الرباط – «القدس العربي»: اختارت الباحثة وعالمة الاجتماع المغربية زهور بوزيدي عنوانا صادما لشريطها الوثائقي حول نساء «الموقف»، وهو «إذا لم نشتغل سنموت جوعا»، وجاء باللغة الفرنسية بعد سنوات من الأبحاث والتحقيقات مع هذه الفئة من النساء العاملات.
ومصطلح نساء «الموقف» في المغرب يعني النساء اللواتي يقفن في مكان مخصص بانتظار عمل يومي عابر.
سنة من الأبحاث
أما الفيلم الوثائقي الذي احتفى به «مجلس الجالية المغربية في الخارج» بحضور رئيسه، إدريس اليزمي، ضمن دورة «السينما الوثائقية النسائية»، نهاية الأسبوع الذي ودعناه، تم تقديمه في إحدى القاعات السينمائية الشهيرة في الرباط، وظل ذلك العنوان/ الصرخة يرن في أذن من حضر عرض الفيلم الوثائقي الذي ينقل لأول مرة بعد 15 سنة من الأبحاث والتحقيقات مع 500 عاملة زراعية في عدة مناطق من المغرب، يوميات نسوة يسعين وراء لقمة العيش في ظروف صعبة، وشروط عشوائية غير منظمة.
وسردت ورقة في الموضوع تلقت «القدس العربي» نسخة منها، بعض تفاصيل اشتغال المخرجة طيلة السنوات الـ 15 الماضية رفقة فريق من طلبتها في الجامعة، وعملت على نقل شهادات وصفت بـ «القوية والصادمة»، لمعاناة العاملات الفلاحيات اللواتي يطلق عليهن مصطلح «نساء الموقف».
بعض النماذج التي ساقها الفيلم الوثائقي هي لنساء منهن أمهات عازبات، يحكين قصصهن بكثير من الأسى والألم، وبوجوه مكشوفة عن نضالهن اليومي من أجل لقمة عيش والظروف الصعبة التي يعملن فيها والمشاكل التي يواجهنها من عنف وتحرش واغتصاب وتمييز وابتزاز جنسي، مقابل الحفاظ على عملهن وضمان دخل مادي زهيد جدا لا يرقى إلى العمل الشاق الذي يقمن به.
م الفيلم، الذي تبلغ مدته الزمنية 24 دقيقة، تم إنجازه سنة 2018، وعن فكرته قالت المخرجة زهور بوزيدي «إن هذا الفيلم الوثائقي ولد بعد سنوات عديدة من البحث». وأضافت «كوني عالمة اجتماع في جامعة مكناس، كنت مهتمة بالعاملات، خاصة هذه الفئة الهشة ذات ظروف عمل صعبة للغاية. لاحظت إلى أي مدى هؤلاء النساء، رغم قيودهن وتجاربهن، شجاعات جدا ويواجهن معركة يومية لتوفير احتياجات أطفالهن وأسرهن. هؤلاء العاملات، اللواتي يعتبرن العمود الفقري لتزويد السلاسل الغذائية وبالتالي أنظمتنا الإنتاجية».
وتستطرد المخرجة في تصريحاتها بقولها «لكن، ورغم هذا العمل المهم الذي يساهمن به في القطاع الفلاحي، فهن غير مرئيات وغير مسموعات. لذا، في لحظة ما، شعرت بأنني كعالمة اجتماع وباحثة، لم تكن الكتابة تسمح لي بنقل كل هذه العواطف القوية والتعاطف الذي أحسست به تجاههن، والعلاقة القوية التي تربطني بهن كان من الصعب نقلها عبر الكتابة، لذا بدا لي أن انجاز فيلم وثائقي عن هؤلاء النساء، هو الوسيلة الأنسب لطرح قضية العاملات الزراعيات، بعيدا عن الدوائر الأكاديمية المغلقة».
تصريحات المخرجة شملت أيضا حديثها عن الرسالة التي أرادت نقلها من خلال هذا الفيلم الوثائقي، لتوضح أنه «تم تنفيذ الفيلم الوثائقي مع النساء اللاتي أعرفهن منذ فترة طويلة ومعهن طورت علاقات ثقة. ويحكي الفيلم قصتهن التي عادةً ما يتم تصنيفهن في نفس الفئات. يتم تسميتهن بـ (نينجا)، في حين اخترن أن يبقين غير مرئيات لحماية أنفسهن من الحيف ونظرة المجتمع، التي يعانين منها.»
أحلام وتطلعات
وتؤكد زهور بوزيدي قائلة «لقد حاولت أن أظهرهن في تنوعهن، وأن أسلط الضوء في الوقت نفسه على الهشاشة التي يعشن فيها، ولكن أيضا على قوتهن وعزيمتهن، وأن أظهر صراعهن اليومي وأنهن نساء مثل غيرهن لديهن أحلام وتطلعات وإحباطات وانكسارات وآلام وآمال أيضا في مصير ووضع أفضل». وتشدد المخرجة على أنه «لم يكن الهدف هو تكثيف وجعهن أو المبالغة في قدرتهن الإبداعية، ولكن كان الهدف هو إظهار كيف يحوّلن قيودهن إلى عزيمة للبقاء على قيد الحياة، والسعي لمستقبل أفضل لهن ولعائلاتهن».
والجدير بالذكر أن موضوع العاملين في القطاع الزراعي، خصص له أحمد الحليمي، المندوب السامي للتخطيط (مؤسسة رسمية للمسوح والإحصائيات الاقتصادية) حيزا وافيا خلال تقديمه لعرض أمام أعمال ملتقى في الرباط، حيث خلص إلى أن العمالة في القطاع الفلاحي، الذي لا يعرف تحسنا أو عصرنة سوى بشكل ضعيف، تتميز بانخفاض أجورها وكفاءتها وبوضعيتها غير المهيكلة والتي تشكل 97٪ من إجمالي العمالة في هذا القطاع.
وتشتهر المناطق الزراعية في المغرب، بما يصطلح عليهن بـ «نساء الموقف» وهن فئة تشتغل حسب اليومي وحسب طلب صاحب الضيعة الفلاحية، وأغلب عملهن في جني الخضر والفواكه، والتي تصبح في كثير من الأحيان شاقة جدا وعلى مدار اليوم مقابل مبالغ مالية هزيلة مقارنة بسوق الشغل في قطاعات أخرى مهيكلة ومنظمة.
وضمن فئة «نساء الموقف» نجد نساء يلقبن بـ «نينجا» وهن اللواتي فضلن إخفاء وجهوهن حتى يتحاشين الوصم المجتمعي ونظرته لهن وأحكامه الجاهزة عليهن خاصة العازبات أو المطلقات أو حتى المتزوجات.