عرفت كتابات عبد الرحمن عبد المجيد الربيعي في سنوات مبكرة من عمري قبل ولوج عالم الكتابة. كان ذلك في بداية التّسعينيات عندما كان عمري حوالي عقد ونصف العقد. وكنت أدرس في بدايات المرحلة الثانية من التعليم الثانوي…
في تلك الأيام تسرّب اسم هذا الكاتب بحب كبير، وربما أحببناه بذلك الحب الجديد نفسه الذي كان ينمو في أنفسنا، حب العراق الذي كان يتصاعد في تلك الفترة …فاقتسم مع العراق عاطفتنا وهي بصدد التفتح على هذا الكون واقتفاء التجارب الإبداعيّة المناضلة التي تكتب لأجل الوطن، مؤمنة بأهمية القلم.
كان الربيعي يصافحنا عبر عمود صحافي متميز في جريدة «الشروق» اليومية مع مجموعة من الكتاب التونسيين والعرب. لا أعرف إن كانت الذاكرة ما زالت قادرة على أن تسعفني بأسمائهم جميعا… ومنهم الشاعر الفلسطيني أكرم أبو سمرة، الكاتب التونسي الراحل سمير المزغني، الصحافي فيصل البعطوط وغيرهم من الأسماء. وكان الربيعي بينهم وكانت الأزمة تشتعل في الخليج العربي وقوات التحالف تحتشد في الظهران وطبول الحرب تقرع، والعراق يلوّح بشعاراته الكبيرة في تلك المرحلة وكان هؤلاء ينضوون تحت ركن يومي موسوم بأفلام في المعركة.
في تلك المرحلة الصاخبة، كانت كتابات الربيعي تشدنا وتستجيب لمزاجنا السائد، رغم إننا كنا نقرأها قراءة عاطفية ساذجة حسب. وظل قلمه راسخا نتابعه حتى بعد أن انتهت الحرب وظللنا ننتظر هذه المقالات حتى بعد أن تخلت الصحيفة عن هذا الركن وعن لذّة الصفحة الأخيرة التي كانت منبرا جذابا لعشاق المقالات الفكريّة المتميّزة. بعد سنوات وفي سنوات التعليم العالي في كلية الآداب في رقادة القيروانيّة يقرر أساتذتنا اختيار رواية من رواياته مدوّنة لدرس النثر الحديث، فقد اختار أستاذنا الراحل محمد البدوي ورضا بن حميد تدريسنا رواية «الأنهار» وهي من أعماله الأولى على غرار رواية «الوشم» والمجاميع القصصية مثل «السيف والسفينة» و»الخيول».
فتحت «الأنهار» أعيننا على التجريب الروائي وعلى هذه الكتابة الروائية الجديدة التي تعتمد الترقيم والتجزئة وتنوّع في لغتها وأساليبها. ولعلها جعلتنا نحبذ هذا النوع من الكتابة، بل إنها كانت بلسما لنا ولذلك الجيل التسعيني الذي تلقى إحباطات من نوع خاصّ، فوجدنا فيها علاجا لرضوض القلب وجراحه، خصوصا وقد كنا في مناخات تلتقي مع مناخات شخصياتها في كلية ضخمة تعد الآلاف من الطلبة في ذلك الزمن، قادمين من مدن وقرى مختلفة، مشحونين في اتجاهات شتى وبأحلام متنوّعة، في أجواء متوترة سياسيا بسبب الحراك الطلابي المستمرّ والاحتجاجات المتواصلة. وجدنا وكنّا من مشارب مختلفة شظايا أرواحنا وحياتنا في طلبة معهد الفنون الجميلة في بغداد الذين اختار منهم الربيعي شخصيات روايته ومشاغلهم. كنا نلتقي أصداء من أوجاعنا وأحلامنا واتجاهاتنا التي تتشكل في شخصيات إسماعيل العماري وسعدون الصفار وصلاح كامل وخليل الراضي وعبد الحميد الفلوجي، وأحببنا هدى عباس وياسمين فوزي وطرنا إلى تلك العوالم النقية والجميلة وازددنا ولعا ببغداد وبيروت…
وقد شكل الاطلاع على «الأنهار» حدثا مهما عندنا، فقد كانت تحولا في مطالعاتنا الروائية وانتزعتنا من مطالعاتنا الأولى ومرحلة الرواية العربية التقليدية. فقطعنا مع روايات نجيب محفوظ وأضرابه وانتقلنا إلى عوالم الرواية الجديدة ومغامراتها.
بعد سنوات انخرطت في الفعل الثقافي، وصارت لي مع الربيعي صلة محبة جميلة وتعرفت إليه على هامش بعض الندوات الثقافية هنا وهناك، ودعوناه بعض المرات ليلقي مداخلات في مدينة سيدي بوزيد. كان اللقاء الأخير في يونيو/حزيران 2013 أيام كان النشاط الثقافي والفكري متقدا ومنتصرا للفكر والأدب. وطوال هذه السنوات كان الربيعي رمزا من رموز المشهد الثقافي في تونس، يحظى بمحبة واسعة في الساحة الثقافية. فهو مثلما يقول عنه صديقه الراحل محمد البدوي في مقدمة كتابه، الذي أعده عن تجربته بعنوان الناصرية – بغداد – تونس «بقدر حبه للعراق بلدا وتاريخا وأهلا وأصدقاء فإن لعبد الرحمن مجيد الربيعي في كل مدينة تونسية أصدقاء كثر، ولعله يعرف تونس ومدنها وثقافتها أكثر من كثير من التونسيين حتى وإن كانوا من أهل الثقافة».
استمرت السنوات وبدأت أخبار الألم والمرض، ثم جاءت أنباء الرحيل والعودة إلى الديار وصمت قلم الربيعي الذي أحببناه وتربينا على كلماته ونصوصه، حتى بلغني الخبر الحزين.
هناك في أحد أنهج مدينة صفاقس خارجا من ندوة الروائيات التونسيات هذه الأيام فتحت الهاتف بحثا عن رقم أحد الأصدقاء، فاعترضني الخبر الحزين تردده الصفحات فيسبوكيّة.
رحل الربيعي… سقط قمر آخر من أقمار الثقافة العربية.. قلت على صفحتي ومضيت، تتراءى أمامي أطياف الذكرى ويستبد بي الحزن العميق.
كاتب تونسي