دور تنظيم «الدولة» في تأخير معركة إدلب ثانوي، فالحسابات السياسية الروسية والإيرانية هي الأساس إلى جانب حسابات النظام، وهي التي أوقفت الهجوم على إدلب لمدة عام كامل.
عاد الحديث عن المجلس العسكري المشترك في إدلب إلى الواجهة، بعد انتهاء الجولة 15 من صيغة أستانة والتي انعقدت هذا المرة في سوتشي الروسية في 17 شباط (فبراير) الماضي. وتسعى تركيا إلى حلحلة الوضع المعقد في إدلب، من خلال بلورة مجلس عسكري يدمج هيئة «تحرير الشام» والجبهة «الوطنية للتحرير».
وبدأت الفكرة بتشكيل كتل عسكرية، تبلغ 40 كتلة من كل الأطراف. واختار مسؤولو الملف التركي ثلاثة قادة عسكريين من أبرز القادة الميدانيين في إدلب وهم: القائد العسكري في هيئة «تحرير الشام» المعروف بلقب أبو حسن 600 واسمه الحقيقي مرهف أبو قوصرة وشغل منصب نائب قائد سجن العقاب سابقاً، والنقيب المهندس عناد الدرويش (أبو المنذر) رئيس أركان «الجبهة الوطنية للتحرير» والقيادي العسكري في حركة «أحرار الشام» الإسلامية، والقيادي العسكري في فيلق الشام، محمد حوران.
وتطور مقترح الكتل العسكرية للتفكير بإحداث مجلس عسكري مشترك بقيادة مشتركة من القادة الثلاثة المذكورين أعلاه. وتعثر تشكيل المجلس على الأرض لعدة أسباب أبرزها: الخلاف في حركة «أحرار الشام» والانقلاب على قيادة الحركة من قبل حسن صوفان والنقيب الدرويش، وعدم التوصل إلى حل نهائي حتى مع موافقة مجلس الشورى على حل نفسه، وإيلاء أمر الحركة إلى القائد الجديد عامر الشيخ، المعروف بلقب «أبو عبيدة قطنا» وهو من سجناء صيدنايا (سجن عام 2004 وتعرف هناك على قيادة الحركة) ولاقى القائد الجديد ردود فعل غاضبة من تيار الحركة في منطقة عفرين وريف حلب الشمال، وهو القسم المنضوي بالجيش الوطني.
وتعرضت الحركة إلى هزة داخلية كبيرة بسبب دعم هيئة «تحرير الشام» للتمرد الحاصل والهجوم على مستودعات ومقرات الحركة من قبل جناح صوفان، ويضاف تمسك القيادة التركية في إدلب بالنقيب عناد الدرويش لكفاءته العسكرية وخبراته، فهو خريج الأكاديمية العسكرية، واكتسب خبرات مبكرة بسبب انضمامه للحركة مبكراً.
عملياً، تراجع دور الحركة عن دائرة الفعل منذ هزيمتها إلى جانب «صقور الشام» في أريحا ومحيطها في اقتتال عام 2019 إلى جانب حركة «نور الدين الزنكي» ويعتبر حل مجلس شورى الحركة بمثابة الضربة القاصمة لظهرها، فقد ظل المجلس مرجعية الحركة السياسية والشرعية والعسكرية منذ تأسيسها نهاية عام 2011. ومنه يتم انتخاب القيادة بشكل دائم، وهو الهيئة القادرة على عزل قيادتها. أما اليوم مع حل «شورى الحركة» فهذا يعني غياب المرجعية بشكل نهائي وحصرها بيد شخص واحد، يبدو انه غريب عن واقع الصراع في الشمال إلى حد كبير، إضافة إلى نقص خبرته الواضح، تجلى أول ما تجلى بتعيين «أبو صهيب» أحد أعضاء الفريق الانقلابي قائدا عسكريا للحركة، ما دفع قوات المغاوير في الحركة إلى الخروح منها. وقام القائد الجديد بتعيين «أبو إسلام معسكرات» قائدا للأركان وهو خارج صفوف الحركة منذ عدة سنوات، أعاده حسن صوفان وقت الخلاف إلى الحركة.
وارتفعت أعداد الألوية المتوقعة في المجلس العسكري من 27 إلى 32 مع التحاق قوات النخبة بفيلق الشام وهو ما رفع عدد ألوية الفيلق في المجلس العسكري من 11 إلى 13 لواء. ويتوقع أيضا أن يصل العدد النهائي إلى 34 حسب ما أفاد مصدر قيادي في الجبهة الوطنية للتحرير لـ»القدس العربي». ومن المستبعد أن يتشارك المجلس المذكور بأي علاقة مع الحكومة المؤقتة أو وزارة دفاعها أو جيشها الوطني. وكذلك يرجح أن يبقى الشكل الإداري مقتصرا على المجلس العسكري، ورفض تركيا الحاق المجلس العسكري بحكومة الإنقاذ التي تسيطر عليها هيئة «تحرير الشام» وسيكون كافيا بالنسبة لأنقرة الشكل الحالي في إطار عملية استيعاب.
ويعزز دور هيئة «تحرير الشام» في إدلب، محاربتها تنظيم «حراس الدين» المبايع للقاعدة في عدة مناطق. حيث قام الجهاز الأمني بحملة اعتقالات ضد قادة في «حراس الدين» أبرزهم، أبو هريرة المصري الذي اعتقل في معر تمصرين الشهر الماضي، وهو ابن القيادي البارز والشرعي العام للتنظيم والذي قتل في غارة أمريكية نهاية العام الفائت، واعتقل كذلك أحد قادة التنظيم أبو عبد الرحمن الأردني، ومن بين المعتقلين أبو عبد الله السوري وهو ابن القيادي السابق في جبهة النصرة، أبو فراس السوري.
ويعتبر تفكيك «حراس الدين» من أهم الأعمال التي تسعى تحرير الشام من خلالها لمحاولة تعويمها وشطبها من لوائح الإرهاب الأمريكية والدولية، وملاحقتها لخلايا تنظيم «الدولة الإسلامية» في إدلب والقضاء عليها، إضافة إلى شبهة دورها في مشاركة معلومات حول موقع أبي بكر البغدادي في إدلب مع أمريكا.
وتجنبت الطائرات الأمريكية استهداف قادة «تحرير الشام» منذ أكثر من عامين. ورغم أن قائدها أبو محمد الجولاني مطلوب لواشنطن وخصص برنامج «مكافآت من أجل العدالة» التابع لوزارة الخارجية الأمريكية مبلغ عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن الجولاني، فإن الجولاني يتجول بموكب أمني كبير في المخيمات والأسواق. ووصل الأمر به إلى زيارة أحد مطاعم الفول في مدينة إدلب في عيد الفطر الأضحى الأخير، آب (أغسطس) 2020.
كل ما سبق، يجعل «تحرير الشام» و «فيلق الشام» (الذراع العسكري لحركة الإخوان المسلمين السوريين) مركز الثقل وأصحاب القوة في إدلب. ترى الأخيرة وهي الحركة ذات الخبرة السياسية الكبيرة أن مصير العناصر السورية في تنظيم الجولاني سيرد إليها نهاية الأمر. في حين تختفي قيادة الصف الأول ممثلة بالجولاني وباقي القادة. في حين يراهن الجولاني على قوته الكبيرة ويسعى لتقديم أوراق الاعتماد إلى واشنطن بعد أن نجح في تجنيب نفسه عملية عسكرية ضده، كانت ستشنها تركيا مع رفضه بداية نشر نقاط المراقبة، ثم الموافقة على نشرها في تشرين الأول (أكتوبر) 2017.
وعكفت تركيا منذ أيار 2018 على لملمة فصائل الجيش الحر والفصائل الإسلامية ودمجها في تشكيل «الجبهة الوطنية للتحرير» التي شكلت القوة الأكبر في إدلب، حيث بلغ قوامها 25 ألف مقاتل. وكانت تشكل ثلاثة أضعاف هيئة «تحرير الشام» إلا أنها بقيت حبرا على ورق، ولم تستطع نزع زمام المبادرة في إدلب من يد الجولاني، وضمت 11 فصيلاً، هم «فيلق الشام» و»جيش إدلب الحر» و»جيش النصر» و»الفرقة الساحلية الأولى» و»الفرقة الساحلية الثانية» و»الفرقة الأولى مشاة» و»الجيش الثاني» و»جيش النخبة» و»لواء شهداء الإسلام في داريا» و»لواء الحرية» و»الفرقة 23».
يبقى الاختبار الحقيقي للمجلس العسكري، هو الموقف الروسي والعملية العسكرية المرتقبة على إدلب أو تراجع أسبابها، خصوصا مع الانتباه ورصد عدد من قوات الفيلق الخامس الموالي لروسيا من محيط بلدتي معرة النعمان وسراقب الواقعتين على طريق حلب- دمشق/M5 إلى الشرق على طريق السعن – اثريه – خناصر، للتصدي للهجمات المتزايدة التي يشنها عناصر تنظيم «الدولة» على الطريق وتهديد قوافل النفط الخام التي تنقلها شركة القاطرجي من مناطق شرق سوريا إلى مصفاتي حمص وبانياس، إضافة إلى توسع رقعة هجمات التنظيم في منطقة السخنة والشولا، ونشاط التنظيم مؤخرا في ريف حلب الشرقي في السفيرة ومسكنة وصولا إلى جنوبي الرقة.
يبقى دور تنظيم «الدولة» في تأخير معركة إدلب ثانويا، وتبقى الحسابات السياسية الروسية والإيرانية هي الأساس إلى جانب حسابات النظام. فقد أوقفت تلك الحسابات الهجوم على إدلب لمدة عام كامل منذ توقيع «الملحق الإضافي» لاتفاق سوتشي لعام 2018. ورغم فشل أنقرة بتنفيذ بنود الاتفاق نظرا لما تواجهه من صعوبات ميدانية بسبب وجود التنظيمات الجهادية والهجمات على الدوريات الروسية التركية المشتركة، وعدم نجاحها بفتح طريقM4 فقد تأخرت عملية عسكرية قريبة للغاية لمدة عام كامل. فهل تنجح أنقرة بتأخير الهجوم على إدلب وثني موسكو وطهران عنها؟