«عامي مع سالينجر» لفيليب فالاردو… بداية باهتة لمهرجان برلين السينمائي

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

برلين ـ «القدس العربي»: افتتح فيلم «عامي مع سالينجر» للمخرج الكندي الفرنسي فيليب فالاردو مهرجان برلين السينمائي في دورته السبعين (20 فبراير/ شباط إلى 1 مارس/ آذار). ليس الفيلم بالبداية المحلقة التي كنا نرجوها، بل إننا وجدنا أنفسنا نتملل في مقاعدنا، لضعف مقاربته للقضايا التي يحاول مناقشتها. يقدم فالاردو فيلما باهتا، فاترا بلا طعم، كوجبة أُعدت كيفما اتفق، بدون الاكتراث لمحتوى أو مذاق.

«عامي مع سالينجر» فيلم يمس عددا من القضايا مثل، علاقة الأديب بمعجبيه، وتأثير العمل الأدبي الجيد على قرائه، ومحاولات الشباب الدخول إلى عالم النضج والاستقلال، ومحاولات البدء في عالم الكتابة، ولكنه لا يطرح أيا من هذه القضايا بالإقناع أو العمق الكافيين. الفيلم، الذي كتب له السيناريو مخرجه فيليب فالاردو، مقتبس عن مذكرات الكاتبة جوانا راكوف، التي صدرت عام 2014، عن العام الذي أمضته في مقتبل شبابها في تسعينيات القرن العشرين في العمل في نيويورك، في مقر وكالة أدبية مرموقة، تمثل عددا من كبار الأدباء، وتخط عقودهم مع دور النشر، وأبرز الأدباء الذين تمثلهم هذه الوكالة هو جيه دي سالينجر، صاحب رواية «الحارس في حقل الشوفان»، ذلك الكاتب المرموق الذي قرر العيش بمعزل عن الأضواء، صاحب تلك الرواية التي ألهمت وما زالت تلهم ملايين القراء.


حين تبدأ جوانا (التي تؤدي دورها مارغريت كوالي) عملها في الوكالة الأدبية، توكل إليها مهمة التعامل مع بريد معجبي سالينجر، البريد الذي لم يقرأه قط منذ عقود، والذي تتولى الوكالة مهمة فحصه جيدا، والرد عليه بصيغ رسمية مقتضبة، بدون التعاطي مع محتواه. إنها مهمة روتينية لحد كبير، ولكن الوكالة تتعامل معها بجدية وحرص كبيرين، حفاظا على خصوصية الأديب المخضرم الكبير، الذي يعيش في عزلة وينأى بنفسه عن المجتمع منذ سنوات طوال، وخوفا من أن يكون وسطها ما يمثل تهديدا لحياة الكاتب أو حياة غيره.
لعلّ خير ما نصف به فيلم «عامي مع سالينجر» هو إنه فيلم لتمضية الوقت، كتلك الأفلام التي قد نمصي معها ساعة أو أكثر، ثم نفرغ منها كلية بعد انتهائنا من مشاهدتها، ولا يعلق في ذاكرتنا منها شيء. ربما لا يسعنا إلا ترديد السؤال ذاته الذي دار على ألسنة الكثير من الصحافيين، ونحن نغادر القاعة بعد انتهاء العرض الصحافي لفيلم الافتتاح، حيث تعددت اللغات وبقي السؤال واحدا: كيف تأتى لهذا الفيلم المتواضع القيمة، أن يفتتح أحد أبرز المهرجانات السينمائية في العالم.

اختار المهرجان لبدايته فيلما يفتقر إلى الحماس، ويلوك القضـــــايا بدون جد كاف أو هــــزل كاف، ولم يكن يسعنا إلا أن نستقبلــــه بدون حماس، ولكن يحدونا الأمل أن يأتيــــنا برلين في باقي أيامه بما يثير الحماس والدهشــة، ويمتع العين والعقل والقلب.

لعلّ النقطة المضيئة الرئيسية التي تحسب للفيلم هي التمثيل، خاصة شخصية الوكيلة الأدبية المهيبة مارغريت، التي تؤدي دورها باقتدار كبير سيغورني ويفر، حين تأتي جوانا، طالبة الأدب التي تطمح أن تصبح أديبة وقاصة، من كاليفورنيا إلى نيويورك، حيث المشهد الأدبي الضخم، وحيث بزغ نجم الكثير من الأدباء، تبدأ عملها مساعدة لمارغريت، صعبة المراس، التي تبذل قصارى جهدها للحفاظ على مكانة وكالتها، وللحفاظ على خصوصية أديبها المرموق، سالينجر. العلاقة بين مارغريت وجوانا تذكرنا إلى حد كبير بالعلاقة بين ميرل ستريب وآن هاثاواي في فيلم «الشيطان يرتدي برادا»، بل إن الفيلم برمته يبدو لنا أحيانا نسخة مقلدة من «الشيطان يرتدي برادا»، مع افتقار للروح والبهجة. وكما كان الحال في «الشيطان يرتدي برادا»، فإن مارغريت أحيانا تعامل مساعدتها الشابة بصرامة بالغة، وفي أحيان أخرى تعاملها برفق وحنو من مرّ منذ أعوام بالتجارب والخبرات نفسها، وأحيانا تكون جوانا الابنة والصديقة التي تحتاجها مارغريت.
رغم أن اسم سالينجر يأتينا في عنوان الفيلم، إلا أننا لا نلمح سالينجر ذاته، إلا لماما، فسالينجر وحياته ليسا محور الفيلم. فمحور الفيلم هو تلك العشرينية جوانا، التي تأتي إلى المدينة الكبيرة بأحلام أدبية كبيرة، وبرغبة أكبر في اكتشاف الذات والحياة والأدب. ربما كان الشق الأكثر تأثيرا في الفيلم هو تلك الرسائل التي يتلقاها سالينجر من معجبيه، تلك الرسائل التي تصبح جوانا مطلعة على أسرارها وحميميتها. ينتصر الفيلم عبر هذه الرسائل للقارئ، ويدخلنا في عوالم هؤلاء القراء على اختلاف مشاربهم وتجاربهم وأعمارهم. في الفيلم يبقى سالينجر في الظل، لا نراه إلا عن بعد، وفي لقطات معدودة، أما قراء روايته فيبقون معنا ونراهم في عوالمهم المختلفة، كما لو أن الفيلم يود أن يخبرنا أنه لولا القارئ لما بقي الأديب أو الكتاب. لا يسعنا إلا نجلّ كل هؤلاء القراء بتجاربهم الحياتية المختلفة، القراء الذين يشبهوننا حين نقرأ وحين نجلس قبالة الشاشة، ويثير فيلم ما يثير فينا من دهشة وسحر وتأمل.
اختار المهرجان لبدايته فيلما يفتقر إلى الحماس، ويلوك القضـــــايا بدون جد كاف أو هــــزل كاف، ولم يكن يسعنا إلا أن نستقبلــــه بدون حماس، ولكن يحدونا الأمل أن يأتيــــنا برلين في باقي أيامه بما يثير الحماس والدهشــة، ويمتع العين والعقل والقلب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية