كيف يمكن للمرء أن يخلق والده؟ غالباً ما تتخذ الأمور اتجاهاً معكوساً حيث يخلقنا آباؤنا ويزرعون في دواخلنا وعيهم للحياة. ليتبدّوا لاحقاً سلطةً وجب التمرد عليها وسحقها بالمعنى الرمزي. أما أن يحاول الابن خلق أباه فذالك قد يعني أن السلطة الأبوية بدلت موقعها وباتت أقرب إلى السلطة البنوية (نسبة إلى الأبن)؟
لكن الكاتب والشاعر اللبناني عبده وازن حين يقدم على هذه المغامرة المعرفية الشاقة المتمثلة بخلق الأب، في روايته السير ذاتية ‘غرفة أبي’ والتي صدرت حديثاً عن ‘منشورات ضفاف – بيروت ، منشورات الاختلاف – الجزائر’ لا يسعى لخلخلة موقع السلطة الأبوية بقدر ما يحاول استعادة والده ورسم ملامحه النفسية والوجدانية . فالكاتب افتقد وجود ابيه الذي توفي بعد سنوات قليلة على ولادته ولم يتثنى له التعرف عليه والعيش في كنفه والتحاور معه. إلا أن هذا الأب الغائب عاد بقوة في لغة ابنه وطغى على كل كلمة وجملة. الفقدان البيولوجي انعكس كثافةً تعبيرية بليغة، وما كان لحماً ودماً في الواقع صار لغةً وأفكار في النص.
وفي رحلة استرداد والده ينفتح وازن على آباء آخرين أوجدوا كشخصيات متخيلة في الروايات العالمية والأفلام السينمائية. مرد هذا الانفتاح هروب متعمد من فكرة الأب الذاتي وتأكيد مجازيته. وكأن الكاتب يسعى إلى جعل والده موضوعاً وليس ذاتاً ليخفف من وقع فقدانه الذي يسيطر على الذاكرة.
والفقدان هنا غير محدد بوقائع وتفاصيل كثيرة ما يجعله عرضة للتأويل المفتوح. لنجد أنفسنا أمام فقدان مضاعف بيولوجي عبر موت الأب، ورمزي عبر ندرة الذكريات التي يحفظها الابن عنه. وإذ كان الفقدان الأول يدرك البعد العاطفي والوجداني ، فإن الفقدان الرمزي يخلف فراغاً كبيراً لناحية الوعي بحيث يبدو الأب عبارة عن فكرة ضبابية غائمة. الأمر الذي دفع الكاتب إلى اجتراح معالجات أدبية ومونولوجية لملأ هذا الفراغ ، ليصير الأب سلسلة من الأفكار والهواجس والرغبات الضائعة بعد أن كان مجرد ذكرى باهتة.
هكذا يدخل عبده وازن فكرة الأب إلى مختبره الابداعي عبر منحيين متداخلين: الأول وجداني – عاطفي لا يكف عن محاورة الأب ومناداته بالرسائل والمونولوجات المؤثرة، والثاني أدبي معرفي يبحث صورة الأب في بعض منتجات الثقافة العربية والعالمية بدون أن يسقط بالأرشفة والتوثيق ، ذاك أن الكاتب يفتح نصه على خلطة سردية محكمة تدخل أي فكرة أو معلومة أو عاطفة حول الأب في السياق الروائي للنص. فالكلام عن معنى الأبوة في رواية التركي أورهان باموق في روايته ‘ حقيبة أبي’ يتوازى مع ذلك الذي يقوله وازن عن والده بحيث تتوالد الأفكار وتتطور مانحة جرح الأبوة أبعاد تأويلية جديدة.
اعادة خلق الأب باللغة والسرد على ما يفعل وازن في كتابه ليست سوى وجه آخر لخلق الذات. صحيح أن الابن يمتلك سلطة الكلام ويتحكم بمسار والده السردي ، لكن صراع ما يدور بين الاثنين داخل الرواية . صراع يهدف الكاتب من خلاله إلى خلق معادلة سيرذاتية طرفاها الابن والاب. مع بعض المقارنات بين حياتين تلحظ بذكاء أحوال البلد التعيس والأطور التي مرت عليه. وازن يسعى إلى استبطان والده، وكذلك الوالد يستبطن ابنه في اتفاق ضمني بينهما للمرور بزمنين ولرسم ملامح سيرتان ، لكن الابن على اعتباره المالك لسلطة السرد والمحرك لاسئلته يطغى بوعيه المعرفي ليصنع عالم من الأبوة. ولعل الغرفة التي ورثها الكاتب عن والده وعنوان كتابه بها ، هي نقطة الانطلاق نحو هذا العالم الثري.