عائلات البركة وتماثيل الرذيلة

حجم الخط
0

عمي أبو عكوان، ورث مهنة الزراعة وتربية الثيران المدجنة، أبا عن جد. لم يزرع يوما في غير أرضه، كما كان وفاؤه لزوجته البريئة ،طيبة القلب، ومثال المرأة المصون. غير أن ثيرانه كانت تعيث نكحا ذكوريا في شبق بقرات البلدة والجوار، مقابل بدل مادي يكفل فيه حبل كل بقرة خلال زيارة يتيمة. رزق الله عمي أبو عكوان مواسم خير دائمة، مع ستة أولاد وبنت، وكان اهتمامه لإبنته وحبه لها يساوي محبته واهتمامه لباقي أولاده. خصص ملكية المزرعة والارض لإبنه الصغير ‘غنوج’ والدته لانه لم يكمل دراسته الإبتدائية، إلا أنه كان باكورة أبيه في الزواج، تأثرا بإشرافه المتواصل على الثيران وعاشقاتهم الولهانة. أكمل باقي أولاده علومهم العالية وتخرج منهم مهندسان، ومحام، واستاذ جامعي، وعامل مصرفي. أما الإبنة، فنالت شهادة في طب الجراحة، بدرجة إمتياز. رغم الشغف بالعمل والتحصيل لجميع أفراد العائلة وجهودهم الجبارة، لم يحصلوا على مداخيل كافية لتشييد مبنى يوفر لهم ملاذا مستقرا يخولهم التفكير بحياة زوجية مريحة، بعيدة عن أكلاف الإيجار الشهري المنهك، وجمع شمل العائلة. هاجر المهندسان الى كندا بعد عمل سنين طوال في دول الرمال النفطية. وبقي المحامي يتسكع على أبواب قصور العدل لتحصيل حقوق موكليه الفقراء، دون جدوى. كما لم يدخل الإستاذ الجامعي ملاك الجامعة اللبنانية، لرفضه توسل ذلك من تيوس مذهبه الماروني، وبقي عامل المصرف موظفا عاديا أمينا على كرامته، بعيدا عن التورط في صفقات مالية مع مافيات تهريب المخدرات، وتبييض الاموال، وعمليات بيع وشراء العقارات. تأهلت الطبيبة من طبيب زميل لها يعمل في احد المراكز الطبية، وكذلك باقي أشقائها، ولكن في أعمار تجاوزت العقد الرابع. لم يراهنوا يوما على ولاء سياسي أو مذهبي أو حزبي، بل كان ديدنهم الدائم، العمل الجاد والصالح من أجل لقمة عيش شريفة خالية من أي شوائب أو تذلل أو توسل. أنهم مثال عائلات لبنانية عديدة، عائلات لا زالت تتواجد وتناضل وتكدح، وهم خميرة هذه الأرض المقدسة بطهارتهم وسمو شرفهم وقوة عنفوانهم. هذه الشريحة -الخميرة، لا تتسول مقاعد النيابة، ولا أرائك دواوين الوزارات، ولا مناصب نفعية في كهوف ومزارع القطاع العام. سلاحهم التحصيل الدراسي، المهني وسواه، والكفاءات العلمية، والعيش بسلام دائم في مجتمع مواطني مستقر.
أما ما يمكن الإشارة اليه حاليا من منظور الخيبة والريبة وليس من باب الإنتقاد أو القدح والذم الذي اصبح استنسابيا وعشوائيا، هو هذه الظاهرة المقيتة التي لم يعهدها الدين المسيحي منذ ولادة عيسى إبن مريم، عليه السلام، وليس بعد توأمته الإيمانية مع الدعوة الإسلامية الحنيفة، عنيت هذه الأصوات الجوفاء العالية والخاوية من أي إيمان وتقوى، التي تدعي حرصا على حقوق المسيحيين في الإدارات والمناصب الحكومية والرسمية في لبنان! يأسف المرء عند سماعه أصوات الذين يدعون الإيمان المسيحي، وهم أنفسهم أولئك الذين قتلوا وهجروا واغتصبوا وسلحوا المسيحيين في حروب المذهب الواحد، وهدموا البيوت والقرى التي ما زالت مهجورة. هم هم ذاتهم الذين يدعون التمثيل المسيحي وهم دجالون وكاذبون وقتلة. قال السيد المسيح، عليه السلام، أن مملكته ليست من هذا العالم، وقد صلب ليخلص العالم من أدران خطاياهم. أما هؤلاء لصوص الهيكل فإنهم يسفكون دم جميع المسيحيين، وليس المسيحيين من الطائفة المارونية فقط – مع كل صياح ديك مجروح – على ‘جلجلة’ وزاراتهم من أجل حفنات من سمسرات صفقات التنقيب عن البترول في المناطق البحرية، وعمليات اختلاس خزائن المالية العامة تحت ستار الإصلاح والشفافية والطهارة الداعرة. إن المسيحية والمسيحيين هم براء من دعوات وصراخ لصوص الهيكل. بل إن نظام الطائفية المقيت الذي يتخفى وراءه هؤلاء بدهاء وخداع، هو السقف الهلامي الذي وجب هدمه على رؤوسهم جميعا، وهم من مختلف الأديان والطوائف والمذاهب والشيع. لن يرضى السيد المسيح، عليه السلام، بأقل من طردهم من هيكله بالأسواط، ولن يرضى النبي محمد، صلعم، سوى بأقل من تحطيم شواهدهم وتماثيل رذائلهم الدنيئة.
سعد نسيب عطاالله لبنان
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية