لا يمكن أن ننكر بأن «كورونا» – قبل أي شيء – ظاهرة تتصل بالصحة العامة، بيد أنها – أيضاً – ظاهرة تلقي آثارها الثقافية على كافة المستويات، سواء أكانت اقتصادية أم سياسية أم مجتمعية، ونعني تحليل أنظمة الأنشطة تجاه التعامل مع هذا المستجد الطارئ على الوعي البشري في العصر الحديث.
ولعل أبرز ملامح هذه الظاهرة أنها جعلت العالم أكثر قرباً على مستوى التماثل في السلوك المجتمعي، من حيث الخوف من تبعات الأثر الصحي، ونمط الحياة المعتاد، غير أننا في قراءتنا للظاهرة، سنقدر خصوصية كل بقعة جغرافية في تعاملها مع المشكلة من ناحية إجرائية، على الرغم من المجانسة في السلوك التي ربما تقودنا إلى التسليم بطغيان شكل من أشكال الاضطراب، الذي امتدَ حتى شمل العالم برمته، وفي ثنايا هذا الوضع، يمكن أن نقرأ نقداً هنا، ونقداً هناك، ومعظمه يتعلق بالتنازع حول المسؤولية عن خلق هذا الاضطراب الكوني، بالتضافر مع فعل التراشق السياسي بين عملاقي العالم: الولايات المتحدة والصين.
وبينما تتخذ المواجهة في بعض أحداثها نظاما لغوياً، إذ يصر دونالد ترامب على وصف فيروس كورونا بالفيروس الصيني، ما جعل الأخيرة ترد عبر توجيه الاتهام إلى الأولى، بإطلاقها حرباً بيولوجية أو جرثومية، بالتوازي مع تسابق محموم لاختراع علاج ناجع بين الدول المتقدمة، في غياب تام من قبل الدول العربية، التي ترزح تحت وطأة مشاكل قديمة، أو تجاوزها العالم لكونها تعدّ من مخلفات الحضارة.
وفي موضع آخر، ثمة اختلاف في درجات التعامل مع المستجد على مستوى الإجراءات، فثمة من أسرع بالتصدي، وهناك من تباطأ، غير أن التّجربة الصينية بدت على قدر كبير من المسؤولية، على الرغم من نظامها الشمولي، غير أنه تمكن من احتواء الموقف، كما أن ثمة وعيا لدى السلطة التي تمارس ديمقراطية داخلية، في ما يتعلق بمصالح الدولة، فالنخبة السياسية ليست ذاتية، إنما تمكنت من خلق نظام معقد من المحاسبة على مستوى المؤسسة الحاكمة، التي تستند إلى قوة هائلة من السيطرة، في حين نجد أن أوروبا الغربية بدأت تعاني من ترهل حضاري، ولاسيما إيطاليا، إذ لم يستجب الكثير من الدول الأوروبية إلى المشكلة بالسرعة الكافية، علاوة على انفراط عقد التكاثف بين دول الاتحاد، ما يشي بمؤشرات خطيرة تتصل بمستقبل أوروبا الحضاري والتقدمي في العالم، فردة الفعل ظهرت بدائية، وكأن الدول الأوروبية فقدت حيويتها ورشاقتها، حيث أرى في هذا الموقف شيئاً من ملامح الأفول الحضاري للقارة الأوروبية، مقابل الفتوة التي تتمثل بدول آسيوية كالصين، وكوريا الجنوبية، في حين أن الولايات المتحدة قد وقعت في براثن الإنكار الترامبي (دونالد ترامب) الذي ينظر إلى هذه الظواهر، سواء أكانت بيئية أم صحية بعين الارتياب والتشكك، لكونه ينطلق من عقلية رجل صفقات، غير أن الدولة العميقة في الولايات المتحدة سرعان ما تدخلت لتلافي هذا التراجع على مستوى الإجراء، وممارسة التدابير اللازمة.
إن رواية إبراهيم نصر الله في أحد أبعادها أماطت اللثام عن شكل من أشكال وجودنا الطارئ، والمشوّه، ولعلها تحتمل نماذج أخرى للتعبير عن تماثلنا، واتجاهنا كذات جمعية لأن نكون شكلاً من أشكال التّعبير عن انهيار العالم، وتوجهه للأفول، حيث لم يعدّ العالم كما نعرفه.
لا شك في أن «فيروس كورونا- كوفيد 19» قد حفّز متخيلاً جمعيّاً لينقل وعي البشرية إلى رؤية ذاتها، فأصحبت هذه الذات منظوراً لها عبر الوسيط الإبداعي الذي استبق هذا المناخ الكئيب السوداوي، جراء فكرة قوامها انهيار العالم جراء فيروس لامرئي، لقد بدا العالم أقرب إلى نموذج كافكاوي، حيث يسكن الخوف الوجوه، ما يجعلنا نستحضر أجواء أفلام سينمائية تعالج فناء البشرية لسبب ما، كأن تحصل كارثة جيولوجية، أو نتيجة غزو فضائي، أو حرب نووية، أو فيروس ينتشر في الكرة الأرضية، أو نضوب بعض الموارد كالماء، وغير ذلك، فضلاً عن استرجاع أفلام الفيروسات، وما تشيعه من أجواء الخوف والرعب الجمعي، وهنا لا أريد أن أمارس نمطاً إحصائياً، فهذا النوع من الأفلام ينتج بشكل مستمر من قبل هوليوود، التي تفضل هذا النوع من الأفلام القادرة على تمثّل مستقبلي للحقيقة البشرية المعرضة للفناء في أي لحظة.
لا يمكن في أي حال من الأحوال أن ننكر بأن الرواية، كما السينما أو الفنون عامة كانت المحفز الأول لهذا النوع من التعبير عن نمط الصدمة الذي يتصل بأنواع من الأدب والنقد الذي يتعارف عليه بأدب نوع الصدمة Trauma literature ، وهو ينهض على نموذج عرف في علم النفس بــPTSD الذي يعنى بدراسة اضطرابات ما بعد الصدمة، نتيجة الحروب أو الكوارث، ومع ما يشهده العالم من تداعيات نفسية نتيجة انتشار كورونا، فإن هذا يحفّز مقولة العقاب الإلهي بالتزامن مع توقف أداء الصلوات في المساجد والكنائس، كما كافة المعابد، لدى معظم الأديان، وهنا تستحضرني – في هذا السياق- شخصية من شخصيات فيلم (2012) حيث كان أحد الرجال يبشر بنهاية العالم نتيجة خطايا الإنسان على هذه الأرض. ربما يعدّ هذا الفيلم من أكثر الأفلام قدرة على التعبير عن النهاية المحتومة، نظراً لحبكته المتقنة، ومستويات التعبير الدلالي المصحوب بتصميم مشاهد متقنة لانهيار العالم، ومحاولة النجاة عبر مراكب تشبه سفينة نوح عليه السلام. إن عبقرية هذا الفيلم تتمثل بقدرته على التنبؤ بزوال الأرض من خلال مشهدية بصرية عالية الإتقان، وهنا تتداعى إلى الذهن قدرات الآداب والفنون للتعبير عن هذه الأجواء القاتمة، ومنها رواية «الطاعون» لألبير كامو، أو رواية «العمى» للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو، أو رواية «الحب في زمن الكوليرا» لغابرييل غارسيا ماركيز، كون هذه الأعمال تتجاوز في أحد جوانبها السّردية التعبيرية عن مأساوية الوباء، إلى ما هو أهم، حيث أنها تجعل من حتمية الموت، وعنفه متصلاً بالسّلوك الجذري للإنسان، وموقعه في العالم، فضلاً عن مسؤوليته الراديكالية عن وجوده الذي تشوّه مع الزمن بداعي السلوك، علاوة على تموضع الحب والعلاقات الإنسانية التي يصيبها العطب، بل إنها تتخذ بعداً جدلياً عندما يكون الموت محدقاً فيها؛ ما يشي بتقدم المقياس القيمي للفنون في تعبيرها عن الواقع، فلا جرم إذن أن ترتفع مبيعات رواية «الطاعون» مع انتشار فيروس كورونا.
إن قدرة الكتابة، أو الإبداع عامة تشي بعبقرية تلك الحساسية المفرطة للذوات المبدعة، واستشعارها بضآلة الإنسان، وهامشيته المفرطة، على عكس الساسة والاقتصاديين الذين ينظرون للذات البشرية بوصفها موضوعاً، لا فاعلاً، أو قيمة؛ أي أنه قيمة للاستهلاك، وللتوظيف، ولإعادة الإنتاج، وفي معظم الأحيان فإن هذه المؤسسة في لاوعيها البراغماتي تحيّد العوامل التي يمكن أن تقوض الخطط والاستراتيجيات، وتتجاهلها كما يفعل دونالد ترامب تجاه أزمة الاحترار الكوني، وهنا ندرك أن قيمة الفنون والآداب تنتج من قدرتها على امتلاك ذلك المنظور المتصل بلايقنية الوجود، فالحياة أشبه برواية لا تمتلك الحسم جراء معناها، أو دلالاتها، أو حتى إذا كانت في تكوينها فعلاً متخيلاً أم حقيقة، أو لعلها واقعاً تم نقله ليكون تعبيراً عن الوجود، ضمن وضعية استباقية. هي علاقة جدلية لم تكتمل أركانها، كون الإبداع لا يعترف بحدود الأشياء، فكافة وجودنا البشري لا يقع إلا على أرض متحركة معرضة في أي لحظة للانهيار كما في فيلم (2012) حيث تتشقق الأرض، وتنهار في تعبير رمزي عن قيم الإنسان، وهنا نستطيع أن نستنج درساً تاريخياً يتعلق بشكل التاريخ، وتحولاته.
في رواية للكاتب إبراهيم نصر الله بعنوان «حرب الكلب الثانية» كانت سيارات الإسعاف، والجثث، والموت، وبناء المستشفيات جزءاً من تكوين المدينة الجديدة التي تحكمها المؤسسة، فأصبح الموت والجثث ثقافة منتشرة، كما أن الموت أصبح وسيلة للإثراء، فالرواية تجسيد لعالم غامض وسوداوي، وكئيب. إن رواية إبراهيم نصر الله في أحد أبعادها أماطت اللثام عن شكل من أشكال وجودنا الطارئ، والمشوّه، ولعلها تحتمل نماذج أخرى للتعبير عن تماثلنا، واتجاهنا كذات جمعية لأن نكون شكلاً من أشكال التّعبير عن انهيار العالم، وتوجهه للأفول، حيث لم يعدّ العالم كما نعرفه.
ومن أجواء الرواية نقرأ لتتضح قيمة التطابق بين ما نعيشه الآن، وفضاء الفن في تقدير الموقف، والتنبه إلى خصائص الاختلال القيمي، الذي يتسرب إلى ممارساتنا ووجودنا، بدون أن نعلم حيث جاء في الرواية: «بل أحاول أن أقول لك إن هنالك مأساة تتقدم، وأرى أن الكثيرين لا يدركون هذا». وفي موقع آخر نقرأ قيمة المماثلة، والمشابهة في السلوك والشكل، بحيث يتحول إلى وباء يوقف الحياة، ويجعلها مليئة بالجنون: «كان باستطاعة من ينظرون عبر زجاج نوافذ بيوتهم، ومن هم في السيارات، أن يروا الناس يتساقطون موتى بسبب نوبات السعال، وهم يتخبطون كالطيور الذبيحة، بدون أن يجرؤ أحد على النزول لإنقاذهم». وفي جزء آخر من رواية إبراهيم نصر الله، نقرأ نبوءة تتعلق بأفول شمس قارة أوروبا، واتجاهها للزوال حيث جاء :«تسونامي (5) الذي تجاوزت قوته عشرة أضعاف أعاصير تسونامي الأربعة السابقة، وبات الأشهر بين الأعاصير التي شهدتها الأرض، فقد تجاوزت أمواجه أراضي بعض البلدان، التي لم تزل تحتفظ بأسمائها القديمة مثل فرنسا، وهولندا، وألمانيا، ووصلت حتى مشارف فيينا، حاملة معها ملايين الناس من بلد إلى بلد، جثثا، في أكبر هجرة قسرية تشهدها القارة، التي لم تعدّ عجوزا قط، بل شبه ميتة ».
ولعل هذا النمط يعني أننا أصبحنا نرى ذواتنا في السرد أو الفن، الذي تكهن بصورة من صورة جنوننا البشري، حيث يقترب الواقع من المتخيل، ويتقصده، أو يقوم بتقليده، وكأنها فعل محاكاة حيث تنقلب الأدوار، فيصبح الواقع تابعاً للفن، وبذلك فإننا، نوجه طعنة لأقوال أفلاطون في ما يتعلق بالمحاكاة، فمن شاهد فيلم الماتريكس The Matrix سيدرك كما هو قريب الصلة بواقعنا الحالي حينما توقفنا عن الانخراط الفيزيائي بالحياة، نتيجة الخوف، وأصبحنا مجمدين في منازلنا نمارس عملنا عن بعدّ، لقد بتنا جزءاً من الآلة، وربما عن قريب سنعيش الحياة بوصفها برنامجاً نقوم بتنزيله على حواسيبنا لنختفي نهائياً، ونصبح فقط متصلين بمصفوفة كما جاء في الفيلم الذي أنتج سنة 1999 أي قبل حوالي عقدين من الآن. على ما يبدو أن العالم بعد (كورونا) لم يعد ذلك العالم الذي نعرفه، فقد جعلنا ندرك أننا أكثر ضآلة، وتفاهة مما نعتقد، ولعل حساسية الكتّاب والفنانين تبدو الأكثر قدرة على التنبؤ بمصائر هذا الوجود الذي يُطحن من قبل الساسة والاقتصاديين، في حين يلهث العلماء كي يصلحوا الأخطاء، في حين أن الكتّاب والفنانين ينظرون إلى الأفق تحسباً من وجود غيوم سوداء، ربما تحمل عاصفة تقتلع وجودنا برمته.
٭ كاتب أردني فلسطيني