الفصاحة في اللغة هي وضوح الكلام وصفاؤه. يقال «فَصُح اللبَنُ» إذا أُخِذت رَغوتُه. قال الشاعر الجاهلي نَظلة السَلَمي:
ولم يَخشَوا مُصالتَه عليهم / وتحت الرغوةِ اللبنُ الصريح ُ. (مُصالَتَه: صَولاتِه). ويقال: أفصَحَ به أي صرَّح وأبان القول. وفي التنزيل العزيز: «أخي هارون أفصحُ مني لسانا». ويقول الرازي: «الفصاحةُ خُلوّ الكلام من التعقيد».
أما البلاغة فهي «فنُّ حُسن الكلام» وهذا الحُسن يأتي باستعمال المُحسِّنات اللفظية والمعنوية من جِناس وطِباق وتشبيهات واستعارات. وهذه هي وسيلة الخطيب لإقناع سامعيه، وهو الإنسان القادر على مخاطبة جمهور ليترك فيهم أثرا. وهذه المحسِّنات هي بمثابة الرغوة من اللبن (الحليب) الفصيح أو الصريح. وقد عرف الإغريق، ومن بعدهم خلفاؤهم الرومان، الفصاحة َوسمّوها «إيلوكوينتيا» وكان إله الإغريق هرمِس هو راعي الفصاحة. كما كان الأبطال في ملحمة هوميروس يستغلون الفصاحة في مخاطباتهم.
كان الإغريق يسمّون البلاغة «ريتوريكا». ويُذكر من خطباء الإغريق كوراكس. كما كان الإغريق يقدّمون القرابين كل عام إلى إله «الإقناع» ويعرِّف كوراكس البلاغي بأنه
«المُشَيِّد أو مُنتِج الإقناع». لكن سقراط كان أول معارض للبلاغة، لأن الخطيب قد يستغل سامعيه بأسلوبه المنمّق فيقلب الحقائق إلى عكسها. وفي بداية القرن العشرين نجد الشاعر – الناقد ت.س.إليوت يقول «إن البلاغة كلمة غامضة تُستعمل للنيل من أي أسلوب رديء». لكن البلاغي الإغريقي كوراكس كان يرى أن على الخطيب أن يُقنع سامعيه دون الاهتمام بصحة أو أخلاقية ما يتحدث عنه. ويبدو لي أن غالبية أصحاب السياسة في عصورنا اللاحقة هم على مذهب كوراكس! ولكن البلاغي الإغريقي إيزوكراتيس كان يرى «أن الكلمات تبعث قناعةً أكبر عندما تصدر عن شخص ذي سمعة طيِّبة، فالبلاغة طريقة في المناقشة مثل الحِجاج وليست محض زينة».
وفي العصور الوسطى الأوروبية كانت اللغة اللاتينية هي لغة المتعلمين و«المثقفين» في أنحاء الإمبراطورية الرومية المقدسة. وعلى الرغم من أن مصادر الفصاحة والبلاغة كانت من أصول بلاد لم تبلغ المسيحية بَعد، وكانت وقتها لغتُها إغريقية أو لاتينية، لكن أعمال الفلاسفة مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو، إلى جانب أعمال ججيرو وكوينتليان وبقية أصحاب الفصاحة والبلاغة كانت هي المكوِّنات الأساس للثقافة القروسطية. ولكن في نهايات القرن الثالث عشر ظهر في إيطاليا دانتِه اليكييري (1265-1321) الشاعر المُثقل بالتراث الكلاسي الإغريقي واللاتيني، فكتب كتاباً باللاتينية ليكون في متناول أصحاب الثقافة في إيطاليا وأنحاء الإمبراطورية الرومية المقدسة. كان عنوان الكتاب «دي فلكارِإيلوكوينتا» أي «في فصاحة العامية» وناقش فيه ما عرَضَه من أن لغة العوام لها فصاحتُها الخاصة التي لا تقل في جمالها عن فصاحة اللغة اللاتينية. وكان هذا الرأي صادماً بالطبع لجميع من نشأ على محبة اللغة اللاتينية حَدّ التقديس. ولكنه تجرّد قبل عام 1320 لكتابه أعظم قصيدة عرفتها العصور الوسطى الأوروبية عن أهم وأقدس موضوع هو خليقة الأرض والسماء وخلق الجنة والنار والسماوات السبع، وكل ذلك في إطار من المفهوم المسيحي الكاثوليكي. استطاع دانتِه أن يبيِّن قدرة لغة العوام أي فصاحة العوام على التعبير بلغةٍ شعريةٍ جميلة جعلت أصحاب اللغة اللاتينية وثقافتها ينتبهون إلى هذه العامية ويتدارسون فضائلها وجمالها مما شجع شعراء القرن الرابع عشر في إيطاليا على كتابة الشعر الغنائي الجميل بهذه اللغة العامية الجديدة، سيراً على خطى دانتِه في غنائيات «الحياة الجديدة» فظهر عندنا بتراركا وأصحاب «الأسلوب العذب الجديد».
وفي تراثنا العربي لدينا الكثير من أمثلة الفصاحة والبلاغة ولكنني لا أستطيع القول إن تلك الأمثلة كانت تستند إلى نظريات وقواعد موضوعة كما هو الحال في التراث الإغريقي واللاتيني. بل قد لا أكون بعيداً عن الصواب إن قلتُ إن أمثلة الفصاحة والبلاغة في تراثنا تأتي عفوَ الخاطر كما قد يقال، أي نتاج موهبةٍ واستعداد، كما هو الحال في موهبة الشعر. ومن الطبيعي أن موهبة الشعر والفصاحة والبلاغة تنمو وتتطور بتوسّع الخبرة في الحياة، وتتغذى بالثقافة والاطلاع على ما لدى الآخرين. فمن خطباء العرب قبل الإسلام قُس بن ساعدة الإيادي وكان الرسول الكريم يحضر ما يقدِّمه ذلك الخطيب وهو واقفٌ على ظهر جمل أحمر في سوق عكاظ. ومع ما يقال عن ذلك الخطيب أنه كان «قارئاً كاتبا» مُطّلعاً على كتب الديانات الأخرى، فلا أحسب أن لغة التوراة والإنجيل إذا كان قد قرأ ترجماتها بالعربية قد تركا آثاراً لها في لغته العربية فائقة الجمال، فصاحةً وبلاغةً. وتكفينا إشارةٌ واحدةٌ من أبي العلاء المعرّي قوله «وعيّر قُسّاَ بالفهاهة باقلُ» لندركَ رفعة اللغة وفصاحتها وبلاغتها عند ذلك الخطيب الجاهلي. أما موهبة الشعر في جاهلية العرب وما أبدعت من أمثلة الفصاحة والبلاغة في معلقه زهير بن أبي سُلمى ورَهطِه من الشعراء فإنها تتطلب بحثا قائماً بذاته.
وربما كان القاضي عبد القاهر الجُرجاني (ت.471 هجرية/ 1078م) أول وأبرز من وضع قواعد للفصاحة والبلاغة في كتابيه الشهيرين «دلائل الإعجاز» و «أسرار البلاغة». فهو يتكلم عن «نظرية النَظم» في النظر إلى اللفظ وما جاوره من الكلمات في وضع يرتفع بالكلام إلى مستويات من الفصاحة والبلاغة، ويستشهد بأمثلة كثيرة من القرآن الكريم، من سورة هود مثلا «وقيل يا أرضُ ابلعي ماءَكِ ويا سماءُ أقلعي وغيضَ الماءُ وقُضي الأمر».
وأمثلة الفصاحة والبلاغة في الشعر في تجاور الألفاظ واستعمالات المحسِّنات من بيان وبديع نجدها في مَعينٍ ثرّ في شعر المتنبي مثلاً. فكيف نستجيب لمديحه كافور لو كنّا بين سامعيه يقول: وماطرَبي لما رايتك بِدعةً / لقد كنت أرجو أن أراك فاطرب! وهل فهمها كافور أم خشيَ من كان حوله أن يفهمها فيقع الشاعر في أسوأ أعماله؟!
ومن أبرز أمثلة البلاغة في تراثنا الأدبي العربي كتاب «نهج البلاغة» للإمام علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه). هذا كتاب في أكثر من 750 صفحة من القطع الكبير يجمع خُطباً وأحاديثَ في الحكمة والدين بلغةٍ رائقةٍ، حقّقه عدد من الباحثين استنادا إلى عدد من النسخ الخطية القديمة.
وأحدث نسخة من كتاب «نهج البلاغة» صدرت بإشراف الشريف الرضي. ومن الصعب على القارئ المعاصر أن يحاول تصنيف موضوعات الكتاب ويقسِّمها إلى فصول، ولو أن المحققين قد حاولوا فعل ذلك، لأن الخُطَب والأحاديث والمواعظ والوصايا تغطي كلّ جانب من جوانب الحياة العقلية للإنسان المؤمن. هذا الى جانب بلاغة العبارة ودقة التراكيب اللغوية والنحوية مما يجعله كتابا لجميع العصور.