بيروت – “القدس العربي”: ختمت عبير نعمة العام 2018 بإطلاق باكورة تعاونها مع مرسيل خليفة في ألبوم “غنّي قليلاً”. وقد شكل حفل توقيع لسي دي تظاهرة ثقافية فعلية ضمن فعاليات معرض الكتاب العربي والدولي في بيروت. هذا التعاون أثمر عن حصيلة فنية جميلة ومميزة ضمن إصدارات العام المنصرم غير التجارية المعدودة.
ألبوم “غنّي قليلاً” تلقفه جمهور مرسيل خليفة الواسع برغبة في استكشاف نغمه مع صوت جديد مشهود له. وشكل محطة مهمة في مسيرة عبير نعمة التي صمدت ولم تنجرف إلى الفن الاستهلاكي، فحصدت ما يليق بصوتها وثقافتها الفنية وعمقها الإنساني. “القدس العربي” التقت عبير نعمة وكان هذا الحوار:
*بعد شوق الانتظار لجديدك مع مرسيل خليفة وصلنا “غنّي قليلا” ليكشف عن لقاء جميل. ماذا في كواليس التحضير والإنجاز؟
ـ استغرق تحضير العمل ثلاث سنوات سجلنا خلالها 24 أغنية. 14 أغنية تضمنها سي دي “غنّي قليلاً” والأغنيات المتبقية ستصدر العام المقبل. العمل مع مرسيل خليفة فيه الكثير من الرقي والاحترام. كنا أمام شعر وشعراء مميزين. فكل لحن له سحر ونمط موسيقي مختلف. غنيت من شعر وقصص وحكايات لمُبدع أعطى الكثير. “غنّي قليلاً” أرجو أن يكون رسالة ارتقاء.
* أغنية في “غني قليلاً” برأيك ما هي الحلقة المركزية التي تجمع هذا التنوع في الأنماط الغنائية التي سمعناها؟
ـ صحيح العمل كبير ووقعه ملحن واحد. ألحان بديعة مختلفة، أنماط مختلفة إنّما تبقى مُرتبطة ببعضها بشكل أو بآخر، وفي الوقت عينه لكل أغنية حالتها اللحنية الفريدة. وأتى التوزيع بمستوى راقٍ جداً. “غنّي قليلاً” عمل له مكان خاص في قلبي وفي حياتي الفنية. كنت أنتظر وصوله للناس، على أمل أن يجد كل من يستمع إليه أكثر من أغنية تمسه.
* هل كان اختيار كلمات وموضوعات الأغنيات مشتركاً مع مرسيل خليفة؟ وهل كانت لديك موضوعات ترغبين بغنائها؟
ـ مرسيل اختار الشعر جميعه، ومن المؤكد أني سمعته وكان لي رأي به. كنت أرغب بغناء “هيدا إنت” من كلمات جرمانوس جرمانوس وطلبت من مرسيل خليفة تلحينها، فكان. بعد أن انتهيت من تسجيل كل الأغنيات، شعرت أن جميعها تمسني بشكل أو بآخر، كما “الطفولة” التي أحببت كلماتها. وأيضاً “ما أجمل الحب” و”فكر بغيرك”.
* ماذا تعني لك كلمات محمود درويش “وأنت تعد فطورك فكر بغيرك” في هذا الزمن تحديداً من يفكر بغيره؟
ـ “لو خليت خربت” يقول المثل. لا شك كثيرون يفكرون بغيرهم. بغير ذلك نحن في عالم قاتم وأسود. من يسعون للتغيير ولإحداث فرق في الدنيا كثر. قد يكون ذلك من خلال المحبة. فالسلام يبدأ بابتسامة، ومنهم من ينشر الابتسام والفرح من حولنا. قد لا نراهم، لكنهم موجودون، وليت حضور أمثالهم يصير إلى ازدياد. هذا الحب موجود عبر كثيرين يعملون في مجالات متعددة في الحياة منها المؤسسات الخيرية. بينهم من يعملون سراً بدون أن يراهم أحد، ربما هم يعملون في الفن، السياسة أو في الصحافة. يمكن لكل منا أن يوصل رسالة سلام ومحبة في أي عمل يقوم به في الحياة. أتمنى لو كلنا يعمل لخلق تغيير حيث هو. إنها الطريقة الوحيدة التي تساعدنا لربح ذاتنا وإنقاذ العالم من آلام الحروب، بأن نقدر ونحترم بعضنا رغم الاختلاف بيننا. فالاختلاف ليس خلافاً. الدنيا تتسع للجميع.
*ما هي الاختبارات الجديدة التي خضتها على صعيد أنماط الغناء مع ألحان خليفة؟
ـ غنيت أنماط الغناء هذه سابقاً ولم يتسن للناس سماعها مني بشكل واسع. غنيتها في حفلات موسيقية عدة. أحفظ أغنيات الطرب العربية منذ كنت في الثامنة، كما أنني مُتخصصة في الموسيقى العربية من جامعة الروح القدس في الكسليك. مع ألحان مرسيل خليفة أتيح لي التعبير بصوتي عن الأنماط الموسيقيّة العربية التي يضمها السي دي الحالي، وسيتضمنها المقبل.
*كيف جمعتكما “قارعة طريق ساحلي” كما قال مرسيل؟
ـ قبل أن تكون الموسيقى لحناً وصوتاً هي بالنسبة لي إحساس وطريق جمعتني دروبها بالفنان الكبير مرسيل خليفة. للصدفة أنني ومرسيل نسكن في المنطقة نفسها، أضافة إلى ذلك أنا على معرفة بابنه بشّار خليفة وبالموسيقي العظيم وعازف الكمان أنطوان خليفة شقيق مرسيل. وصدف أن التقينا، ومن اللقاء الأول تحادثنا في عمل مشترك وتحقق، كون كل واحد منا كانت لديه الرغبة في هذا التعامل. الموسيقى هي التي تجمعني مع مرسيل. وهذا اللقاء هو لقاء إنساني وفني بامتياز. أقدر مرسيل واحترم فنه منذ الصغر، وكذلك والدي الذي يعزف العود، فقد كان يُسمعنا أغنياته. هو لقاء فني يحضنه الكثير من الحنين والموسيقى، وقد اكتمل مع صدور سي دي “غنّي قليلاً”. وأنا فخورة وسعيدة بهذا الإنجاز.
* ترنيمة “يا مريم” كانت تسكن مرسيل خليفة منذ زمن بعيد، فكم تسكنك؟
ـ “يا مريم البكر” من أكثر التراتيل المحببة إلى قلبي أيضاً. فهي صلاة تخصّ كل إنسان كون السيدة مريم مُكرمة في جميع الأديان السماوية. قام مرسيل بتوزيع موسيقي مختلف لهذه الترنيمة، وأحببنا أن تكون ضمن هذا العمل المُسجل. للسيدة العذراء مكانتها في قلبي، إنها أمي السماوية، موجودة في حياتي ولها أصلي دائماً. الأم التي حملت السيد المسيح سيدة عظيمة، وصارت أم كل منا.
*هل لديك أغنية مفضلة أو أثيرة من بين الـ 14؟
ـ بدون شك، ثمة أغنيات أسمعها أكثر من غيرها منها “هيدا إنت”، “طفولة”، “قالولي جاي” و”غني قليلاً”. وبعد التفكير، بالحقيقة لكل أغنية مكانها الخاص. أما “هيدا انت” فهي خاصة جداً بالنسبة لي.
*متى ستعاودين تجربتك في التلفزيون؟
ـ اشتاق على الدوام لهذه التجربة الإنسانية والموسيقية في آن. أتوق لهذا البرنامج بحدود لا وصف لها. العودة مؤكدة، لكن متى؟ هذا لا أعرفه. شخصياً أحتاج لهذا الاختبار، أحتاج لأن أمتلئ منه من جديد.
* ما هي أبرز المحطات في هذا البرنامج؟
ـ كل حلقة وثائقيّة من هذا الوثائقي كانت محطة مهمة جداً. وفي كل بلد كانت لي محطات عدة حيث قمنا بتصوير أكثر من ثلاثة أفلام وثائقية في كل بلد زرته. وسؤالك حول الوثائقي الأجمل أو الموسيقى الأجمل وفي أي بلد، فغالباً ما يُطرح علي السؤال نفسه، ولم أتمكن من الإجابة مطلقاً. أقول هذا بصدق كلي، ففي كل بلد كان اللقاء الإنساني هو الذي يميز هذا الاختبار. 40 فيلماً وثائقياً عُرض، ولكل منه طابعه الخاص وذكرياته ومواقفه وموسيقاه وناسه الذين ارتبطت بهم بصداقة مستمرة حتى الآن. لهذا أشعر أن كل بلد يعنيني مباشرة. فبعد هذا التصوير أشعر أنني أممية. فأنا بالطبع لبنانية ومُتجذرة بلبنانيتي، إنما أشعر أنني أنتمي بحق لكل إنسان في العالم، ولكل بلد زرته. هذه المشاعر جاءت نتيجة هذا الاختبار الذي قمت به على مدى خمس سنوات مع وثائقي موسيقى الشعوب.
*كيف تقرأين في سنة 2018؟
ـ سنة حملت لي الكثير من الإيجابيات. ضمت ضحكات ودموعا كثيرة. فقدت العديد من الأشخاص الأعزاء على قلبي، لكنهم معي وأشعر بوجودهم في كل ما أقوم به. مهنياً كان التوقيع مع شركة “يونيفرسال ميوزيك مينا” Universal Music MENA” وهذا التوقيع شكل محطة أساسية في العام 2018. باتت تلك الشركة حصناً لي وأشعر أنها عائلتي.
ومن الإنجازات التي افتخر بها حلول أغنية “وينك” في المرتبة الأولى في العام 2018 في الشرق بناء على قائمة شركة Apple كذلك تقديمي لخمسة عروض فنية كبيرة في دار الأوبرا في الكويت، والتي كانت من أرفع المستويات المسرحية والفنية والموسيقية وأيضاً السينمائية. وهذا العرض تم تصنيفه من أهم إنتاجات العالم العربي، أضافة إلى محطات كثيرة غيرها. وآمل أن تُكمل 2019 بالوتيرة نفسها بالنسبة لي، وأن أستطيع دائماً تقديم موسيقى جميلة، وأن تكون سنة سلام وأمان وصحة وخير لكل إنسان في العالم. وعلى الصعيد الشخصي، أتمنى أن يحفظ الله كل من أحب، وأن تكون سنة خير مُلونة ومُزينة بالموسيقى الجميلة، وأن أتابع مشواري الفني مع فريق عملي الذي يمدني دائماً بالحب والدعم الذي يأتي في طليعة استمراري.
*عبير نعمة في أيّ حفلات ترى ذاتها؟
– في كل مكان محترم يليق بالموسيقى، في كل مكان يتيح لصوتي أن يُسمع بحيث تصل الرسالة التي أريدها وما أريد قوله عبر الموسيقى، وفي المكان الذي يُتيح لي أن ألتقي بجمهور يُشبهني وأشبهه. هذا اللقاء الحاصل مع الناس في الحفلات الموسيقية يتحول لوحدة بينهم وبين الفنان، يتحول التواصل إلى تواصل روحي، إنساني، فكري وموسيقي. هذه هي العناصر التي أبحث عنها في المكان الذي أرغب في الغناء فيه.