باريس ـ «القدس العربي»: قبل 360 يوماً، وتحديداً يوم الـ 24 من شباط/فبراير عام 2022 عند السّاعة الخامسة والنصف صباحاً بتوقيت موسكو، شنّ الجيش الروسي هجوماً على أوكرانيا المجاورة، البالغ عدد سكانها 43 مليون نسمة، وذلك بأمر الكرملين الذي قال سيده فلاديمير بوتين وهو يصف الهجوم بأنه «عملية عسكرية خاصة» من أجل «نزع السّلاح» من أوكرانيا و«اجتثاث النازية» منها. اليوم، وبعد عام تقريباً من الحرب الضّارية، التي قَلبت حياة الأوكرانيين رأساً على عقب، يتعثّر الصراع، وسط فشل روسيا في تحقيق أهدافها الأولية المتمثّلة في السيطرة على كييف واستبدال الحكومة فيها بأخرى مؤيدة لموسكو، بل إن جيشها اضطر إلى التراجع على عدة جبهات وتكبد خسائر فادحة. بينما يعاني الأوكرانيون من الدمار والخسائر البشرية وفرار الملايين منهم خارج الوطن، ويخيم عليهم القلق من هجوم روسي جديد واسع النطاق مع بداية العام الثاني لهذه الحرب المستعرة.
مدن أوكرانية روجت لها الحرب
خيرسون، خاركيف، ماريوبول، زابوريجيا، سوليدار، باخموت، وغيرها، هي مدنٌ ومواقع استراتيجية بأوكرانيا كانت على مدى الأشهر الأخيرة الاثني عشر مسارح لقتال شرس بين القوات الأوكرانية ونظيرتها الروسية التي تمكنتّ من إحكام سيطرتها على معظمها في نهاية المطاف. لكن خلافاً لكل التوقعات تراجعت قوات موسكو، إذ انسحبت من مدينة بوتشا التي سينتشر اسمها في جميع أنحاء العالم. وفي نهاية آذار/مارس ارتكزت الحرب في الشرق، مع اشتعال القتال في خاركيف، ثاني المدن الأوكرانية أو أيضا مدينة ماريوبول الاستراتيجية. وخلال الصيف، تعرضت محطة زابوريجيا لتوليد الطاقة لنيران المدفعية، ما ضاعف من مخاوف العالم من وقوع حادث نووي. في غضون ذلك، قادت كييف، في يوم السّابع من أيلول/سبتمبر الماضي، هجومًا مضادًا ضد روسيا، قبل أن يُعلن الجيش الأوكراني، في غضون أيام قليلة، أنه استعاد آلاف الكيلومترات المربعة، بما في ذلك مدينة خيرسون الاستراتيجية. ويُعدُّ ذلك نجاحا عسكريا مبنياً على التعاون الوثيق بين المخابرات الأوكرانية والأمريكية، الذي سمح، طوال الصيف، لأوكرانيا بالحصول على بيانات دقيقة حول نقاط ضعف الجيش الروسي على الأرض.
ردت روسيا على الانتكاسات التي تعرضت لها قواتها، لتباشر اعتباراً من تشرين الأول/اكتوبر هجوماً مكثفاً ضد البنى التحتية الأوكرانية للطاقة، أدى إلى تدمير حوالي أربعين في المئة من قدرة توليد الطاقة في أوكرانيا. كما تم استهداف البنى التحتية للطاقة الأخرى، بما في ذلك محطات الطاقة النووية، في مقدمتها محطة زابوريجيا. وكثفت موسكو مؤخرًا من جهودها العسكرية في الشرق، بما في ذلك من خلال مجموعة فاغنر شبه العسكرية. الأمر الذي دفع كييف إلى الاقرار بـ«تعقيد الوضع» حول مدينة باخموت مركز القتال في المنطقة. فبعد عدة أشهر من القتال المدفعي دون تحقيق مكاسب كبيرة على الأرض، أحرزت القوات الروسية تقدمًا في الأسابيع الأخيرة، حيث استولت على بلدة سوليدار في كانون الثاني/يناير، ثم على قرية كراسنا جورا في المنطقة المجاورة مباشرة لباراسكوفيتشفكا. كما تخوض موسكو هجومًا جنوب باخموت حول بلدة فوهليدار الصغيرة -الاستراتيجية.
خسائر الطرفين
البشرية جسيمة
منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا وحتى معركة باخموت الحالية، كانت الخسائر كبيرة، مع الحديث عن 180 ألف قتيل أو مصاب بجروح بين الجنود الروس، و100 ألف على الجانب الأوكراني، كأحدث حصيلة عسكرية للصراع، صدرت عن حكومة النرويج هذا الأسبوع. وتشير مصادر غربية أخرى إلى سقوط 150 ألف ضحية من كل جانب. بالنسبة إلى الجانب الروسي، فإن هذا العدد يفوق كثيراً الـ 15 ألف جندي من الجيش الأحمر الذين قتلوا خلال عشر سنوات من الحرب في أفغانستان (1979-1989). لكن موسكو أكدت، في نهاية تموز/يوليو أن حوالي 15 ألفاً فقط من جنودها قتلوا في المعارك، وأصيب 45 ألفاً آخرين، في وقت قدرت فيه الاستخبارات الأمريكية أن «أكثر من 75 ألف جندي روسي قتلوا أو جرحوا».
علاوة على الحصيلة العسكرية، سقط عشرات آلاف المدنيين، أيضاً ضحية لهذه الحرب التي تستعد لدخول عامها الثاني، حيث تتحدث مصادر غربية حتى الآن عن حصيلة تتراوح بين 30 و40 ألفاً. وقدرت الأمم المتحدة، في نهاية كانون الثاني/يناير الماضي، عدد القتلى والجرحى بـ 18 ألفاً، مع الإقرار بأن «الأرقام الفعلية أعلى بكثير». وحسب كييف فإن أكثر من 400 طفل من بين القتلى. ففي مدينة ماريوبول الساحلية لوحدها، حيث تناثرت الجثث في الشوارع بعد ثلاثة أشهر من القصف الروسي، أكدت سلطات كييف أن أكثر من 20 ألف مدني أوكراني لقوا حتفهم في المعركة التي انتهت في أيار/مايو.
إلى جانب ذلك، تم الإبلاغ عن نحو65 ألف حالة تم تصنيفها ضمن «جرائم الحرب» وفقًا لمفوض العدل بالاتحاد الأوروبي. ونُسبت عمليات الإعدام والاغتصاب والتعذيب واختطاف 16 ألف طفل إلى روسيا أو إلى منطقة خاضعة للسيطرة الروسية، حسب كييف – إلى القوات الروسية، التي اتهمها محققو الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر الماضي بارتكاب جرائم حرب واسعة النطاق. واتهمت أوكرانيا بدورها في عدة مناسبات بارتكاب جرائم حرب ضد سجناء روس. وستظل هذه الحرب مرتبطة بصور جثث لمدنيين، بعضهم مقيد الأيدي خلف ظهورهم، متناثرة في أحد شوارع بوتشا، بالقرب من كييف، بعد انسحاب القوات الروسية منها في نيسان/ابريل. وقد فتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقا في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في أوكرانيا منذ بداية آذار/مارس الماضي.
من جهة أخرى، أكدت الأمم المتحدة أن حوالي 10 ملايين شخص اضطروا بالفعل إلى الفرار من بيوتهم في أوكرانيا منذ بداية الحرب، تم الترحيب بغالبيتهم في دول الاتحاد الأوروبي، في مقدمتها بولندا المجاورة.
أسلحة ثقيلة وطائرات مقاتلة
في ظل التطورات الميدانية الأخيرة، وبينما يشتعل القتال هذه الأيام، لاسيما على الجبهة الشرقية مع معركة باخموت، تزداد مخاوف الأوكرانيين من هجوم روسي جديد واسع النطاق من أجل استعادة السيطرة على الصراع، وذلك بالتزامن مع الذكرى السنوية الأولى لاندلاع الحرب، الأمر الذي دفع كييف إلى تكثيف ضغوطها على حلفائها الغربيين للحصول على ذخائر وأسلحة ثقيلة وطائرات مقاتلة غربية الصنع. في هذا الإطار، زار الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي، قبل بضعة أيام، لندن وباريس، بالإضافة إلى بروكسل حيث كان ضيفاً على القمة التي عقدها قادة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وتعد هذه الجولة الأوروبية، للحصول على السلاح أمام المخاوف المتزايدة من هجوم روسي واسع النطاق وشيك، ثاني زيارة خارجية للرئيس الأوكراني، منذ بدء الحرب في بلاده قبل نحو عام، عقب تلك التي قادته إلى واشنطن في كانون الأول/ديسمبر. غير أن بعض داعمي كييف الغربيين أبدوا حتى الآن حذراً وتحفظاً بخصوص الطائرات والصواريخ بعيدة المدى التي طلبها زيلينسكي منهم لقصف أهداف عسكرية ومدنية داخل روسيا، خشية أن يحوّل ذلك الحرب إلى مواجهة مباشرة بينهم وبين موسكو. وإن كان الرئيسُ الفرنسي إيمانويل ماكرون وعد قبل ذلك بتسليم كييف مدرعات خفيفة لتكون المرة الأولى التي ستتزود فيها القوات الأوكرانية بمدرعات غربية الصنع (حتّى الآن اقتصرت الدبّابات التي حصلت عليها أوكرانيا من حلفائها الغربيين على دبّابات سوفييتية التصميم).
علاوة على الأسلحة الثقيلة والطائرات المقاتلة غربية الصنع التي باتت مطلباً أوكرانيا ملحاً في ظل المخاوف، تتواصل حركة الدعم الدولية غير المسبوقة لكييف، حيث وصلت المساعدة العسكرية المقدمة إليها إلى نحو 84 مليار دولار، من نحو أربعين بلداً، وفقًا لبيانات من معهد كايل للاقتصاد العالمي. وتعد الولايات المتحدة المساهم الأكبر إلى حد بعيد، إذ أنفقت في المجموع أكثر من 40 مليار دولار. ويبدو أن قاذفات الصواريخ الامريكية «هيمارس» ساهمت في التقدم الكبير للقوات الأوكرانية في مناطق خاركيف في الشمال الشرقي، وخيرسون جنوباً. وفي تشرين الثاني/نوفمبر، قرر الغرب تسليم دروع ثقيلة إلى كييف، متجاوزًا خط أصفر روسياً. بالتزامن مع ذلك، تعد واشنطن وحلفاؤها في مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي بمواصلة العقوبات غير المسبوقة ضد موسكو رداً على حرب يعتبرها الغرب «غير مبررة». وثمة اليوم حديث لدى حلفاء كييف عن اعتماد حزمة جديدة من العقوبات تزامناً مع الذكرى السنوية الأولى لهذا الغزو، الذي أحدث اضطرابات جيوسياسية كبرى على الصعيد العالمي.
أزمتا الطاقة وإمدادات الحبوب
غير أن هذا الصراع المستمر منذ عام والعقوبات الاقتصادية التي فرضت على موسكو تسببا في تغيير عميق وأزمة حادة على مستوى سوق الغاز والنفط، لاسيما بالنسبة إلى الأوربيين، بصفتهم أكثر المعتمدين على الغاز والنفط الروسيين. وضاعف من أزمة النفط فشل الرئيس الأمريكي ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون وقادة غربيون آخرون في اقناع البلدان النفطية الخليجية، لاسيما المملكة العربية السعودية، برفع إنتاجها من الذهب الأسود للحيلولة دون ارتفاع أسعاره في هذه البلدان، بعد العقوبات الغربية ضد موسكو، وحتى لا تستفيد هذه الأخيرة من هذا الارتفاع في أسعار المحروقات لتمويل حربها على أوكرانيا. كما أدى إغلاق الموانئ الأوكرانية جراء هذه الحرب، إلى ترك حوالي 20 مليون طن من الحبوب عالقة في الصوامع، الأمر الذي أدى إلى أزمة غير مسبوقة في إمدادات الحبوب العالمية. وفي الـ22 من تموز/يوليو عام 2022 مكن اتفاق إسطنبول لتصدير الحبوب بين روسيا وأوكرانيا بإشراف الأمم المتحدة ووساطة تركية من الحد من أزمة الغذاء العالمية الخطيرة هذه والناجمة عن الغزو الروسي لأوكرانيا. لكن اليوم، وبعد نحو سنة، وعلى بعد خمسة أيام من استدال الستار على العام الأول للحرب في أوكرانيا، تؤكد الأمم المتحدة أن اتفاق الحبوب «في وضع صعب» آملة في أن يتم تجديده في منتصف آذار/مارس المقبل.
والحقيقة أن الاقتصاد الروسي ما يزال صامداً بعد نحو عام من العقوبات غير المسبوقة من واشنطن وحلفائها الأوروبيين، بل إنه يبدو أفضل حالا أكثر مما توقعت المنظمات قبل أشهر، إذ يُظهر ركوداً طفيفاً (- 2 في المئة فقط) في عام 2002 يتوقع أن يكون في المنطقة الخضراء هذا العام أي عام 2023.
اليوم، مع مرور عام على بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، لا يخفي الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قلقه حيال الوضع وما قد تحمله الأيام والأسابيع المقبلة، فيما تبدو الدول الغربية الداعمة لأوكرانيا منقسمة أكثر من أي وقت مضى حيال مستقبل الحرب في هذا البلد. فبعضها، على غرار المملكة المتحدة ودول وسط أوروبا وشمالها وشرقها، تقف بشكل تام خلف كييف بينما يبدو الحذر سيد الموقف لدى دول أخرى في مقدمتها ألمانيا، ومعها تقريبا غالبية دول الجنوب الأوروبي، وذلك بسبب مزيج من التقاليد السلمية والمصالح الاقتصادية. وبين هذين المعسكرين، هناك مجموعة ثالثة من الدول، في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، تشدد على ضرورة تقديم المساعدة لأوكرانيا لكن دون المخاطرة بالتصعيد، وإن كانت باريس تعطي انطباعاً أحياناً بانها تتموضع بين موقفي واشنطن وبرلين.
وبالرغم من عودة شيء من الثقة إلى الأسرة الدولية بعد تجاوز جائحة كورونا التي ألقت بثقلها على العالم كله طوال قرابة ثلاثة أعوام، فإن عدم اتضاح الرؤية بالنسبة إلى مسار الحرب الروسية الأوكرانية من شأنه إضعاف هذه الثقة وجعلها هشة لعدة أسباب واعتبارات منها أن هذه الحرب يمكن أن تقود أكثر من جديد سباقا محموما نحو التسلح بين القوى العظمى والقوى المتوسطة. زد على ذلك أنها تعرقل إلى حد كبير جهود هذه القوى تجاه بلدان الجنوب فيما يخص المساعدات التنموية.