عبد الوهاب المؤدب: أفق التنوير في ثقافات الإسلام

قابلت الكاتب والأكاديمي التونسي عبد الوهاب المؤدب، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى الأسبوع الماضي في باريس بعد مرض لم يمهله طويلا، مرة واحدة أثناء محاضرة ألقاها في لندن عام 2004 بمناسبة صدور الترجمة الانكليزية لكتابه «علة الإسلام» الذي حقق نجاحا جماهيريا سواء في فرنسا أم في بريطانيا وأمريكا. وقد رحب باقتراحي إجراء حوار تلفزيوني معمق معه، ولكن الظروف حالت دون ذلك. على أن علاقتي به لم تنقطع قارئا لمؤلفاته اللافتة دوما بطرافة المداخل وثراء المقاربات، ومستمعا لبرنامجه الممتاز «ثقافات الإسلام» الذي ظل يبث على مدى 17 عاما كل يوم جمعة على الإذاعة الثقافية الفرنسية «فرانس كولتور». كما أجريت قبل أشهر حوارا مع صديقه المؤرخ الفرنسي، الجزائري المولد، بنيامين ستورا الذي أنجز معه قبل عامين كتابا لقي إقبالا واسعا لدى الجمهور في فرنسا، هو موسوعة من أرفع طراز عن «تاريخ العلاقات بين المسلمين واليهود من البدايات حتى اليوم».
تكمن دلالة عنوان برنامج عبد الوهاب المؤدب الإذاعي — «ثقافات الإسلام» — في حرصه على التفريق بين الإسلام حضارة والإسلام ديانة. وكان يحلو له أن يذكّر أن هذا الفارق جليّ منذ العصور الوسطى، بدليل اختلاف موقف دانتي في «الكوميديا الإلهية» من النبي محمد والإمام علي من جهة ومن ابن رشد وصلاح الدين من جهة أخرى. كان المؤدب شاعرا ومحاضرا في الأدب المقارن في جامعة باريس نانتير، وقد أفلح في أن يكون «عبّارا» بالجمهور بين الضفتين الإسلامية والغربية. لم يكن من جيل محمد أركون وجمال الدين بن الشيخ، ولكنه كان – بأسلوبه الشاعري العذب – مهموما مثل أركون بقضية الإصلاح الديني والتنوير الفكري في حضارة الإسلام وما تفرع عنها من قضايا منذ السبعينيات.
وقد كان من أهمها وألحها بالنسبة إليه، قضية قابلية الإسلام للاعتلال، أي للإصابة بعلة (مرض) «الإسلاموية»: الأصولية والتطرف. إذ يعتبر المؤدب أن الأصولية مرض أصاب الإسلام بمثلما كان التعصب مرضا أصاب الكاثوليكية (على النحو الذي بيّنه فولتير عام 1762 في «رسالة عن التسامح») وبمثلما كانت النازية مرضا أصاب ألمانيا (على النحو الذي بينه توماس مان عام 1947 في رواية «الدكتور فاوستس»). وللمؤدب في هذا المبحث الخطير سؤال تدشيني مباشر لا لف فيه ولا دوران: ما الذي يجعل الإسلام قابلا للمرض والاعتلال: هل هو مجرد قصور أفهام بعض المسلمين، أم أن في النص القرآني ما يستدعي الفهم الأصولي المتطرف ويستوجبه؟
يذكّر المؤدب بأن الحضارات كانت، على مدى عصور طويلة، متقاربة من حيث مستوى المعيشة ونظام الضبط الأخلاقي. ولكن ما فصل الغرب عن البقية هو التنوير. أي أن الافتراق بين حضارة الغرب وحضارات الإسلام والهند والصين لم يقع فعلا إلا في القرن 18. وفي شرح أسباب إصابة الإسلام بعلّته الأصولية، وما نجم عنها من عنف عدمي صارت له الآن «دولة»، يقول المؤدب إن السجية الغالبة على الذات المسلمة كانت تتمثل، حتى أواخر القرن 18، في «الأخلاقيات الأرستقراطية» (التي نسبها نيتشه للبدوي العربي تحديدا)، أي أخلاقيات إثبات الذات بالإشعاع الشخصي، أي بالبذل والمنح دون انتظار جزاء أو شكور. ولكن إدراك الفرد المسلم، منذ نهاية القرن 18، لمدى فداحة هزيمته أمام الغرب التوسعي قد حوّله من كائن سيّد عزيز إلى كائن مضمر للضغينة متوثب للثأر. ويقول المؤدب إن أحد آخر نماذج الكائن المسلم العزيز وجوديا والأرستقراطي أخلاقيا هو الأمير عبد القادر بفروسيته الجهادية في الجزائر ثم بسماحته الدينية (ولا سيما حمايته عام 1860 للمسيحيين) في بلاد الشام.
ويؤكد المؤدب أن روح الأخلاقية الأرستقراطية هي جوهر الحضارة الاسلامية وأن الترجمة الفكرية لهذا المسلك قد وجدت أفضل تعبيراتها في مدرسة ابن عربي (الذي كان الأمير عبد القادر من مريديه). ويرى، مثل كثير من المثقفين العرب، أنه كان يمكن لعقلانية المعتزلة أن تؤدي إلى بروز حركة تنوير إسلامي مؤسس لثقافة الفكر النقدي. ويقول، بما يتقنه من رشاقة الصياغة، إن ارتباط تاريخ المعتزلة بإرادة مستبد شرقي (المأمون) وتحول الاعتزال إلى عقيدة رسمية للدولة العباسية يمنعان من القول بأن الحرية قد واكبت اللحظة الذهبية لممارسة العقل.
تغمد الله عبد الوهاب المؤدب بأوسع الرحمات. نصوصه فاتنة بما فيها من كثافة فكر وجمالية بيان. حسبك قراءة مقارباته بين أبي تمام وملارميه، أو بين أبي نواس وبودلير.

٭ كاتب من تونس

مالك التريكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية