عام 1982.. إسرائيل أطلعت الولايات المتحدة أنها لن تتوقف عند الكيلومتر الأربعين في لبنان

حجم الخط
1

بعد مرور أسبوعين على اندلاع حرب لبنان الأولى، التي قامت بها إسرائيل قبل أربعين سنة، التقى رئيس الحكومة في حينه مناحيم بيغن، والرئيس الأمريكي رونالد ريغان، في واشنطن. كانت على الأجندة حاجة إلى إيجاد حل “لمشكلة” اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. اعترف الأمريكيون بأنه يحق لإسرائيل العمل ضد م.ت.ف، التي تمركزت في لبنان بعد أن طردت من الأردن في السبعينيات، ومن هناك ذهبت للقيام بعمليات إرهابية في أراضي إسرائيل. ولكنهم انتقدوا قوة قتال إسرائيل وأقلقهم مصير مئات آلاف الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون في لبنان كلاجئين منذ طردهم أو هربهم من إسرائيل في 1948. فحص ريغان إمكانية دمج اللاجئين الفلسطينيين في المجتمع المحلي اللبناني وتحويلهم إلى مواطنين لبنانيين. “الجزء الأكبر من هؤلاء الفلسطينيين غير تابعين لـ م.ت.ف. إذا وعدتهم حكومة لبنان بأن يكونوا مواطنين، أليس هذا بحل؟” تساءل ريغان. “في نهاية المطاف، هم موجودون في بلاد أخرى”، أضاف. بعد ذلك، قال: “لقد سمعت بأن من يريدون أن يكونوا جزءاً من المجتمع اللبناني يمكنهم فعل ذلك”.

السفير الإسرائيلي في أمريكا، يهودا بلوم، أجاب: “في لبنان مشكلة توازن ديني”، وإذا أعطيت مكانة دائمة للاجئين الفلسطينيين سيختل التوازن لأن معظمهم مسلمون. “أتفهم لماذا لن يوافق لبنان على إعطائهم مكانة دائمة”.

وأجاب بيغن بأن هناك 350 – 400 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان، 15 – 20 ألفاً “إرهابيون منظمون ولديهم سلاح ثقيل”. وفي تطرقه للاجئين قال إن “جزءاً منهم يجب أن يغادر لبنان”، أوضح. “هذه بلاد صغيرة”. واقترح إرسالهم إلى دول عربية أخرى. “ليبيا تقول بأنها صديقة لـ م.ت.ف، وهذه بلاد كبيرة. فلماذا لا تأخذهم؟ العراق بلاد ضخمة مع موارد كثيرة، ومياه ونفط، فلماذا لا يذهبون إلى هناك؟”، قال بيغن. “العراق فارغ وسوريا فارغة”، أضاف بعد ذلك. السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة موشيه آرنس، تدخل وقال: “من المؤسف أن دولاً عربية معينة غير مستعدة لاستيعاب عدد كبير من اللاجئين. السعودية وسوريا ودول أخرى يمكنها فعل ذلك”. وتساءل الرئيس ريغان: “هل يمكن إيجاد رد إلى أن يتم إيجاد حل نهائي للمشكلة؟”. على ذلك أجاب بيغن: “يمكن إيجاد الحل إذا كان هناك استعداد لذلك”. بعد ذلك، عاد إلى الاقتراح بأن ينتقل الفلسطينيون إلى بلدان أخرى. “للدول العربية مساحات ضخمة ومياه ونفط ومليارات الدولارات”، قال.

بعد ذلك تطرق إلى أزمات لاجئين مختلفة من التاريخ لتعزيز أقواله بوجوب “إعادة توطين” الفلسطينيين. وتحدث عن ملايين الألمان – الأصليين (فولكسدويتشا) من بولندا، الذين تحولوا في نهاية الحرب العالمية الثانية إلى لاجئين، و”تمت إعادة توطينهم” في ألمانيا. “إعادة التوطين هي الطريقة الإنسانية والطبيعية لحل مشكلات اللاجئين”، قال. “حدث هذا أيضاً في أماكن أخرى من العالم، مثل باكستان والهند وتركيا واليابان، وفي كل مكان”.

في نهاية أقواله تطرق بيغن أيضاً لليهود في الدول العربية الذين تم استيعابهم في إسرائيل بعد أن هربوا وطردوا أو غادروا بلادهم في فترة حرب الاستقلال. “استوعبنا 800 ألف يهودي من الدول العربية. هم مواطنون جيدون ومخلصون ويعملون بجدية”، قال. النقاش لخصه ريغان بسؤال بقي بدون إجابة: “هل توقف أحد ليسأل هؤلاء الفلسطينيين؟”.

       تجاوز الخطة

جرى هذا النقاش في 21 حزيران 1982 في البيت الأبيض. تم نسخ المحضر باللغة الإنجليزية ورفع مؤخراً في موقع أرشيف الدولة، كجزء من ملف وثائق يضم مئات الصفحات، ويوثق المحادثات واللقاءات التي جرت بين إسرائيل والولايات المتحدة حول حرب لبنان الأولى. جزء من الوثائق في الملف نشر في منصات مختلفة في السابق. كشف الملف الكامل بناء على طلب المسؤول عن أرشيف الدولة السابق، الدكتور يعقوب ليزوفيك، في إطار مشروع بحثي له في مركز تاوب للدراسات الإسرائيلية في جامعة نيويورك.

في 5 حزيران 1982 قررت الحكومة الإسرائيلية شن الحرب. كانت صيغة القرار كالآتي: “لقد قررنا أن نلقي على الجيش الإسرائيلي مهمة إخراج جميع سكان الشمال من مرمى نيران الإرهابيين الذين يتركزون مع قياداتهم وقواعدهم في لبنان”. الهدف الذي اختاره قادة الدولة هو احتلال المنطقة التي تبعد 40 كيلومتراً شمالي الحدود مع لبنان.

بعد يوم اندلعت الحرب. الهدف الرسمي كان عملية محدودة في الوقت والنطاق، التي هدفها إبعاد المنظمات الإرهابية التي أطلقت قذائف الكاتيوشا على المستوطنات في الشمال، التي انطلقت من لبنان لتنفيذ عمليات دموية في أراضي إسرائيل. كان للرقم 40 كانت أهمية كبيرة. في 6 حزيران عاد بيغن وكرر هذا الرقم في الرسالة التي أرسلها إلى ريغان. في 8 حزيران أعلن بيغن أيضاً في نقاش في الكنيست بأن إسرائيل ستوقف القتال بعد أن تبعد إرهابيي م.ت.ف إلى مسافة أربعين كيلومتراً عن الحدود.

رغم ذلك، الحرب لم تتوقف فعليا عند الكيلومتر الأربعين، بل تواصلت حتى بيروت، واحتلت إسرائيل تقريباً نصف الأراضي اللبنانية. الانحراف عن خطة احتلال أربعين كم كانت السبب الرئيسي للخلاف الجماهيري حول الحرب، والانتقاد الذي وجهته الولايات المتحدة لإسرائيل، وأيضاً الانتقاد الداخلي في إسرائيل.

أساس هذا الانتقاد وجه بعد ذلك نحو وزير الدفاع اريئيل شارون بذريعة أنه خطط من البداية لشن حرب هدفها طموح أكثر من خط الأربعين كيلومتراً، والتوصل إلى “نظام سياسي” جديد في لبنان يحتل المسيحيون، الأكثر “راحة لإسرائيل”، في إطاره، الحكم في الدولة، بعد أن يحتل الجيش الإسرائيلي بيروت. وقال المنتقدون إنه بهذا كما يبدو ضلل الجمهور والكنيست والحكومة.

 ثمة تطرق مهم لهذه القضية في الصفحة الأولى في محضر النقاش في البيت الأبيض الذي جرى في 21 حزيران 1982. في بداية النقاش، أخذ الجنرال يهوشع ساغي، رئيس الاستخبارات العسكرية في فترة حرب لبنان الأولى، الحق في التحدث، وتبين من أقواله أن ساغي ناقض الموقف الرسمي الذي يقول بأن إسرائيل خططت في الأصل للتوقف عن الكيلومتر الأربعين و”انجرت” لتوسيع الحرب من خلال المعارك.

“بدأت الحرب بهدف إبعاد مدى صواريخ الكاتيوشا عن مناطقنا الحدودية. لم نعتبر الخط 40 هو الخط النهائي”، قال ساغي. وحسب قوله، فإن مدى السلاح الذي كان في حينه لدى م.ت.ف هو أبعد من 40 كم ووصل إلى 50 – 55 كم، “إذا وضعناه على التلال”. في الوقت نفسه، لم يكن هناك أهمية كبيرة لهذا التحديد، حيث تجاوزت إسرائيل أصلاً منذ فترة الكيلومتر الأربعين مثلما فهم في الوقت الصحيح أيضاً الرئيس ريغان، الذي انتقد إسرائيل حتى في 9 حزيران على تجاوز الخط بكثير في الرسالة التي أرسلها إلى بيغن.

       سلاح سوفييتي قرب صيدا

بعد ذلك، برر بيغن شن الحرب وذكر بالعمليات الدموية التي نفذها مخربون فلسطينيون انطلقوا من لبنان نحو إسرائيل في السبعينيات، من بينها عملية في “معلوت” وعمليات في نهاريا وعملية الشاطئ “الحافلة الدموية”. اتهم بيغن الاتحاد السوفييتي بتسليح الفلسطينيين في لبنان وقال إنه “حول لبنان إلى قاعدة تسليحه في الشرق الأوسط”، وأن إسرائيل تفاجأت من كمية السلاح السوفييتي الموجودة في لبنان. “وجدنا عشرة أضعاف كمية السلاح التي توقعتها أجهزتنا الاستخبارية. وجدنا قرب صيدا سلاحاً سوفييتياً بكمية تحتاج إلى ستة أسابيع وعشر شاحنات كبيرة لإخلائها”. وفي التطرق لتهديد الكاتيوشا، فصل بيغن: “منذ أن حصلوا على سلاح بعيد المدى من الاتحاد السوفييتي، والكاتيوشا تهدد كل إصبع الجليل. لقد أخذوا كل سكاننا في الجليل رهائن. الناس يعيشون في إرهاب مستمر للموت فجأة”. وأكد في أقواله على الخوف من صواريخ الكاتيوشا، وقارن ذلك بالحرب العالمية الثانية، التي استخدم فيها الروس هذا السلاح ضد الألمان. “في ستالينغراد خاف الألمان من صواريخ الكاتيوشا أكثر من أي شيء آخر”، وأضاف: “من لم يعش تجربة الكاتيوشا لن يفهم الإرهاب، هناك صفير يعقبه انفجار فجائي”.

 وأضاف بيغن بأن عشرات آلاف الإسرائيليين في عشرات المستوطنات كانوا تحت هجمات نيران الكاتيوشا و”قد طلبوا منا وضع حد لذلك”. وقد انتقد استخدام ريغان لكلمة “غزو” في تطرقه لدخول الجيش الإسرائيلي إلى لبنان، وقال: “هذا تضليل مطلق، لقد ذهبنا لمحاربة عصابات مسلحة من بلد مجاور تهاجم مواطنينا. هذا حق في الدفاع عن النفس”. في إجمالي أقواله، قال للرئيس الأمريكي بأن إسرائيل لا تدافع بهذا فقط عن مواطنيها، بل تقدم “خدمة كبيرة أيضاً للعالم الحر”.

بقلمعوفر اديرت

هآرتس 3/6/2022

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية