عباس الزهاوي… تأملات تشكيلية في مرآة الذات والطبيعة

حجم الخط
0

أقامت مؤسسة هواجس للثقافة والفنون مع فناني السليمانية /العراق وعلى قاعة فناني السليمانية قاعة (ته وار) يوم الأحد المصادف 1/ 6 / 2025، معرض الفنان عباس الزهاوي، والفنان الزهاوي يقدم دائماً أعمالا متنوعة في صياغتها، وهو ينتمي إلى المكوّن الذاتي والموضوعي بتوازن وثراء مستمرين؛ ولعل أهم خصائصه التنوّع والحرفية والحساسية الفنية في استخدام اللوّن والخط، ثم قدرته على توظيف الرموز بما يواكب نظرته الجدلية للواقع. كذلك تعامله مع ما يرى بوجهة النظر والانطباع الذاتي. فهو غير معني بنقل المشهد، بقدر ما ينقل المشهد الذي يراه الفنان بعين ثالثة، خالقاً عالماً آخر يُثير جدلية لحظة التلقي.. فهو إنما يحاور (الطبيعة، الرموز، والصراعات الدائرة، فن التجريد) من منطلق ذاتي، بمعنى يؤسس لهويته الفنية، التي تتطلب رؤى قارّة تنتمي إلى الفكر، وتعمل على صياغة الجمال لما هو مطروح على سطح اللوّحة. فالرائي الفاحص والمتأثر بمحتواها يُدرك بحسية عالية مدارات اشتغال الفنان، فلا يُفرّط بالصغيرة من السمات على حساب الكبيرة.

فاللوّحة لديه وحدة متكاملة ومتماسكة ومتناسقة، تتظافر على سطحها الأجزاء مع ما هو مركزي. لذا فمنهج قراءتنا يكون ضمن الآفاق التي أنتجت المعنى العام لفنه، الذي دفعنا إلى استحداث تقسيمات نقدية أساساً، لأنها تُعطي لخاصيات كل منحى فني قدرته الفنية على توصيل الرؤى الفكرية واستقلاليته بتوظيف الفكر لصالح الفن. فليس نقل سمات الطبيعة لوحده يُحدث وينتج فناً، بل ثمة وحدة محركة، ونعني به الفكر الجدلي الذي يعمل به الفنان ويحاور ذاته، فالفنان الانطباعي مثلاً، ليس ناقلاً لما يرى ويُشاهد، بل يُخضع كل هذه الرؤية ويُديرها مختبر ذاتي اللوّحة، يمتلك مختبراً فنياً واسع المساحة، ما أعانه على هذا الإثراء الدال على تنوّع وتخصيب الرؤى الفنية والموضوعية.
وبذلك يمكن توصيف الفنان عباس الزهاوي؛ كوّنه مولعا باللوّن وتنوعاته وتموّضعه بما يحفز مكوّنات اللوّحة على التفاعل والتجدد والعطاء الدلالي. ومن المنطلق الفني هذا يحقق ما تصبو إليه نظرته ورؤيته للواقع. إنه يتعامل مع اللوّن باعتباره رمزاً دالاً على مجموعة رؤى يستعين بها لكشف الوقائع، خلال تواصل الحراك في الوجود، سواء كان هذا منبعثاً من عوامل موضوعية ـ ذاتية، أو جمالية خالصة، فهو يزيد من جمال الموجودات ويمنحها فرصة التمدد والتجدد، بما يوحي بفيض الرؤى الفنية. وألوانه لا تُحدث زحمة زائدة ومضيّعة للمعنى، بقدر ما تُكثف الدلالة عمقها وقوة مفردات الواقع على منحنا قوة ذاتية لمقاومة التسلط بكل أنواعه وأشكاله، فهي ألوان محايدة ومعبّرة وقوية ذاتياً، لأنها نتاج عمق فكري، وعبرها ينتج مجموعة رموز تمنحنا رؤى أُسطورية. إن البناء الأُسطوري للوّن والخط ينبعث أساساً من كثافة الرؤى التي يمتلكها الفنان أو الكاتب. وبهذه الرؤية يستطيع خلق النص المقروء أو المرئي من الإمساك بمركز أُسطورته. فالمبدع من يخلق أُسطورته التي هي أُسطورة زمانه ومكانه، لاسيّما أن واقعنا يتواصل بحدة تناقضاته وصراعاته المدمرة، محدثاً تقارباً بين ما هو واقعي وما هو أُسطوري؛ الأمر الذي سحب النظر والحس الإبداعي باتجاه خلق صيرورة جديدة معبّرة عن جوّانية المشهد، وليس ما مكشوف منه. فالفنان في هذا الضرب من الاشتغال، سعى ويسعى لخلق عالمه الخاص، مستعيناً بوسائله القارّة ذاتياً.

خيّول الزهاوي النافرة

حين يدور الحديث عن الخيول كرمز قار، يُذكر الفنان فائق حسن. فنقول (خيول فائق حسن). وهو قول تحكم فيه الزمان والمكان بأصالة شكّلت حيّزه النقدي على مرّ الأزمنة، وهي خاصية جمالية شديدة الارتباط بزمنها العابر خلال فكر الفنان. وهنا يمكنني عبر نظراته المتوالية للخيول، التي احتوتها لوّحات الزهاوي؛ أقول (خيول الزهاوي) ونافرة؛ كوّنها لا تميل إلى السكون، وإنما تطلق طاقات أجسادها وسط فيض من فضاءات مكانية تحت غطاء سماوي صافٍ. منطلقاً لا من اعتبارات مباشرة أحدثها الانطباع السريع، بقدر ما خلقتها النظرة الفاحصة لمتعدد متحرك. بمعنى الخيول في اللوّحات امتلكت حراكاً معبراً عن ظواهر تتعلق بالفكر حصراً مزيجاً بالفكر الفلسفي، الذي يمكن خلق أيقونة كلامية تقول (أنا متحرك إذن أنا موجود). فخيول اللوّحات لا تستقر على حال، بقدر ما تثابر وتواكب المبنى الفكري لخلق وسائل وعلامات تعبير عما يجري. فالقوة التي يمتلكها الجسد هنا قابلة على ترصين التعبير. فالحصان رمز راسخ في المخيّلة الفردية والجمعية، لذا يجري التعامل معه على أساس قدرته على خلق المعاني. فهو يدعو إلى استعارات متعددة. وتلك هي حيوية الرمز وأُسطورته، من أنه غير مستقر ومنتج لمعانٍ متعددة.
تبدو خيول الفنان على تمّاس بالظواهر، فهي بديل تعبيري ألفه النتاج الإنساني عبر أزمنة سحيقة. وقد تبلوّر في الأزمنة القديمة بالمبالغة في رسم الجسد، وأقرب مثل على هذا ضخامة المدارات الأنثوية في المنحوتات القديمة. وهو تأكيد رمزي عن الأُمومة والعطاء والتخصيب التي تمتلكها الأُنثى في الحضارات القديمة. والفنان المعاصر يعمل على خلق رموزه أيضاً عبر ابتكار أشكال من التعبير لرمز واحد قارّ. والزهاوي يوظف الحصان من منطلق تعدد الأشكال من الحركة. وبهذا أنتج مجموعة أساليب تعبير قادرة على الإحالة إلى ظواهر، بمعنى أضفى حيوية على رمز هو أساساً حيوي ومتحرك الدلالة.
إن بنية الفنان الفكرية تلعب دوراً في تطوير دلالة الرمز، خلال اختيارات متعددة خاضعة لرؤى فكرية. وهذا الذي خلقه الفنان أعطانا حالات مختلفة ضمن منظومة تُشير إلى دوافع فكرية. فالفنان ومنتج النص ينظر بعين فاحصة إلى ما يجري في زمانه ومكانه، لكن الذي يميّزه ذاتياً هو خلق علاماته التي تُميّزه عن أقرانه من جهة، ومن جهة أُخرى، يمنحنا عطاء زمانه ومكانه. وتلك هي خاصية حركة الأزمنة التي تخلق أجيالا ضمن مقولة (أنت لا تدخل النهر مرتين). أي أنه تعامل بديالكتيك مستمر ومتواصل مع مستجدات الأزمنة. والخيول واحدة من الرموز التي وظفها الفنان لصالح فكره. كان حراك محتويات اللوّحات للخيول وبحساب حراكها كالتالي:


ـ التطلع بشموخ نحو الأمام، أي باتجاه المستقبل. وهي سمة تنفي الخضوع والضعف والانكسار. ولعل طبيعة الألوان المستخدمة لتجسيد هذا المنحى ساهم في خلق المعنى المقصود. إذ لا يمكن فصل البنية الموضوعية عن الفنية، فهما في تظافر مستمر. فالتطلع لخيول اللوّحة عمقته الصياغات اللوّنية، وزادت من حراك الخيول.
ـ الجري على سرعة؛ وهي سمة دالة على الإصرار للوصول، أو تفادي خطر ملاحِق. وهي سمة لحركة تطلبت تركيز الإمكانيات الفنية والموضوعية لصالح إنتاج معنى أكثر شمولية للحركة. كما أن تشكيل أجساد الخيول فنياً، أظهر الحراك على قوة، ساهمت ريشة الفنان على ترك اللوّن على فعالية موضوعية وجمالية سامية.
ـ لعل التوّثب من أجل اجتياز العقبة، واحدة من علامات قوة الجسد. فقد كانت خيول الفنان في هذا الضرب من التعبير أكثر قوة بما تمتلكه من بلاغة التعبير عن سياقات الواقع. وتضمر دعوة إلى عدم الخضوع والضعف أمام معوّقات الوجود، مهما تعددت وسائله. فالرمز هنا على حيوية واضحة في التعبير عن ظواهر إنسانية.

سحر الطبيعة
الفنان وهو يراقب السحر الكامن في الطبيعة، لا تأخذه المشاهد، حيث تضعه ضمن هذا السحر المغري، وإنما يقف موقف الفاحص أولاً، وما تمنحه المفردات من دلالة ثانياً، ومحاولة وضع صيغة لما يرى ثالثاً. لذا نرى أنه ينظر إلى الطبيعة عكس ما يراه الآخر، سواء المتلقي البصري، أو الفنان الفوتوغرافي. إنه يُشاهد الطبيعة بعين ثالثة. بمعنى بعين الذات المرتبطة بسر الجمال وليس بما هو مُشاهَدْ. إن جمال اللوّحة في هذا الضرب من الرسم؛ يتجسد في ما يراه الفنان من جمال فيها. لذا كانت معظم اللقطات تخص الطبيعة وما تضمره من جمال مكشوف ومضمر. وقد لعبت ضربات الفرشاة دوراً في هذا الضرب. فقد اهتم كثيراً بالتشكل العام للمشهد، حيث خضع هذا إلى طبيعة الاختيار له خلال التأكيد على ما يُضفي جمالاً على وحدات اللوّحة من أشجار وماء وسماء، والعناية بنسبها المنسجمة مع بعض. فلا فائض قيمة يظهر على المشهد، بل إن كل المفردات على توازن تام.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية