لندن ـ «القدس العربي»: «يورو 2024 ناجح فنيا حتى الآن ولكنه لم ينجح تنظيميا لأنه سيئ، وفي مونديال قطر وجهوا انتقادات شديدة ومتتالية ووضع لاعبو ألمانيا أياديهم على أفواههم ونحن نضع أيدينا على أعيننا، لديكم مشاكل وشغب ومياه تتساقط من المدرجات»، بهذه الكلمات المختصرة الجريئة، لخص أسطورة النادي الأهلي ومنتخب مصر النجم السابق محمد أبو تريكة، ما شاهدناه عبر الشاشات وتابعناه في وسائل الإعلام العالمية وكوكب «السوشيال ميديا» في الأسبوعين الماضيين عن النسخة السابعة عشرة لكأس أمم أوروبا، كبطولة يصعب الاختلاف أو الجدال على جودتها من حيث قوة المنافسة والروح القتالية بين المنتخبات داخل المستطيل الأخضر، وفي المقابل، هناك أقل ما يُقال عنها «كوارث» و«فضائح» لا تُصدق على مستوى التنظيم، على غرار المشاهد البدائية لتصريف شلالات المياه من ملعب «سيغنال أيدونا بارك»، باستخدام «شطافات» المنازل، بدون تقديم أي مساعدة أو حلول لوقف تساقط هذه الشلالات فوق رؤوس المشجعين. وأيضا فوضى تأخر وصول القطارات والمترو لنقل عشرات الآلاف المشجعين بعد مباريات السهرة، وغيرها من السلبيات التي كشفت عدم استعداد الحكومة الألمانية لتنظيم البطولة بشكل جيد، مقارنة بالصورة الهوليوودية المحفورة في الأذهان عن بلاد المحركات المعمرة بعد التنظيم الجيد لكأس العالم عام 2006. أما على المستوى الفني والمفاجآت المدوية، فحدث ولا حرج عن متعة وجمال المباريات، بوفرة نادرة في كل ما يتمناه المشجع المحايد، من أهداف بعد الدقيقة 90، ونتائج تاريخية لمنتخبات الصف الثاني أمام الكبار، وأرقام قياسية تتحطم على رأس الساعة، وملاحظات أخرى سيتوقف أمامها كاتب التاريخ في مذكراته عن مرحلة مجموعات اليورو، ونحن أيضا سنناقش معا في موضوعنا الأسبوعي أبرز الملاحظات أو الخطوط العريضة للبطولة بوجه عام.
ثورة الماتادور
إذا أخذنا عينة عشوائية من متابعي اليورو، لمعرفة أبرز ملاحظاتهم وانطباعتهم الشخصية عن مواجهات الدور الأول للبطولة، سنجد أن الأغلبية متفقة على علو كعب المنتخب الإسباني وابتعاده بمسافة كبيرة عن باقي المنافسين والمرشحين لمعانقة الأميرة البيضاء في الرابع عشر من يوليو/ تموز المقبل، وذلك بطبيعة الحال يرجع للنسخة الفاخرة التي يبدو عليها منتخب لا روخا منذ ضربة بداية اليورو، على عكس التوقعات التشاؤمية قبل السفر إلى ألمانيا، التي كانت ترجح معاناة المدرب لويس دي لافوينتي ومشروعه الشاب في مجموعة الموت، التي كانت تضم حامل اللقب المنتخب الإيطالي، وثالث كأس العالم 2022 ووصيف 2018 المنتخب الكرواتي، إلى جانب المنتخب الألباني الشجاع، لكن على أرض الواقع، نجح المنتخب الإسباني في بسط سيطرته على صدارة المجموعة الحديدية، بجمع العلامة الكاملة في المباريات الثلاث للمرة الأولى منذ نسخة 2008، وبسلسلة من الأرقام المثيرة للإعجاب، أبسطها هز شباك الخصوم 5 مرات، بدون أن تهتز شباك الحارس ولو مرة واحدة. وتعلم عزيزي القارئ، أن هكذا أرقام وعروض تلامس الكمال الكروي في منافسة بحجم اليورو، لا تأتي بضربة حظ أو من قبيل الصدفة، بل بجهد كبير وعمل شاق وتخطيط سليم، لكي يجني الثمار بتلك الصورة المبشرة التي كان عليها الماتادور في مرحلة المجموعات، كمنتخب يجمع بين الطرق المتعددة في غاراته على المنافسين وبين التماسك في وسط الملعب والصلابة الدفاعية اللازمة، مرتكزا على سلاح التحولات السريعة من على الأطراف، بدلا من الطريقة الإسبانية الكلاسيكية التي تعتمد على فكرة الهيمنة والاستحواذ على الكرة. والدليل على ذلك، أنه بعد 16 عاما وما مجموعه 116 مباراة، أنهى المنتخب الإسباني مباراته الافتتاحية في اليورو أمام كرواتيا، بنسبة استحواذ بلغت 47%، لكن في المقابل، حقق المطلوب منه على أكمل وجه، بالفوز على لوكا مودريتش ورفاقه المخضرمين بثلاثية نظيفة مع الرأفة، كأول مؤشر على استجابة اللاعبين لأفكار المدرب الذي لم تسبق له المشاركة في بطولة بنفس الوزن، بالبناء عادة برسم 2-5-3، مع التركيز على مثلث بين المدافعين المركزيين ورودري الحاضر دائما في قاعدة خط الوسط الإسباني، ونشر الظهيرين على نطاق واسع إلى حد ما ولكن ليس متقدما جدا في البداية لإغراء لاعبي الجناح المنافسين للضغط بشدة وخلق مساحة خلف الظهيرين، بدون أن ننسى التناغم الملموس لثنائي الوسط المتقدم فابيان رويز وبيدري، بحرية في التنقل والتحرك بين الخطوط، لضمان الزيادة العددية وتقديم الإمداد اللازم لثلاثي الهجوم.
وكل ما سبق في كفة، والحلول الفردية التي يقدمها صاحب الـ16 عاما لامين يامال، في مكانه المفضل في مركز الجناح الأيمن المهاجم، فارضا نفسه على الساحة، كواحد من نجوم البطولة حتى الآن، بذاك الإرهاب الكروي الذي يصدره للخصوم، بما في ذلك أحفاد أسياد الدفاع الطليان، الذين عجزوا على إيقافه بالطرق الشرعية، وبالمثل شريكه في الثلث الأخير من الملعب في الرواق الأيسر نيكو ويليامز، الذي يبصم هو الآخر على بطولة أكثر من رائعة، بشراكة ولا أروع مع المدافع الأيسر ماركو كوكوريا، إذ تشعر وكأن لاعب أتلتيكو بلباو البالغ 21 عاما، يلعب ليمتع نفسه ورفاقه في الملعب، باستعراض إمكاناته الهائلة في اختراق دفاعات المنافسين بكفاءته الفنية المعهودة وسرعته المذهلة، بتلك الصورة التي أرعب بها الظهير الإيطالي جوفاني دي لورينزو، في المباراة التي كان من الممكن أن تنتهي بانتصار تاريخي للماتادور، لولا تألق حارس باريس سان جيرمان جيجي دوناروما، الذي تصدى بمفرده لأكثر من 4 أهداف محققة بنسبة 100%، قبل أن يرفع الراية البيضاء في هدف ريكاردو كالافيوري العكسي، فقط يتبقى للمدرب دي لافوينتي، أن يتخلص من صداع دقة اللمسة الأخيرة أمام المرمى، خصوصا من المهاجم المكلف بالدور رقم (9)، والحديث عن المهاجم ألفارو موراتا، الذي عاد سريعا لممارسة هوايته السيئة أمام الشباك، بالتفنن في إهدار الفرصة السهلة تلو الأخرى، أما غير ذلك، فلا شك أبدا أن المنتخب الإسباني سيخوض موقعة جورجيا وهو المرشح المفضل والأوفر حظا للفوز وانتظار الفائز من مباراة ألمانيا والدنمارك التي تلعب وقت كتابة هذه الكلمات في الدور ربع النهائي، ولو أنه بعد المفاجأة التاريخية التي حققها المنتخب الجورجي، بالفوز على بطل 2016 المنتخب البرتغالي بثنائية نظيفية، سيكون من الصعب التسليم بانتهاء فرص أصدقاء ساحر نابولي كفاراتسخيليا، الذي سيكون على موعد مع مباراة خاصة مع داني كاربخال في الجهة اليسرى، وعلى اليمين تشاكفيتادزه، الذي سيحاول استغلال تقدم كوكوريا إلى الأمام، في ما ستكون أشبه بالمهمة الصعبة والمعقدة، التي تحتاج محاكاة مشاهد الزيادة العددية في المناطق الدفاعية المحظورة للمنتخب البرتغالي، من خلال لعب تشاكفيتادزه بالقرب من كاكابادزه والسماح لميكاوتادزه بالتقدم، ما يقد خلق مثلثات هجومية فعالة للمنتخب الجورجي في حلمه المشروع نحو تحقيق ثاني انتصاراته على مستوى اليورو على حساب المنافس الأيبيري الآخر الإسباني، وبالتبعية الذهاب إلى دور الثمانية، فهل يا ترى سيحافظ المنتخب الإسباني على عروضه الهوليوودية ويضم جورجيا إلى قائمة ضحاياه؟ أم سيصدم جماهيره وعالم كرة القدم بعد الأداء المبهر في المجموعات؟ دعونا ننتظر.
عودة الماكينات
إذا كان المنتخب الإسباني، يصنف على أنه الأكثر إمتاعا وإقناعا في اليورو، فأغلب النقاد والمتابعين، اتفقوا على وجود المنتخب الألماني في المرتبة الثانية، كثاني أكثر المنتخبات الكبيرة والعريقة، من حيث الجودة والأداء الفردي والجماعي، وبصرف النظر عن نتيجة ملحمة الدنمارك، فلم يكن أكثر المتفائلين في البلاد، ينتظر ظهور المنتخب بهذه الصورة، بعد تدهور سمعة المنتخب في المسابقات العالمية منذ التتويج بكأس العالم 2014، آخرها الخروج من الدور الأول لآخر مونديالين. وما ضاعف الشكوك، ضيق الوقت بالنسبة للمدرب الشاب يوليان ناغلسمان، الذي قيل في البداية أنه سيتولى المهمة بشكل مؤقت، ريثما يتم الاستقرار على مدرب المرحلة القادمة، لكن على أرض الواقع، يمكن القول، إن مدرب بايرن ميونيخ الأسبق، تفوق على نفسه في ربط المزيج السحري بين الخبرة والشباب في تشكيلة الناشيونال مانشافت، فكانت النتيجة، استعادة النسخة الذهبية المحفورة في الأذهان عن الحارس مانويل نوير، ونفس الأمر ينطبق على بطل دوري أبطال أوروبا مع ريال مدريد أنطونيو روديغر، ولاعبه السابق في «آليانز آرينا» جوشوا كيميتش، وبالمثل ظهرت بصمته على الوجوه الصاعدة أمثال فلوريان فيرتز، صاحب الهدف الأول في المباراة الافتتاحية أمام اسكتلندا، التي انتهت بفوز عريض للبلد المنظم وصل قوامه لخماسية مقابل هدف، وأيضا جمال موسيالا، الذي كان سباقا في وضعه على طريق النجومية الحقيقية مع العملاق البافاري في تجربته القصيرة مع زعيم الكرة الألمانية، وقبل الجميع، يستفيد المدرب الثلاثيني من أفضل نسخة للأسطورة توني كروس، الذي يقوم بدور «صانع السعادة» بامتياز في أيامه الأخيرة داخل الملاعب، وبلغة كرة القدم، يُقدم أفضل ما لديه في مباريات الوداع، بعدما أعلن عن توقفه عن ممارسة اللعبة مع انتهاء آخر التزام رسمي هذا الموسم، فكانت النتيجة، خروج المنتخب الألماني بعدد لا بأس به من الأرقام الإيجابية التي تفوق بها على كافة المنافسين، أبرزها أقوى خط هجوم في المسابقة برصيد ثمانية أهداف، والأكثر امتلاكا للكرة بمتوسط 64.3% في المباراة الواحدة، ودقة تمريرات بلغت 93%، حتى بعد الانخفاض الملموس في أداء المنتخب في مباراته الثالثة أمام سويسرا، التي انتهت بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله، لكن في حال تمكن من إقصاء خصمه الاسكندينافي، سيبقى على وضعه الحالي، كواحد من أقوى المرشحين للفوز باليورو، في ظل علامات الاستفهام الكثيرة حول أداء باقي الكبار بدون استثناء في أول ثلاث مباريات، بما يمكن اعتباره حالة من الاهتزاز وعدم الثبات في المستوى، بناء على ما شاهدناه من مشاكل وثغرات يعاني منها كل منتخب على حدا.
كبار ومفاجآت
ويأتي في مقدمة المنتخبات الكبرى المرشحة للفوز باللقب على الورق فقط، المنتخب الإنكليزي، الذي تحدثنا عنه باستفاضة في الأسبوع الماضي، في موضوع بعنوان «لماذا يُقدم المنتخب الإنكليزي كرة قدم قبيحة في اليورو»، لأسباب تتعلق في المقام الأول، إلى عناد المدرب غاريث ساوثغيت من قبل حتى وصوله إلى الأراضي الألمانية، بداية من اختياراته المثيرة للجدل في ما يخص القائمة النهائية المشاركة في أعرق بطولات القارة العجوز على مستوى المنتخبات، على غرار استبعاد الخلاق للفرص والأهداف من العدم ماركوس راشفورد، والعائد إلى الحياة جادون سانشو، بعد صحوته المتأخرة مع بوروسيا دورتموند، الذي خسر المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا أمام ريال مدريد، في المقابل ضم أسماء مثل كول بالمر وماينو ولاعبين آخرين لم يستفد منهم على أكمل وجه، في الوقت الذي يظهر فيه هجوم الأسود الثلاثة وكأنه بلا أنياب حقيقية، في ظل تباعد المسافات بين القائد هاري كاين والثلاثي القادم من الخلف إلى الأمام بوكايو ساكا وجود بيلينغهام وفل فودن. ويكفي أن المنتخب الذي وضعه كومبيوتر «أوبتا» على رأس قائمة المرشحين للفوز باليورو، لم يسجل سوى هدفين فقط في مبارياته الثلاث أمام صربيا والدنمارك وسلوفينيا، واهتزت شباكه مرة واحدة، في انعكاس على تواضع مستوى وقبح المنافسة في تلك المجموعة، التي لم تشهد سوى انتصار وحيد في كل مواجهات الخصوم، وهو الفوز الاقتصادي الذي حققه المنتخب الإنكليزي على نظيره الصربي في الجولة الافتتاحية، بعدها تقاسمت كل الفرق النقاط في مبارياتها، لتذهب الصدارة إلى الإنكليز بخمس نقاط، مقابل 3 نقاط لأحفاد الفايكينغ، الذين تأهلوا لدور الـ16 بثلاثة تعادلات، بفارق الأهداف فقط عن منتخب سلوفينيا ونقطة عن صربيا، لكن بعض المتفائلين في الشارع الكروي الإنكليزي، يعيشون على أمل تكرار ما حدث في يورو 2020، عندما أنهى ساوثغيت ورجاله دور المجموعات بنفس الحصيلة التهديفية الحالية، قبل أن يشق طريقه في مراحل خروج المغلوب إلى أن خسر المباراة النهائية أمام الآزوري بركلات الترجيح، فهل يا ترى سيبدأ المنتخب الإنكليزي في التكشير عن أنيابه بداية من صدامه مع سلوفاكيا في موقعة اليوم؟ أم سيستيقظ على كابوس الخروج المبكر بعد عروضه غير المقنعة في دور المجموعات؟ هذا سنعرفه مساء اليوم، تماما كما سنعرف غدا الإثنين في نفس التوقيت، عندما يصطدم المنتخب الفرنسي بجاره البلجيكي، في ما يُطلق عليها قمة قمم دور الـ16، بعد حملات الهجوم التي تعرض لها كلا المنتخبين، حيث تتسابق الصحف والمواقع الرياضية الفرنسية في توجيه الانتقادات للمدرب ديدييه ديشان، بسبب نفس الكارثة التي يعاني المنتخب الإنكليزي، برعونة مبالغ فيها في إنهاء الهجمات، لدرجة أن بطل المنتخب كيليان مبابي، احتاج معجزة لكسر عقدته الأزلية مع الشباك في بطولة اليورو، بتسجيل أول أهدافه تاريخيا في المسابقة في ليلة التعادل أمام بولندا بهدف للكل في الجولة الثالثة لدور المجموعات، هذا في الوقت الذي يبصم فيه عثمان ديمبيلي على بطولة للنسيان، ومثله أنطوان غريزمان، الذي يتنافس مع روميلو لوكاكو، على مستوى المركز الأول في إضاعة الفرص السهلة أمام الشباك. وفي المقابل، يُتهم دي بروين ورفاقه بالتخاذل من قبل الإعلام والرأي العام في وطن منتخب الشياطين الحمر، وتجلى ذلك في المشهد المثير للجدل الذي التقطته العدسات فور انتهاء مباراة أوكرانيا التي انتهت بالتعادل السلبي، بتسونامي من صيحات الاستهجان من قبل المشجعين على اللاعبين أثناء ذهابهم إلى المدرجات لتبادل التحية كما يحدث بعد كل مباراة، ليرد القائد الأشقر، بإعطاء فرمان للاعبين بعدم استكمال المشوار إلى الجماهير، ما تسبب في احتقان العلاقة بين اللاعبين والمشجعين ووسائل الإعلام، وسط حالة من الإجماع على أن هذا الجيل، قد وصل بالفعل إلى طريق النهاية، أو بعبارة أكثر صراحة تجاوز مرحلة الذروة التي تمكنه من المنافسة بشكل حقيقي على اليورو أو كأس العالم، في انتظار رد دي بروين ورفاقه على هذا الاتهام في الاختبار المعقد أمام الديوك الفرنسية.
حتى المنتخب البرتغالي، عاد 18 شهرا إلى الوراء، بجدل ومشاكل حول أحقية كريستيانو رونالدو بالتواجد في التشكيلة الأساسية أو الجلوس على مقاعد البدلاء، وهذا الأمر كان واضحا بعد انفجار الدون في رد فعله على استبداله أمام جورجيا، معبرا عن غضبه الشديد من ضياع فرصة الحفاظ على عاداته القديمة، بالتسجيل على طول الخط في مرحلة المجموعات سواء في اليورو أو كأس العالم منذ صعوده على الساحة في نسخة 2004، كجزء من الحالة المتواضعة التي يبدو عليها هجوم المنتخب البرتغالي منذ بداية البطولة، باستثناء الفوز السهل الذي تحقق على حساب تركيا في الجولة الثانية بثلاثية نظيفة، كهجوم يعتمد في المقام الأول على هدايا الخصوم والحلول الفردية من المواهب اللامعة في الثلث الأخير من الملعب، على حساب المنظومة الجماعية والأفكار الإبداعية الجماعية، إلا إذا نجح المدرب الإسباني روبرتو مارتينيز في تصحيح أخطاء دور المجموعات، وعرف كيف يطوع هذا الكم الهائل من المواهب والنجوم لخدمة المنظومة الجماعية للمنتخب. هذا ولم نتحدث عن الصورة الباهتة التي كان عليها المنتخب الإيطالي في نفس المرحلة، باستثناء رد فعله بعد تأخره أمام ألبانيا في مباراته الأولى، وشاهدنا فارق الجودة والشخصية والحضور بين المنتخب الإيطالي ونظيره الإسباني في مباراة دوناروما، وبدرجة أقل أمام كرواتيا، في المباراة التي كانت في طريقها للانتهاء بفوز لوكا مودريش ورفاقه بهدف نظيف، قبل أن يتقمص كالافيوري دور فابيو كانافارو في مشهد إيطاليا العالق في الأذهان أمام ألمانيا في نصف نهائي كأس العالم 2006، بانطلاقة عنترية انتهت بتمريرة ماتيا زاكانيي، أنهاها بصورة بالكربون بهدف أليساندرو ديل بييرو، القاتل في شباك الناسيونال مانشافت، ما أعاد إلى الأذهان مغامرات وحيل الطليان القديمة، بخداع المنافسين ببداية بطيئة في الدور الأول، ثم يكشفون عن أطماعهم المشروعة في مراحل خروج المغلوب.
وعلى النقيض من وضع جُل الكبار والمرشحين، باستثناء إسبانيا وألمانيا، كانت هناك ظواهر أخرى مثيرة للدهشة والاستغراب بالنسبة لأكثر المشاهدين، أبرزها المباريات الممتعة بين أغلب منتخبات الصف الثاني، حتى أن أغلب الآراء تصنف مباراة تركيا وجورجيا، كأكثر مباراة من حيث الإثارة والتنافسية والقتال حتى إطلاق صافرة النهاية، وكذا معركة الأتراك والتشيك، التي شهدت رقما قياسيا على مستوى البطاقات الصفراء والحمراء في البطولة، بحالتي طرد لممثل شرق أوروبا وما مجموعه 11 بطاقة صفراء لأحفاد العثمانيين، في مباراة أخرى ظلت معلقة للثوان الأخيرة إلى أن فعلها جينك توسون بهدف عالمي في الدقيقة 90، على إثره قاد منتخب بلاده للوصول إلى مراحل خروج المغلوب للمرة الثالثة في تاريخه، ضاربا موعدا مع قاهر فرنسا وهولندا في المجموعات، منتخب النمسا، متصدر المجموعة الرابعة، في أمسية بعد غد الثلاثاء، على أمل أن ينجح في إنهاء مغامرات رانغنيك ومنتخبه في اليورو، وينتظر الفائز من هولندا ورومانيا في ربع النهائي، بدون الاستهانة أو التقليل من وطن الأسطورة دراكولا، بعد عودتهم إلى زمن التسعينات القديم، بتصدر المجموعة الأكثر تعقيدا في تاريخ المسابقة، برصيد 4 نقاط بفارق الأهداف عن بلجيكا وسلوفاكيا وأوكرانيا، في حدث غير مسبوق، أن تنهي المنتخبات الأربعة مرحلة المجموعات بنفس رصيد النقاط، وتحسم في النهاية بفارق الأهداف في مجموع المباريات. وكما يوجد الكثير من الظواهر الجديدة داخل المستطيل الأخضر، هناك أيضا ظواهر صادمة خارج الملاعب، متمثلة في ما أشرنا إليه في المقدمة، في حالات الفوضى والشغب والاعتداءات بين الجماهير على مرأى ومسمع اللجنة المنظمة للبطولة، والجديد هجوم خلايا النحل على غرف اللاعبين في الفنادق، وحالات السرقة التي تتعرض لها البعثات، آخرها ما أعلنته بعثة سويسرا عن تعرض الفريق التحليلي للمنتخب للسرقة، بعد اختفاء 3 أجهزة كومبيوتر محمولة، وعددا من الشاشات الخاصة بعملهم. هذه تقريبا أبرز الملاحظات والظواهر سواء الإيجابية أو السلبية الأكثر وضوحا منذ انطلاق يورو 2024.