ظاهرة حقيقية هو باسم يوسف، فقد أتى الرجل من حيث لا أحد يدري ليصبح ناراً على علم في فترة قياسية، حتى بات واحداً من أهم مئة شخصية عالمية حسب استطلاع مجلة ‘التايم’ لعام 2013. ظاهرة يوسف تستحق التأمل والتحليل، إذ قد تكشف عن عدد من المسائل الناقوسية البالغة الأهمية والمنذرة بالخطر في حياتنا نحن العرب. فابتداءً، تكشف ظاهرة المهرج الذي كان طبيباً عن إشكالية التشوه الشديد في فكرة الأنموذج المعياري أو المثالي، الذي ينبغي أن يحظى بإصغاء الناس وثقتهم والقدرة على توجيههم في وطننا العربي. فكارثة حقيقية أن يصبح باسم يوسف، وهو ‘الأراجوز’ أولاً وأخيراً ـ كما سمى نفسه ذات حلقة ـ صانعاً لاتجاهات الناس ومشكلاً لوعيهم، فهذا يعكس تغيراً جوهرياً، سلبيا ًبالطبع، في طبيعة الأطر المرجعية الرمزية التي تلجأ إليها قطاعات واسعة من الناس لتكوين أفكارها ومواقفها. وفي طبيعة باسم يوسف ودوره وعمله تكمن الخطورة، فعندما يتم أخذ المهرج على محمل الجد، فنحن حتماً في زمن التهريج! والملاحظ في باسم يوسف أنه يتسلل إلى عقول الناس عن طريق وعيهم مرة، ولا وعيهم مرات، عن طريق الخلط بين الجد والهزل، ومزج الفكاهة والضحك بمضامين تسعى إلى تحقيق أهداف في منتهى الجدية والخطورة. بالمناسبة، وبشكل عام، عندما ينفعل الإنسان لمشهد أو نكتة أو أغنية ما، فيبكي أو يضحك أو يتألم أو يتعاطف مع ما يشاهده، فإنه لا يكون في حالة واعية، فالعقل الواعي يعرف أن ذلك المشهد هو مجرد تمثيل بعيد عن الحقيقة، لكن الذي يعبر عن مشاعره وانفعالاته بالقهقهة أو الدموع أو التأوه هو العقل اللا واعي، الذي يقف في واقع الأمر خلف تحديد معظم مواقفنا من العالم وما ومن فيه من أناس وأحداث. إن أخطر ما في ظاهرة باسم يوسف في زعمي هو نجاحه الكبير غير المسبوق في تهشيم فكرة الرمز الديني، فقد هوى، وبطريقة في منتهى الفعالية والفتك، بمعاول السخرية والتهكم على فكرة الشيخ، فبعد أن كان الشيوخ يحتلون في الوجدان الشعبي مكانة شبه مقدسة لا تطال، حوّلهم باسم إلى مسوخ مشوهة تلوكهم ألسنة الناس دون أدنى قدر من الاحترام والتوقير الذي تمتعوا به لقرون. ولا أتحدث بالطبع هنا عن أذناب السلاطين من مشايخ السوء، الذين باعوا دينهم بدنيا غيرهم وباتوا على أتم الاستعداد لأن يفبركوا آيات جديدة لو استطاعوا لخدمة أسيادهم، ولكني أتحدث عن فكرة الشيخ بوجه عام، الشيخ العالم والمعارض والمناضل والمقاوم والقائد، فقد طوح باسم يوسف بعبثه المغرض بكل هؤلاء ووضعهم في سلة واحدة منسوجة من الازدراء والاستخفاف، فكأنه بذلك كان يماهي بين شخصية الشيخ وين شخصية الأراجوز الذي يسخر منه، فإذا حضرت صورة الشيخ في الذهن، قفزت مباشرة صورة الأراجوز وما اختلقه من نكات حول الشيخ، والعكس بالعكس! لا أخفيكم أن ذلك أقلقني بشدة، فقد كانت شخصية الشيخ فيما أظن هي آخر الشخصيات المحترمة في ذهن الإنسان العربي، بعد سقوط شخصية السياسي منذ زمن طويل، وكذلك شخصية المعلم، التي تهاوت منذ عقود على يد عادل أمام وشركاه في مدرسة المشاغبين. وبانهيار شخصية الشيخ أو رجل الدين ـ الإسلامي تحديداً ـ بتنا تماماً بلا ثوابت أو مرجعيات حية موثوقة حسب المنطق الذي أشاعه باسم، فلا أحد جدير بالاحترام، والكل يقف على مسرح واحد ليس فيه إلا الإسفاف والابتذال والتلون! في المقابل، وبينما كان باسم يعصف بشخصية رجل الدين، كان وما يزال يسهم بشكل أو بآخر ـ ولو عن غير قصد نتيجة عجزه خوفاً أو طمعاً عن نقد السيسي نقداً حقيقياً ـ في تصعيد نجم شخصية العسكري لتتصدر المشهد، أو بالأحرى في تكريس تجديد حضورها بحلة جديدة، فهي لم تغب عن الصدارة يوما منذ انقلاب الضباط الأحرار. صحيح أن باسم ينتقد السيسي، لكن نقده له يأتي لعين الملاحظ لطيفاً ومحبباً وسطحياً ولا يطال شخصيته كعسكري، بشكل مغاير تماما لطريقة نقده للرئيس المصري محمد مرسي مثلاً. فمن كان يراقب نقد باسم لرئيسه الشرعي مرسي، كان يلاحظ اتجاه النقد الجارح المدمي الى شخصه وأفكاره وتوجهاته وسياساته وخطاباته وكل ما يتعلق به، وكأن الهدف هو حرق شخصيته وإصابته في مقتل وتنفير الناس منه ومما يمثله بأي شكل من الأشكال. أما نقده للسيسي، فهو يحوم حوله على استحياء، مركزاً على من يحيطون به، مع بعض النخزات الفكاهية الخفيفة التي يفتعلها بن الحين والآخر بحق السيسي، سعياً لإثبات موضوعيته. وسأضرب لكم مثالاً بسيطاً يظهر صدق ما زعمت، فقد كان باسم يتفنن في تركيب صور تظهر مرسي بأشكال وأوضاع مضحكة، تحط من هيبته وتجرؤ الناس عليه، الآن قارنوا ذلك بطريقة تصويره المتحفظ جداً للسيسي، علماً بأن بنطال الأخير المرفوع قد أصبح مادة لملايين التعليقات الفكاهية، التي لم يتجرأ باسم على ‘اقتباس’ أي منها! وعلى سيرة الاقتباس، لن أتوقف عند شائعة سرقته لمقال من إحدى الصحف، فلا أظنه فعلها، وليت تلك الخطيئة على أية حال ـ فيما لو كان قد اقترفها حقا ـ كانت أكبر خطاياه! أيضاً من الأمور المحزنة والباعثة على الانقباض التي يمكن أن تنبهنا إليها ظاهرة باسم يوسف ـ ولا أذيع سراً أو آتي بجديد هنا ـ النفوذ الطاغي الذي لم تتوقف الإدارة الأمريكية عن التمتع به يوماً في مصر. فأنا أميل إلى أن أستبعد، وخلافاً لما يظن البعض، أن باسم ينسق مع السيسي وأزلامه، فهم يبغضونه على الأرجح ويتمنون قطع لسانه الطويل إن استطاعوا، غير أن الضجة الصاخبة التي ثارت للدفاع عنه في الأوساط الأمريكية السياسية والاعلامية عندما تم إيقاف برنامجه العام الماضي، جعلت العصبة الانقلابية تفطن إلى خطورة المساس به أو السعي المباشر إلى إسكاته والمخاطرة بإثارة غضب أصدقائه في الدوائر الأمريكية المتنفذة. فهو ليس مجرد إعلامي بائس من الاعلاميين الإسلاميين الذي اعتقلوا وأغلقت قنواتهم في وضح النهار، ممن لا يعرفهم الغرب أو ربما يفرح للخلاص منهم، بل إنه شخصية عالمية الآن، باتت تتمتع بشهرة دولية كاسحة، وبخاصة بعد نيله عدداً من الجوائز المهمة التي عززت من شهرته وحضوره الرمزي، مثل جائزة حرية الصحافة الدولية التي حصل عليها العام الفائت. وحلقة واحدة سليطة يذيعها الإعلامي الأمريكي ذائع الصيت جون ستيوارت، فيما إذا ما تورط الانقلابيون بالتضييق الجدي على صديقه باسم، كفيلة بأن تقيم الدنيا ولا تقعدها فوق رؤوسهم، في الوقت الذي يجتهدون فيه لنيل الرضى واستدرار العطف والتأييد. وبما أننا في سياق الحديث عن أمريكا، سيدة التآمر الكوني، فلا بأس فيما أظن في استحضار نظرية المؤامرة ولو قليلاً في تناول ظاهرة باسم يوسف. والحق إنني شخصياً من المغرمين بتلك النظرية عندما يتعلق الأمر بتفسير كثير من الأحداث والظواهر المتعلقة تحديداً بالوطن العربي، فحتى وإن ابتدأ بعض تلك الظواهر بداية طبيعية عفوية، فإنه سرعان ما تمتد الأذرع الامريكية لاحتوائها والإفادة منها بصورة أو بأخرى. على هذه الأرضية المستندة إلى نظرية المؤامرة، علينا أن نتذكر أن باسم يوسف من عائلة ثرية استفادت من نظام مبارك، فوالده هو المستشار رأفت يوسف رئيس محاكم القضاء الإداري بمجلس الدولة الأسبق، ومن المستبعد تماماً، والحال هذه، أن نفترض أنه وصل إلى مثل هذا المنصب الحكومي الرفيع فيما لو كانت له أي توجهات سلبية ضد ذلك النظام. في الوقت نفسه، علينا أن نتذكر حقيقة أن باسم هو طبيب جراح ـ ولكنه ليس المذكور في أغنية جورج وسوف الشهيرة ـ قضى بالضرورة معظم حياته في الدراسة الجادة التي يتطلبها دخول مجال الطب والتخصص فيه، ولم يعرف عنه أبداً، باعترافه هو نفسه، نشاطاً سياسياً أو إعلامياً أو حتى ثقافياً، بل إنه لم يشارك كما أشار هو أيضاً، في ثورة الخامس والعشرين من يناير، كما كان قد قضى عدة سنوات قبل الثورة في بلاد العم سام. وهنا أظن أن من حق المرء ـ فقط المتلحف بنظرية المؤامرة ـ أن يبدأ بالتساؤل والارتياب، فلماذا يقرر طبيب ثري، مشغول حتى أذنيه في تخصصه، على مشارف الأربعين، من عائلة موالية للنظام، وما تزال رائحة التبغ الأمريكي عالقة بثيابه، أن يخوض فجأة مجال الاعلام، لكي يصبح بقدرة قادر وبغمضة عين حديث الدنيا وشاغل الناس، وأحد أهم صناع الرأي العام في البلد!؟ بالرغم من ولعي بالتفسرات المؤامراتية، إلا أنني سأكتفي بطرح تلك التساؤلات المقلقة، وأترك لحضراتكم تخيل الإجابات المحتملة، مع تذكر أنه لا شيء يحدث بالصدفة في وطننا العربي، وأن الأكثر من ثلاثين ألف موظف الذين يعملون في السفارة المصرية، على ذمة بعض الرواة، لا يضيعون الوقت، بل يستغلون كل ورقة ممكنة من أجل خدمة المصالح الأمريكية في المنطقة. وصاحبنا الطريف الظريف باسم يوسف قد يكون، بوعي أو بدون وعي، مجرد ورقة من تلك الأوراق التي يلعبون بها معنا وبنا!