يتعرض عشرات ملايين من البشر لوقع ذراع الأمطار الموسمية التي تعرف كـ “وحشية”؛ فقد بدأ هذا منذ حزيران. وهذه إحدى الكوارث الطبيعية الأخطر. هذا هو الموسم الذي تأتي فيه هذه الأمطار الجارفة، لكنها سنة ترفض المغادرة. الإحصاء الرسمي للقتلى يصل في هذه اللحظة حتى الألف. ولكن عندما لا يكون هناك اتصال مع ملايين الناس، ولا تكون لسلطات الدولة وللعالم أي فكرة عما يحصل، فثمة تخوف وأكثر من تخوف في أن يكون عدد الضحايا أكبر بكثير.
يحصل هذا في باكستان. وفقراء البلاد البعيدة جداً ليسوا على رأس اهتمام الدول الغربية. فقبل أقل من أسبوعين، وصلت فيضانات غير مسبوقة إلى “لا هال” وسط باريس، مشهد مخيف ورهيب. وضربات حالة الطقس المتطرفة تأتي في زوايا أخرى من الكرة الأرضية. وما من مخلص. هذه أيام تعيش فيها إسرائيل “موجة حر”، لا تعتبر شيئاً مقابل ما يحصل في العالم. على أي حال، مر السيف على إسرائيل بهدوء نسبي.
الموضوع هو أن السياسة العالمية والاحتباس الحراري للكرة الأرضية مرتبطان. الجدال على الاحتباس الحراري يصبح ذا صلة أقل؛ لأن مصائب حالة الطقس لا يمكن نكرانها. الواضح هو أن التضامن العالمي في هبوط. قبل 12 سنة، تعرضت باكستان لأمطار موسمية وحشية. قرابة ألفي إنسان قتلوا. تقدير الضرر يبلغ نحو 43 مليار دولار. الأمين العام للأمم المتحدة في ذاك الحين، بان كيمون، تجند، فضمنت المساعدة الدولية. لكن لم يصل سوى خُمسها فقط. هذا لم يجدِ نفعاً. في الدول النامية قد تكون ميزانيات كبرى لغرض تطوير قدرات نووية، ولكن أقل بكثير للتصدي للكوارث الطبيعية جراء الاحتباس الحراري.
ثمة درجات لبؤس الدول والجماعات الأهلية أيضاً، وليس لها أي صلة بمستوى المعاناة. فالمساعدة الدولية للضعفاء والمساكين وضحايا الكوارث الطبيعية أو الحروب ليست نتيجة أزمة حقيقية، بل نتيجة قدرة و/أو قوة سياسية لتجنيد المال، أو كما قال الفيلسوف سيلبوي جيجاك: “الكونغولي العادي كان لا بد أن يبيع أمه للعبودية ليتمكن من أن يهاجر إلى الضفة الغربية. على الأقل هناك طعام”. ها هو أحياناً مناهض لإسرائيل مثله قادر على قول شيء حقيقي. لأن الفلسطينيين كانوا ولا يزالون في قمة متلقي المساعدة في العالم، حسب الرأس. لو استغلوا المليارات التي استثمرت لتخليد مخيمات اللاجئين والمسكنة بطريقة أكثر نجاعة لأعادوا تأهيلهم مع فيللا وسيارة جديدة لكل عائلة، بل وإقامة مناطق صناعية توفر لهم العمل. هذه بشرى سيئة لمتضرري المصائب في العالم، وفي باكستان بخاصة. فقد هجرهم العالم في المصائب السابقة، ولن يسارع اليوم إلى إنقاذهم. ودولتهم هجرتهم هي الأخرى. مثل إيران، هذه دولة نجحت في الوصول إلى سلاح الدمار الشامل، ولكن مع جهد أقل في كل ما يتعلق برفاه الجماهير.
أين إسرائيل في الساحة العالمية؟ ثمة أنباء طيبة وأخرى سيئة؛ فإسرائيل في المكان الأول عالمياً من حيث تكرير المياه، مع 90 في المئة تكرير في المياه العادمة. تعقبها سلوفاكيا مع 65 في المئة، هذا إنجاز هائل. وفيما يخص استخدام الكهرباء الشمسية، تحتل إسرائيل أحد الأماكن الأولى في العالم. تسبقها أستراليا فقط. أما الأنباء السيئة فهي أن إسرائيل تفضل زيادة ميزانيات المالية على حساب مكافحة الاحتباس الحراري. هكذا مثلاً دول أوروبا، تشجع الانتقال إلى السيارات الكهربائية التي لا تصدر أي انبعاثات، وتستهلك طاقة أقل. ورغم ذلك، ترتفع ضريبة شراء السيارات الكهربائية، وشراء سيارة غير ملوثة يصل إلى أقل من 5 في المئة. تلويث السيارات مصدر التلوث الأساس في المناطق المأهولة. وهو يمس بالصحة، ويساهم في الاحتباس الحراري الذي يؤدي إلى كوارث مناخية مثلما شهدنا في الأشهر الأخيرة من لندن وباريس وحتى باكستان.
إحدى مشاكل الاحتباس الحراري أننا نتحدث عنه كثيراً، لكنه أصبح مسألة سياسية. دونالد ترامب رد رداً باتاً تقريراً حكومياً حذر من آثار هدامة للتغييرات المناخية، فلا حاجة للابتعاد حتى باكستان. قبل شهر فقط، قتل العشرات في كنتاكي بالفيضانات. وقبل سنتين ونصف اجتازت أستراليا موجة حرائق هي الأخطر في تاريخها. الاحتباس الحراري العالمي. لكنه أمر لا يكترث له للأسترالي الأغنى في العالم، روبرت مردوك؛ فهو ينتمي لطائفة المتنكرين.
يجدر بنا أن نحذر؛ لأن المصيبة الأكبر في باكستان، البعيدة عن العين والقلب، هي ما بدأ يحصل في أماكن أخرى من العالم. هذا الصيف مع حرارة قصوى، وليس في لندن فقط. وبوسطن التي كانت باردة في الصيف قبل أقل من عقد، أصبحت اليوم مدينة تتصبب عرقاً في الصيف الأخير. أضواء التحذير تشتعل. يجدر بنا أن نستيقظ.
بقلم: بن – درور يميني
يديعوت أحرونوت 30/8/2022