عايدة صبرا: مسرح وجدي معوّض متميز بالأفق الممتد وأنجزت مهمتي وأثبتُّ مهنيتي

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بدأت رحلة مهنية جديدة من مونتريال بعروض مسرحية وتعيش طمأنينة الهجرة

بيروت ـ «القدس العربي»: عندما طردت الأزمات المتفاقمة حديثاً آلاف اللبنانيين إلى خارج وطنهم كانت الممثلة عايدة صبرا وزوجها الزميل زكي محفوض من بينهم. استقرا في مونتريال التي سبق وعاشا فيها لخمس سنوات في بداية التسعينيات. سرقة أموال الموديعين كانت أمراً مقلقاً ومخيفاً وعاملاً حاسماً في القرار. عايدة صبرا الآن تعيش طمأنينة نفتقدها جميعاً في لبنان، وبإيجابية تامة تبحث عن فرصة في عالمها الجديد.

السعي ومعه الاحترافية جعلا عايدة صبرا حاضرة في أكثر من عمل. إنما نقلتها النوعية كانت مع الفنان اللبناني وجدي معوض في مسرحية «الأم» التي افتتحت في تشرين الثاني/نوفمبر 2021 في باريس، واستمرت في مدن أخرى في العام 2022. في فرنسا تلقت الممثلة اللبنانية التي أدّت دور والدة وجدي معوض ثناء من الإعلام، ومن الممثلين أمثال جولييت بينوش. وحفل بريدها الخاص برسائل من مخرجات ومخرجين وممثلات وممثلين فرنسيين، ومن الجمهور الذي قال فيها الكثير. لكنّ عايدة صبرا ممثلة تتكلّم بالعمل، وليس بفتح دفاتر الشهادات. معها هذا الحوار من مونتريال:

○ هل منحتك هجرتك الكندية نعمة نسيان الأسباب التي أبعدتك عن لبنان؟
• بالطبع لا، ففي النسيان ألم مكبوت. للهجرة سلبيات وإيجابيات. تتمثل الإيجابيات بالإحساس بحضور الدولة والقانون. تتاح للمهاجر فرصاً متعددة، وتحديداً عندما يكون في عمر صغير. وسلاح المهاجر في عمر كبير امتلاكه لمهنته، خاصة إن كانت في مجال الفن. ومع ذلك ليس سهلاً أن تُقلِّع المسيرة مجدداً. تتيح كندا الفرص للعودة إلى التحصيل الجامعي لكافة الأعمار، وفرص العمل للمتقدمين في العمر.
○ بين أن تكوني مواطنة أو مهاجرة كم تختلف المشاعر؟
• بمقارنة مع نموذج لبنان فقد بات أحدنا غريباً في وطنه. حاولنا كمواطنين أن نصنع مواطنتنا. يهاجر الإنسان إلى بلد يمتلك مواصفات للحياة التي يمكن إن يكملها بالحد الأدنى من العيش الكريم. في واقع لبنان الحالي نشعر بأننا «مرميين» وحدنا، وعلينا أن نكافح للبقاء، وازدادت الأمور سوءاً بعد سرقة أموال الناس، فبعضهم يجوع، وبعضهم الآخر يموت على أبواب المستشفيات. السؤال إذاً ما هي المواطنة إن لم تؤمن الدولة المتوجب عليها؟ يقوم المواطن بواجباته عندما تحترمه الدولة وتعطيه حقوقه. إذاً بين المواطن والدولة عملية تبادلية.
○ هل الإنتماء للمكان والجذور قصيدة شعر ونوستالجيا أم حاجة؟
• الهجرات الحالية لم تعد تتواءم مع الشعر. الحنين لا يهجرنا، إنما بعيداً عن اللطميات، فتواصلها يحتاج لجهود، وللهجرة في حاضرنا بعدها الآخر. وبالنهاية ينتمي أحدنا للمكان الذي يُشعره بالأمان.
○ ذكرت أن كندا تمنح الإنسان أفقاً مفتوحاً. هل لديك طموح للاستفادة مما هو متاح؟
• أنا في سعي دائم. خبرتي المهنية أنجزتها في لبنان، وبالتالي ليس سهلاً دخول هذا العالم في بلد جديد، وتأسيس خط خاص بي. لا أقول مستحيل، بل هذا يستدعي الكثير من الجهد والسعي، وليس انتظار الفرصة لتصل وحدها. ففي العام الماضي أنجزنا عملاً مسرحياً في مونتريال مع صديقة قديمة، فشكّل استكمالاً للمسار. إذاً بطريقة أو بأخرى أسعى لمتابعة المسار الذي أسسته لنفسي في بيروت.
○ وماذا في تفاصيل هذه المسرحية؟
• كنا ما نزال في مرحلة كوفيد سنة 2020 والمسرحية كُتبت بالفرنسية والإنكليزية وتمّ عرضُها أونلاين نظراً للإقفال القسري للمسارح «الكاتبتان:n Hoda Adra et Kalale Dalto وعنوان المسرحية abibi’s Hangels . وفي العام 2022 قدمت عرضاً مسرحياً عنوانه «كرز» مع الصديقة الكاتبة والمخرجة السورية عليا خاشوق. عرض قريب من المونودراما برفقة جوقة، أقول نصّي بالفرنسية، في حين تقدّم الجوقة نصّها بالعربية. الممثلة يارا صبري تولّت تدريب الجوقة. إنها مسرحية تغوص في أعماق الألم الأنثوي، والمعاناة الناتجة من العنف الزوجي المتوارث من الجدّة إلى الأم إلى البطلة الزوجة. أجيال متعاقبة من النساء تذوقن مرارة العنف بكافة أشكاله. لم تضع المسرحية الرجل بمفرده في دائرة المسؤولية، فالمرأة المعنّفة الراضخة سبب مهم لاستمرار الواقع المر.
○ وماذا بعد؟
• أنجزت تصوير فيلمين قصيرين مع شابين من لبنان أحدها عُرض في مهرجان الفيلم اللبناني في مونتريال، وقدمت عرضاً إيمائياً للأطفال مع رانيا الحلو في المهرجان اللبناني الذي يقام في لافال. وأعمل حالياً لتسويقه في مونتريال، حيث قدمته في المركز الثقافي الذي يتبع له سكننا العائلي، بعد ترحيب مسؤولته بفكرة العرض الإيمائي لجمهور من تلامذة المدارس. نجحت العروض، وتحمّست للسعي كي يُصار لعرضه في مزيد من المقرات الثقافية وأماكن أخرى.
○ إذاً استاذ البدايات في فن الإيماء فائق حميصي رافقك إلى كندا؟
• طبعاً، خاصة وأن هذا الفن ليس منتشراً. وقد بنيت هذا العرض على تفاعل كبير مع الأطفال. وكل عرض يتبعه محترف اُعلِّم خلاله الأطفال كافة التقنيات التي تضمّنها العرض.
○ وعرض «كرز» من كان جمهوره؟
• في البداية كان الجمهور بغالبيته من الجالية العربية وقلة من الجمهور الـ«كيبكوا». ولأننا قريباً سنعرض في مركز ثقافي فإن الإعلان عن العرض سيكون لجمهور الـ«كيبكوا».
○ قدمت «الأم» مع وجدي معوض نصاً وإخراجاً عرض مسرحي نقلك إلى العالمية. هل أنت في مرحلة جديدة من حياتك الفنية؟
• بدون شك التعاون مع وجدي معوض يشكل نقلة نوعية في عملي نظراً للمهنية والاحترافية التي يتميز بها، والتي نفتقدها في بلدنا، ولا شك أن الامكانات المتاحة له في المسارح التي يعمل بها مختلفة. مهنياً يتميز وجدي معوض بالأفق الممتد، ويتيح للممثل أن يكون مشاهداً بنسبة أكبر من قبل محترفين في السينما والإخراج والتمثيل. فقد حضرت أحد العروض جولييت بينوش، وإيرين جاكوب وزوجها جيروم كيرشير، وغيرهم من المبدعين. وهذا الحضور في فرنسا فرض تقييماً فنياً ومقارنة مع الممثلين البارعين في فرنسا، وكان المطلوب إنجاز المهمة على أكمل وجه لإثبات الذات والقدرات المهنية التي جنيتها خلال عملي الطويل.
○ هل التقيت بعضاً من الممثلين الفرنسيين الذين حضروا العرض؟
• نعم. الممثل جيروم كيرشير الذي يُعتبر من أهم الممثلين في فرنسا إلى جانب زوجته إيرين جاكوب التي سبق ونالت جائزة في مهرجان كان. لجيروم كيرشير حضور متعدد في مسرح وجدي معوض، وفي الكواليس صافحت الراحلة جاين بيركين التي سبق وقدمت عملاً مسرحياً مع وجدي معوض، عرض في لبنان ضمن فعاليات مهرجان سمير قصير، في حين اتصلت جولييت بينوش بوجدي معوض هاتفياً لتقول رأيها. وتلقيت رسائل تقدير من مخرجين فرنسيين وصلتني عبر «أينبوكس» وكذلك من عدد من الممثلات.
○ ماذا قيل لك؟ هل سمعت ما لم نقله في لبنان عن حرفية عايدة صبرا كجمهور وصحافة؟
• صعب أن أكرر ما سمعته وقرأته تلافياً للوقوع في تمجيد الذات. أكتفي بالقول أنه إجماع على الأداء المتميز، وهذا ما أفرحني جداً. أعمل بجد واحترام كما يفرضه أي عمل في الحياة، ولا أعمل لأستمتع بالثناء، أحب مهنتي وأتعامل معها بمسؤولية كبيرة جداً. بعض الثناء الذي وصلني في فرنسا وخاصة من ممثلين مشهورين لم أسمعه في لبنان. وصدقاً الصحافة في لبنان لم تُقصّر معي، إنما الوسط المهني لم يكن سهلاً مطلقاً.
○ هل كان وجدي معوض متطلباً كونه حيال سيرة ذاتية وأنت في دور والدته؟
• كان العمل متواصلا من 10 صباحاً إلى 6 مساء طيلة شهر حزيران/يونيو من سنة 2021 وتضمنّ ارتجالات على عناوين يحددها المخرج. كل ممثل كان يتحدّث عن عائلته، وهو بدوره حكى تفاصيل عن عائلته. جلسات الارتجال تلك كانت ضرورية ليستخلص كمخرج، ونستخلص كممثلين أشياء نحتاجها للتمثيل ولمنهجية التفكير. صوّر المخرج هذه المرحلة من التمارين واسطفى بعض المشاهد. وانطلق في الكتابة وأرسل للممثلين مشهدين فقط، فليس من عادته إرسال النص كاملاً. وراح يكتب نصه مع الوقت، ويرسل لنا ما يكتبه خلال التمارين بالفرنسية ونترجمه للعربية. فمسرحية «الأم» باللغتين العربية والفرنسية، و90 في المئة من دوري بالعربية. ولعبت دور ابنتي الممثلة اوديت مخلوف معركش وكانت مشاهدنا المشتركة باللغة العربية، وكذلك الطفل الصغير. أما دور كريستين أوكرينت المذيعة المشهورة في عقد الثمانينيات والتي كانت تقرأ أخبار لبنان بالفرنسية، فمشاهدنا المشتركة معها بالفرنسية. دور وجدي معوض جميعه بالفرنسية لأنه لا يعرف العربية. قبل بلوغ موعد العرض يغير وجدي معوض كثيراً في نصه. أسلوب عمله ممتع جداً، ويمتاز برغبة كبيرة في الاستماع إلى الممثلين، متواضع ويحترم رأي الآخر، كما يلتزم بوجود فريق عمل المسرحية منذ لحظة التمارين الأولى، وفريق العمل هو مهندس ومنفذ الصوت، والدراماتورج، ومساعدة المخرج، ومصمم الملابس، والسينوغراف، ومنفذ الديكور وغيرهم. فريق من حوالي 20 شخصاً تواجدوا منذ اليوم الأول لبدء التمارين. وكان وجدي معوض يطلب رأي كل من فريق العمل بما شاهدوه، ويدون ملاحظاته، ويستمر مستمعاً دون أي تعليق. مخرج يفتح الأبواب ليكون كامل فريق المسرحية مشاركاً معه في العمل من خلال الاقتراحات.
○ ماذا عن أمومة جاكلين التي يصفها وجدي بالعصبية والمتهورة. وكم تشكل نموذجاً لأمهات الحروب في لبنان؟
• بالطبع هي نموذج. فالكثير من الآباء أجبرتهم الظروف على السفر للعمل في الخليج العربي وعائلاتهم تعيش الحرب في لبنان، فيما انقلبت الصورة مع آخرين كما عائلة وجدي معوض حيث تركت الأم وأطفالها إلى فرنسا واستمر الأب يدير أعماله في لبنان. كانت الظروف ضاغطة خاصة مع عدم توفر هاتف للتواصل والاطمئنان. والدة وجدي معوض كانت تخشى أن يخسر أبناؤها ثقافة بلادهم، لينخرطوا في ثقافة مختلفة تماماً، خاصة وأنهم كعائلة كانت لهم حياتهم الجميلة جداً في لبنان، تركوها للعيش في شقة صغيرة في باريس.
○ في حالات الحرب الأمومة ضعف أم قوة؟
• أكيد قوة. والقوة في التصدي لدوري الأم والأب معاً. صحيح والدة وجدي معوّض متوترة، والسبب أن زوجها كان في لبنان يعيش في خضّم الحرب والقصف وكذلك عائلتها الممتدة، وهي بعيدة ليس بيدها حيلة للاطمئنان مع ندرة الخطوط الهاتفية حينها، وكانت النهاية بدمار وسرقة مصدر رزق والد وجدي في لبنان، والذي تلاه سلخ قسري للجميع إلى كندا.
○ كم استمرت العروض في مسرح لا كوللين؟
• في سنة 2021 قدمنا 40 عرضاً بدءاً من تشرين الثاني/نوفمبر وإلى أواخر كانون الأول/ديسمبر. وفي سنة 2022 قمنا بجولة على أربع مدن فرنسية، إلى جانب مدينة في بلجيكا، وبعدها قدمنا 23 عرضاً في مسرح لا كوللين.
○ وهل من برمجة جديدة لعروض مقبلة؟
• سنتابع جولة العروض في العام 2024 بينها عروض في ثلاث مدن فرنسية، وكذلك في مدريد. وثمة مواعيد أخرى لم تؤكد بعد.
○ ماذا عن يومياتك في مونتريال؟
• البال مأخوذ على الدوام بالبحث عن جديد بحيث لا يطول الوقت غير المثمر، ففي حالات عدم الالتزام المهني يتوجه اهتمامي نحو ولديّ وأضاعف إعداد الطعام خاصة خلال فصل الشتاء، أشعرها مهمة جميلة و«ع قلبي أحلى من العسل» وأنا في محاولة لكتابة نص ليس لي تحديد نوعه بعد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية