المرتفعة، وبالتالي الربح المادي.
وأشار الفنان ذاته إلى أن هؤلاء عمدوا إلى التركيز على المؤثرات الصوتية من أجل التغطية على ضعفهم في الغناء، ورغم ذلك ـ يستطرد المتحدث ـ تلقى أعمالهم تفاعلا كبيرا من طرف المشاهدين، وهو ما يشجع أشخاصا آخرين على السير في الطريق نفسه.
وحسب «بلاك جاغوار» فإن الجمهور أيضا يتحمل المسؤولية الكبيرة، لأنه ينشر مثل هذه الأعمال على نطاق واسع، وأشار هنا إلى أن هذه النوعية من الجمهور ليس لها ذوق فني ولا يميزون بين الأعمال الجيدة والراقية وبين ما يستحق المتابعة ومن يستحق التجاهل.
وأوضح المطرب المغربي أن الناس يحكمون على الفنان والعمل الفني من خلال نسب المشاهدة والمتابعة، وهذا أكبر خطأ، لأن الفن لا يقاس بالمشاهدة، وأرقى الأعمال ليس لها نسب كبيرة من المشاهدات والتي يمكن ان يشتريها أي أحد.
وتمنى «بلاك جاغوار» أن يغير الجمهور طريقة تفكيره ويرقى إلى المستوى المطلوب ويحارب كل ما هو تافه وينشر كل ما هو هادف وفيه إبداع.
وختم الفنان المغربي تصريحه بالتأكيد على أن العديد من المواهب تستحق الدعم الذي يذهب إلى المكان الخطأ.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية