تردد اسمه بقوة بعد دوره المتميز في فيلم “الإخوة الأعداء” الذي جسد من خلاله شخصية الشاب المُصاب بالصرع والأخ غير الشقيق لنور الشريف وحسين فهمي، والمحرك الرئيسي للأحداث، قدم الممثل محي إسماعيل هذه الشخصية وبرع في أداء الدور المركب إلى الحد الذي خلق قناعة لدى الجمهور بأنه أفضل من يصور الحالة الهستيرية بكافة تفاصيلها، وربما انتقلت القناعة ذاتها إليه فبات يتقمصها ويتعايش معها حتى صار متخصصاً فيها.
وبرغم مرور سنوات طويلة على الفيلم والدور الاستثنائي المهم إلا أن تأثيره لا يزال إلى الآن عالقاً في ذهن المشاهدين والسينمائيين على حد سواء، فلا يُذكر اسم محي إسماعيل إلا مقروناً بالشخصية المركبة في “الإخوة الأعداء” وعلاقته الضدية بالأب القاسي المستهتر يحي شاهين أو الأرماني كما ورد في الرواية السينمائية المثيرة التي جلبت له الحظ في بداية مشواره فأصبح بعدها صاحب الصيت والسمعة.
في دور آخر له نفس الأهمية شارك إسماعيل سعاد حسني وحسين فهمي بطولة فيلم “خلي بالك من زوزو” في دور يقترب قليلاً من سمات الشاب الملوث قاتل أبيه في الفيلم المذكور سلفاً. فقد جسد شخصية طالب جامعي مُتزمت وعصبي ومعادي للثقافة والفن، وبحسب الصورة الدرامية التي كان عليها بدا وكأنه يعاني من أزمة نفسية أو حالة اغتراب بين زملائه في الجامعة، ولهذا برزت الشخصية وكان لها الاعتبار المُستحق بفضل الأداء التمثيلي الصادق وحفظها الجمهور عن ظهر قلب وأخذ في ترديد العبارة الشهيرة “جمعاء” في استحسان ملحوظ للأداء المُتقن.
ولم يستطع الفنان محي إسماعيل الهروب من تأثير الشخصيات المأزومة بفعل التركيز عليها من جانب المخرجين الذين جعلوها لصيقة بمن يجيدها ويضفي عليها من ظلال الموهبة ما يساعد على نجاحها وشيوعها كنمط إنساني موجود بالفعل، ولأن جزءا كبيراً من هذه المسؤولية يقع على الممثل، أصبح محي هو المتعهد الرسمي لتصدير هذه النماذج عبر الشاشة ولم يكن بوسعه طوال السنوات الماضية نفي ذلك ولا التنصل منه فهو من قدم الأدوار ومن ساهم في نقل صفاتها وسماتها للواقع المعاش.
ومن هنا تحولت المسألة لدى الفنان والممثل القدير من مجرد التعبير الأدائي إلى الفلسفة، فانتهج منهجاً خاصاً في تفعيل القدرات والأدوات الشخصية ليزيد من أهمية الأدوار المُسندة إليه، وساعده على ذلك طبيعة الشخصيات التي قدمها بتكويناتها النفسية والإنسانية الخاصة جداً، كشخصية نابليون بونابارت التي جسدها على المسرح في وقت مبكر من عمره الفني واعتنى بإظهار خواصها الداخلية مع المحافظة على ملامح الشكل الخارجي، إذ أمعن في التركيز على الكاريزما المعروفة عن القائد والجنرال ودقة ملاحظته وثباته الانفعالي، فخرجت الصورة الدرامية المعادلة للصورة الذهنية المتخيلة قريبة الشبه من النموذج التاريخي المكتوب والمدلل عليه في مئات الكتب واللوحات الفنية القديمة.
وفي أدوار أخرى مختلفة كفيلم “إعدام طالب ثانوي” وفيلم “حلاوة الروح” حاول المخرج أحمد فؤاد درويش، أن يستفيد من طاقة الممثل على مستويات كثيرة فعمد إلى توسيع مساحة دوره في الفيلمين فأسند إليه شخصية عزوز طالب الثانوية العامة الذي قتل عمته سهير رمزي ليستولي على أموالها مُرتكناً إلى أزمته النفسية وحالته المزاجية المتقلبة نتيجة العوز وضغوط الحياة المادية، وهو توظيف داخل السياق المركب ذاته، ليس مُنفصلاً عن مستويات الشخصية الدرامية المتباينة وهي منطقة تألق إسماعيل ونبوغه.
وقد تكررت التجربة في فيلم “حلاوة الروح” المأخوذ عن قصة العسكري الأسود ليوسف إدريس، إذ تم إسناد دور من نفس النوعية له باعتباره الممثل المتخصص أيضاً. ولم تنقطع صلة الفنان ونجم السبعينيات بالأدوار المركبة التي أغوته فالكثير من رصيده الإبداعي منحصر بين النماذج والعينات المشار إليها، فهناك دوره في فيلم “شهد الملكة” المأخوذ عن قصة للكاتب الكبير نجيب محفوظ، والذي قدم من خلاله شخصية مأمور قسم شرطة في أربعينيات القرن العشرين يتسم بالقوة والقسوة تجاه الخارجين على القانون، بينما يبدو ضعيفاً أمام جميلة الحي المرأة المحاربة نادية الجندي التي يشي سلوكها بالانحراف، في فصام بين القسوة والجبروت والضعف والتزلف والانحناء أمام الأنوثة ومغرياتها!
وفي مسرحية “بياعين الهوى” أقبل الممثل والنجم الكبير المثير للجدل منذ ثلاثين عاماً تقريباً على إزالة شعر رأسه بالكامل، ولم يكن ذلك معهوداً آن ذاك لكنه فعلها ليكون مُتسقاً من حيث الشكل مع الشخصية التي يؤديها والداخلة ضمن أطر التقمص والسير في الاتجاه المعاكس لزوم التفرد والبعد عن التقليدية.
ومن بين ما قدم محي إسماعيل أيضاً فيلم “الأقمر” وفيلم “ريال فضة” وفيهما لم يتنازل عن فكرة المغايرة والاختلاف كونه يرى في ذلك تجلياً لعبقريته الفنية وكشفاً عن مواهبه وقدراته، وربما لهذا الاعتقاد أسند إليه المخرج شريف عرفة دور كبير الكهنة في فيلم “الكنز 2” بوصفة الأنسب والأكثر خبرة ودراية بالشخصية الفرعونية التاريخية المهمة.
وفي معرض التنقل بين أدوار الفنان الكبير نذكر له دوراً مهماً في مسلسل “بستان الشوك” قدمه في أوائل الثمانينيات وكان منافسه الوحيد فيه الفنان الراحل أحمد زكي، حيث جرت بينهما مباراة ودية في فن الأداء التمثيلي انتهت بالتعادل، فلم يتفوق أحد منهما على الآخر وإنما ظل لكل منهما طابعة المتميز. فهكذا يستمر الممثل الذي يمكن القول بأنه ينتمي إلى المذهب البوهيمي في أدائه وتكوينه وفلسفته، فهو الساخر والنرجسي والمجنون والعبقري.