مكتبة في الجزائر العاصمة
عاد النقاش بشأن الحالة المتعثرة للثقافة في الجزائر، وطرأت أحاديث لم تخرج من طور التنظير، تتداولها ألسن ومقالات من هنا وهناك، عن سبيل تحويل الثقافة إلى مساهم اقتصادي، كيف نجعل منها مادة تدر دخلاً في الخزينة العامة، كي تسير في قاطرة واحدة مع المحروقات، أو الصناعات الخفيفة، نسمع نقاشات في ذلك الموضوع ،كما لو أننا نحوز عصا موسى، وأن بمقدورنا تحويل الجماد إلى كائن حي، أو الصحراء إلى بحر، هكذا في لحظة فالتة من تاريخ البلد الحديث، جاء في بال الناس أن الثقافة بإمكانها أن تصير أيضاً مصدر دخل قومي، وأن من شأنها الخروج من العباءة الفلكلورية، التي لفتها في سنوات ماضية.
من منظور حيادي، يمكن أن نتفاءل، ففعلاً الثقافة من شأنها أن تتحول إلى ماكينة، أن تكون عنصر منتجاً لا متكلاً فقط على الدعم الحكومي، من الممكن أن نصنع أفلاماً تباع وتشترى في الخارج، وتغدق العملة الصعبة على البلد، أن نتبنى سياسة ثقافية تحول المسارح من مجرد منشآت إسمنتية إلى مقصد للناس، يدفعون مالاً قصد مشاهدة العروض، أو نحول صناعة الكتاب المحلية إلى صناعة إقليمية، وتصير الجزائر قطباً في ذلك المجال، هذا ما قد يتبادر في الأذهان على الصعيد النظري، فالجزائري بطبعه تغريه المغامرة، والنموذج الثقافي الفرنسي راسخ في الأذهان، ليس مستحيلاً أن نحول عاصمة البلاد إلى عاصمة أنوار ثقافية، لكن في الواقع الأمر لا ينبأ بخير، فقد تحولت الثقافة، من سنين طويلة، إلى سلعة مجانية، ملقاة على الأرصفة أو على قارعات الطرق، ولا أحد يهتم بالتقاطها، وقد وصلنا إلى تلك الحالة نظراً إلى عديد العوامل سنأتي على ذكرها.
جمعيات ثقافية أم جمعيات خيرية؟
العلاقة الأولى للمواطن مع الثقافة تبدأ مع الجمعيات الثقافية المحلية، التي نعثر عليها في كل مكان، في القرى أو في الأحياء، ولعل الجزائر تحتل صدارة عربية في عدد من الجمعيات الثقافية، التي تتكاثر من عام لآخر، فشروط الحصول على اعتماد ليست صعبة، إنما الصعوبة في ما تقدمه هذه الجمعيات من خدمات! الغالب عليها أن نشاطها موسمي، يتزامن مع أعياد وطنية، أو بمناسبة زيارات شخصيات رسمية، جلها لا يملك مقراً، إنما فقط ختماً وبعض المنتسبين إليه، مع العلم أن أي شخص يحق له الانتساب إليها، دونما شروط، ولن نجانب الصواب إن قلنا، إن هذه الجيوش من الجمعيات الثقافية هي التي تسببت في تمييع العمل الثقافي في الجزائر، بتحويله إلى نشاط خيري، تعرض خدماتها ونشاطاتها بالمجان، وكل شيء مجاني لا بد أن يصير مبتذلاً، مع الوقت، تنظم ندوات أو أمسيات شعرية أو لقاءات أدبية أو جلسات موسيقية أو عروضاً مسرحية أو سينمائية، كلها بالمجان، دون مساهمة ولو رمزية من الجمهور، ما جعلها تفقد هيبتها، بالتالي أضاع العمل الثقافي إجمالاً هيبته.
هذه الوضعية منبتها التنشئة الدينية للمثقف في الجزائر، الذي بات يخلط بين النشاط الثقافي والعمل التطوعي، في سبيل كسب الحسنات، لذلك نجد من بين الظواهر التي سادت بمجرد أن يصدر كتاب حتى يتهافت الناس على السؤال إن كان متاحا في صيغة إلكترونية مجانية، لا أحد يجرؤ على دفع دينار من جيبه من أجل نيل خدمة ثقافية، إن طالعوا إعلان عرض مسرحي أو سينمائي، فسوف يسألون إن كان الدخول مجانياً، وتراهن هذه الجمعيات الثقافية على إتاحة نشاطاتها بالمجان، بل بعضها يدفع رشوات للناس من أجل الحضور (بتوزيع مشروبات أو أكل)، كي يضمنوا صوراً، تنشر على وسائط التواصل، توحي بأن النشاط عرف صدى لدى الناس، مع غض النظر أن ذلك الجمهور جاء للتسلية لا الفائدة، جاء لأن لا شغل له، ولأن النشاط مجاني، كيف نفكر في صناعة ثقافية تضيف شيئاً للميزانية القومية، وقد ربينا المواطن على تعاطي الثقافة بالمجان؟ هذا المواطن ذاته لا يرى غضاضة في دفع الثمن الذي يطلب منه من أجل دخول ملعب كرة قدم أو من أجل دخول معرض سيارات، لكن حين يتعلق الأمر بالثقافة فقد ألف أن تتاح له بلا مقابل، ومن الصعب أن نقنعه بعكس ذلك، وهذا ما ورطتنا فيه غالبية الجمعيات الثقافية، مع استثناءات قليلة في الموضوع.
مثقف لا يُطالع قانوناً
نسمع، منذ سنوات، عن حالات مثقفين وفنانين جزائريين، يقضون آخر أيامهم في ظروف اجتماعية جد قاسية، من بينهم من لم يجد ثمن إيجار البيت أو مبلغاً لدفع قيمة الدواء، وهي حالة تدعو للتوقف، كيف يعقل أن فنانين تذاع أعمالهم في الإذاعة أو التلفزيون، أو كاتبا تعرض أعماله في المكتبات، ويعيشون في تلك الظروف الصعبة؟ والحق ان المثقف الجزائري في عمومه لا يعرف حقوقه، لا يطالع النصوص القانونية، يرضى بحاله بينما القانون يتيح له وضعاً أفضل، مع أن تلك القوانين ما تزال في حاجة إلى مراجعة، كي تكفل حق المثقف كاملاً، في ظل هذا الوضع، مع عدم إدراكه بالقوانين لا يمكن أن نتقدم خطوة صوب صناعة ثقافية، فالمثقف المحلي الذي تعود على التطاول على نظيره، وعلى إثارة الخصومات مع مثقفين مثله، يصير عاجزاً عن الدفاع عن حقوقه، ما نزال نشهد كتاباً لا يعرفون كيف يدافعون عن حقوقهم إزاء ناشرين، أو ممثلين في السينما أو المسرح يتقمصون أدواراً دون مقابل أو بمقابل رمزي، هكذا تسير سفينة الثقافة في الجزائر، بين تمييع للمجهودات تقوم به جمعيات ثقافية، وجهل بالقوانين يتحمل مسؤوليته المثقف، دون أن ننسى تلافي الحكومة إعادة النظر في النصوص القانونية، إزاء ذلك كله، لا يمكن أن نرجو إقلاعاً للقطاع الثقافي، بل سيظل على حاله قاصراً ملتزماً بمكانة ضيقة، متكلا على دعم السلطة له، خاضعاً، صاغراً، غير مبادر إلى الاستقلالية، وتظل بالتالي الثقافة مجرد واجهة لا مساهماً في الخزينة العامة.
كاتب جزائري